
لماذا أرجأت الحكومة المصرية قانون الضريبة على الدخل؟.. هل انتقلت السياسة الضريبية من التشريع إلى التحفيز؟
وزارة المالية تستبعد طرح القانون الجديد وتراهن على حزمة ثالثة من التسهيلات.. ودمج الاقتصاد غير الرسمي يتصدر الأولويات قبل الانتقال إلى مرحلة العقوبات
مشروع القانون كان قد وصل إلى مرحلة الصياغة النهائية قبل أن تعيد المتغيرات الاقتصادية والإقليمية ترتيب الأولويات
الحكومة تتمسك بعدم فرض أعباء ضريبية إضافية وتراهن على توسيع القاعدة وتحسين الامتثال
الحزمة الثالثة تستهدف تسوية النزاعات ومعالجة التشوهات ودعم القطاعات الإنتاجية
2.5 تريليون جنيه حصيلة خلال 11 شهرًا تعزز الثقة في سياسة الحوافز بدلًا من رفع الضرائب
المرحلة المقبلة تجمع بين الرقمنة ودمج الاقتصاد غير الرسمي ثم تشديد العقوبات على غير الملتزمين
هل تراجعت الحكومة المصرية عن إصدار قانون جديد للضريبة على الدخل، أم أنها أعادت ترتيب أولوياتها الضريبية في توقيت تفرض فيه التوترات الإقليمية وضغوط بيئة الأعمال قدرًا أكبر من الحذر؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة بعد اتجاه وزارة المالية إلى إرجاء مشروع القانون الجديد، رغم الانتهاء من صياغته، والتحول بدلًا من ذلك إلى إعداد حزمة ثالثة من التسهيلات الضريبية تستهدف استكمال معالجة النزاعات والتشوهات القائمة، وتهيئة بيئة أكثر قدرة على جذب الاستثمار وتوسيع قاعدة الممولين.
ولا يبدو القرار منفصلًا عن الخطاب الحكومي الذي تبنته وزارة المالية خلال العامين الماضيين، والقائم على تأكيد أن زيادة الإيرادات الضريبية لن تأتي من فرض أعباء جديدة على المواطنين أو مجتمع الأعمال، وإنما من تحسين الإدارة، وتوسيع القاعدة، وتشجيع الامتثال، ودمج النشاط غير الرسمي في الاقتصاد المنظم. وأكدت وثائق رسمية لوزارة المالية أن نمو الإيرادات الضريبية تحقق دون إضافة أعباء جديدة على المواطن أو مجتمع الأعمال.
قانون جاهز.. لكن التوقيت لم يعد مناسبًا
بحسب تصريحات مسؤولين حكوميين، انتهت وزارة المالية من صياغة مشروع قانون الضريبة على الدخل بالكامل، إلا أن سرعة المتغيرات التي تشهدها بيئة الأعمال، إلى جانب الاضطرابات الإقليمية، لم تسمح بإتاحة الوقت الكافي أمام المجتمع الضريبي لمناقشة التشريع بصورة موسعة.
وتكشف هذه المبررات أن المشكلة لم تكن في مضمون القانون فقط، وإنما في تكلفة طرحه في هذا التوقيت. فأي تعديل واسع على قانون الضريبة على الدخل يستلزم حوارًا مجتمعيًا مع المستثمرين والمحاسبين والغرف التجارية والصناعية، كما يثير بطبيعته تساؤلات بشأن الشرائح والإعفاءات والحوافز وطريقة المحاسبة.
وفي ظل رغبة الحكومة في تقديم رسائل استقرار إلى القطاع الخاص، بدا أن المضي في حزمة تيسيرات محددة وأكثر قابلية للتنفيذ يتوافق بصورة أكبر مع احتياجات الاقتصاد من طرح قانون شامل قد يفتح جبهة واسعة من الجدل.
وأفادت تقارير حديثة بأن مشروع القانون جرى استبعاده بالفعل، مع تحويل الاهتمام إلى حزمة ثالثة من التسهيلات، تليها حزمة رابعة تركز على تشديد الامتثال والعقوبات.
من تعديل القانون إلى إصلاح العلاقة مع الممول
يعكس القرار تحولًا مهمًا في فلسفة الإدارة الضريبية. فبدلًا من البدء بتغيير القانون، اختارت الحكومة استكمال إصلاح العلاقة بين مصلحة الضرائب والممول، ومعالجة المشكلات التي تؤثر مباشرة في السيولة والاستثمار والامتثال.
