في أقل من عقد، انتقل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة من مشروع يركز على استصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الزراعية إلى أحد أكثر الكيانات تأثيرًا في إدارة ملفات الأمن الغذائي والاستثمار والتنمية داخل الدولة. هذا التحول لم يكن مجرد توسع في حجم المشروعات، بل إعادة تعريف لدور الجهاز داخل الاقتصاد المصري، بعدما بات يتولى مسؤوليات تمتد من إنتاج الغذاء وإدارة المخزون الاستراتيجي إلى استيراد السلع الأساسية، وصولًا إلى الاستثمار وتأسيس الشركات وإدارة الأصول.
واليوم، يأتي مشروع القانون الذي يبدأ مجلس النواب مناقشته ليضع الإطار التشريعي لهذا الواقع الجديد، عبر نقل الجهاز إلى الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية، ومنحه استقلالًا ماليًا وإداريًا وفنيًا، وصلاحيات استثمارية واسعة، بما يحوله رسميًا إلى كيان اقتصادي ذي طبيعة خاصة، قادر على تنفيذ مشروعات استراتيجية وإدارة استثمارات داخل مصر وخارجها، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو بناء مؤسسات أكثر مرونة لدعم النمو وتعظيم العائد من الأصول العامة.
من مشروع زراعي إلى ذراع اقتصادية للدولة
لم يعد نشاط جهاز مستقبل مصر مقتصرًا على استصلاح الأراضي، إذ توسع خلال السنوات الأخيرة ليصبح أحد أهم الكيانات المسؤولة عن دعم منظومة الأمن الغذائي، وإنشاء المخزون الاستراتيجي للمحاصيل وصوامع التخزين، كما تولى إدارة ملف شراء السلع الاستراتيجية للدولة، ليحل محل الهيئة العامة للسلع التموينية في استيراد القمح وعدد من السلع الأساسية.
هذا التوسع العملي سبق الإطار التشريعي، بينما يأتي مشروع القانون الجديد ليقنن هذا الدور ويمنحه غطاءً قانونيًا ومؤسسيًا يتناسب مع حجم المسؤوليات التي بات يتحملها الجهاز.
إشراف رئاسي وهيكلة جديدة تعزز سرعة اتخاذ القرار
ينص مشروع القانون على نقل تبعية الجهاز من وزارة الدفاع إلى رئيس الجمهورية مباشرة، مع إعادة هيكلته ليصبح كيانًا ذا طبيعة خاصة يتمتع باستقلال مالي وفني وإداري، ويتولى رئاسته رئيس مجلس إدارة بدرجة وزير.
كما يُستثنى الجهاز من تطبيق الحد الأقصى للأجور، وأحكام قانون الخدمة المدنية، وقواعد المشتريات والتعاقدات الحكومية، بما يمنحه مرونة تشغيلية أكبر في تنفيذ المشروعات وإدارة الاستثمارات.
وفي المقابل، تتحمل الخزانة العامة للدولة سداد جميع الضرائب والرسوم المستحقة على الجهاز، بما في ذلك ضريبة القيمة المضافة وضريبة الدمغة، في إطار دعم كفاءته التشغيلية.
ورغم إعفاء الجهاز من تحويل نسبة من أرباحه إلى الخزانة العامة وفق القواعد المعتادة، يمنح مشروع القانون رئيس الجمهورية سلطة تحديد نسب التحويل السنوية، بحيث تتراوح بين 10% و20% من صافي فائض العمليات الجارية السنوي لمناطق التنمية المستدامة، وبين 7% و10% من العوائد الحقيقية السنوية لاستثمارات الصندوق السيادي الجديد، فضلًا عن إمكانية تحويل مبلغ مقطوع سنويًا من فائض الصندوق الخدمي مع زيادته بنسبة لا تتجاوز 10% سنويًا.
صلاحيات اقتصادية تمتد إلى معظم قطاعات الدولة
يعكس مشروع القانون اتساع نطاق عمل الجهاز، إذ لم يعد مرتبطًا بالقطاع الزراعي فقط، بل يمتد إلى الزراعة، والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، والصناعات الاستخراجية، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتشييد والبناء، والطاقة، والمياه، والتعليم، والكهرباء، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
ويمنحه القانون حق استثمار أمواله داخل مصر وخارجها، وتأسيس الشركات أو المساهمة فيها أو الاستحواذ عليها، بما يحوله إلى لاعب اقتصادي يمتلك أدوات الاستثمار المباشر، وليس مجرد جهة تنفيذية للمشروعات.
حصانة قانونية واستقرار للمعاملات
ولتعزيز استقرار المعاملات الاستثمارية، ينص مشروع القانون على عدم قبول الدعاوى أو الطعون ببطلان التصرفات أو مبيعات الأصول التي يجريها الجهاز لتحقيق الأغراض والأهداف القومية إلا من أطراف تلك التصرفات أنفسهم، بما يحد من المنازعات التي قد تؤثر على تنفيذ المشروعات أو التصرف في الأصول.
مناطق التنمية المستدامة.. إطار جديد لإدارة الأصول
يعتبر مشروع القانون جميع الأراضي التي آلت إلى الجهاز قبل العمل به مناطق تنمية مستدامة، مع استمرار الجهاز في إدارة أصوله ومركباته وتعاقداته الحالية حتى انتهاء العمل بها.
كما يمنحه صلاحية تعديل الرسوم داخل هذه المناطق، بزيادة لا تتجاوز 5% سنويًا أو وفق معدل التضخم أيهما أقل، مع إمكانية خفضها بنسبة لا تتجاوز 2% أو وفق معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي أيهما أكبر.
كما يحدد القانون رسوم إصدار أو تجديد تراخيص مكاتب الاعتماد بما لا يتجاوز 500 ألف جنيه.
«أهرامات النيل» و«داعم».. صندوقان لإدارة الثروة والتنمية
ومن أبرز ملامح مشروع القانون إنشاء صندوقين جديدين.
الأول هو صندوق مستقبل مصر للثروة السيادية «أهرامات النيل»، ويستهدف تعظيم قيمة الأموال المخصصة للاستثمار لصالح الأجيال القادمة، مع منحه صلاحيات تأسيس صناديق فرعية وشركات، والدخول في شراكات مع صناديق محلية وأجنبية، والاستحواذ على صناديق سيادية أو اقتصادية أو استثمارية مملوكة للدولة أو دمجها ضمن هيكله.
أما الثاني فهو صندوق مستقبل مصر الخدمي «داعم»، الذي يركز على تمويل المشروعات الخدمية والاجتماعية في مجالات التعليم، والبحث العلمي، والصحة، والثقافة، والبنية التحتية، والإسكان.
عام لتوفيق الأوضاع.. وثلاث سنوات كحد أقصى للانتقال الكامل
يناقش مجلس النواب مشروع القانون من خلال لجنة مشتركة تضم معظم اللجان النوعية، تمهيدًا لإقراره.
وبعد صدور القانون، يلتزم الجهاز بتوفيق أوضاعه خلال عام واحد، مع منح رئيس الجمهورية صلاحية مد هذه المهلة لفترات إضافية لا يتجاوز مجموعها ثلاث سنوات.
قراءة اقتصادية
لا تبدو إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر مجرد تعديل إداري، بل تمثل خطوة تعكس تطورًا في فلسفة إدارة الأصول العامة داخل الدولة. فبدلًا من الاعتماد على كيانات تنفيذية تقليدية، تتجه الدولة إلى تأسيس مؤسسات اقتصادية ذات طبيعة خاصة، تمتلك مرونة أكبر في الاستثمار، وقدرة على إدارة المشروعات والأصول، وتأسيس الشركات، وعقد الشراكات، بما يعزز سرعة التنفيذ ويرفع كفاءة استغلال الموارد.
وفي حال إقرار مشروع القانون بصيغته الحالية، سيكون جهاز مستقبل مصر أمام مرحلة جديدة يتحول فيها رسميًا من مشروع تنموي إلى أحد أكبر الكيانات الاقتصادية في مصر، يجمع بين إدارة التنمية، والاستثمار، وتعظيم الأصول، والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي، ليصبح أحد أهم الأذرع المؤسسية الداعمة لرؤية الدولة في بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو وجذب الاستثمارات.