وقدمت وزارة المالية خلال الفترة الماضية أكثر من إشارة إلى أن الهدف الأساسي هو بناء علاقة قائمة على الثقة والشراكة مع مجتمع الأعمال، وليس فقط زيادة الحصيلة. وأكدت مصلحة الضرائب أن الحزمة الثانية استهدفت مكافأة الممول الملتزم، وتحسين بيئة الاستثمار، وتخفيف الأعباء، وتسريع الإجراءات والخدمات.
كما تبنت الوزارة منذ إطلاق الحزمة الأولى خطابًا يقوم على حل المشكلات المتراكمة بين المصلحة والممولين، وإنهاء النزاعات، وتخفيف الأعباء الإدارية، وهو ما اعتبرته خطوة ضرورية لتحسين الامتثال الطوعي.
ما الذي ستعالجه الحزمة الثالثة؟
من المتوقع أن تمثل الحزمة الثالثة الحلقة الأخيرة في مرحلة التيسيرات الواسعة، وأن تركز على ثلاثة ملفات رئيسية.
أولها، تسوية الأوضاع الضريبية للممولين الذين ما زالت لديهم ملفات أو التزامات تحتاج إلى معالجة، بما يسمح بإغلاق نزاعات قديمة وإعادة دمجهم في المنظومة.
ثانيها، معالجة التشوهات الضريبية التي تؤثر في بعض الأنشطة والقطاعات الإنتاجية، سواء بسبب اختلاف طرق المحاسبة أو تداخل الإجراءات أو طول فترات الفحص ورد المستحقات.
أما الملف الثالث، والأكثر أهمية، فهو دمج المنشآت غير الرسمية في المنظومة الضريبية، باعتبارها أكبر مساحة يمكن من خلالها توسيع الحصيلة دون زيادة أسعار الضرائب على الملتزمين بالفعل.
وتتسق هذه الأولوية مع القانون رقم 6 لسنة 2025، الذي أقر حوافز وتيسيرات للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه، عبر نظام ضريبي مبسط يهدف إلى جذب المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى الاقتصاد الرسمي.
لماذا تتمسك الحكومة بسياسة التحفيز؟
تكمن الإجابة في الأرقام. فقد ارتفعت الحصيلة الضريبية بنسبة 27.5% خلال أول 11 شهرًا من العام المالي الماضي لتصل إلى نحو 2.5 تريليون جنيه، بما يعادل قرابة 11.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات التي استند إليها المسؤولون.
ويشير هذا النمو إلى أن تحسين الإدارة وتسوية النزاعات وتوسيع الامتثال قد يحقق عائدًا ماليًا كبيرًا دون الحاجة إلى رفع الضرائب أو تغيير الشرائح بصورة متكررة.
وكان وزير المالية أحمد كجوك قد أكد في تصريحات سابقة أن الحكومة تستهدف زيادة الإيرادات من خلال تطبيق قوانين التسهيلات القائمة وتقديم حوافز جديدة في الضرائب والجمارك والعقارات، من دون فرض أعباء ضريبية إضافية.
ومن هذه الزاوية، يصبح إرجاء القانون الجديد قرارًا اقتصاديًا محسوبًا: طالما أن الحوافز ترفع الحصيلة وتحسن الامتثال، فلماذا تتحمل الحكومة كلفة تشريع جديد واسع في توقيت حساس؟
الحزمة الأولى.. فتح الباب أمام التسوية
وضعت الحزمة الأولى الأساس لهذا التحول، عبر إتاحة نظام مبسط للمشروعات التي لا تتجاوز إيراداتها السنوية 20 مليون جنيه، وفتح مهلة أمام الممولين لتقديم الإقرارات الأصلية أو المعدلة دون التعرض لبعض الغرامات، إلى جانب تسريع إنهاء المنازعات.
كما أتاحت الحزمة للممولين تسوية بعض التصرفات العقارية والأرباح الرأسمالية عن فترات سابقة، ووفرت نافذة لتوفيق الأوضاع بدلًا من استمرار النزاعات لسنوات.
وكان الهدف الأساسي هو إعادة بناء الثقة وفتح الطريق أمام الممول غير المنتظم للعودة إلى المنظومة، بدلًا من دفعه إلى مزيد من الابتعاد عنها.
الحزمة الثانية.. دعم السيولة والاستثمار
انتقلت الحزمة الثانية من معالجة الملفات القديمة إلى تحسين البيئة التشغيلية للشركات، من خلال إجراءات تتعلق بسرعة رد ضريبة القيمة المضافة، وتسهيل استرداد الأرصدة الدائنة، وإجراء المقاصة بين مستحقات الشركات ومديونياتها لدى الجهات الحكومية.
كما تضمنت توجهات لتبسيط المعاملة الضريبية لسوق المال، ومنح مزايا للشركات التي تقيد أسهمها في البورصة، في إطار تحفيز الاستثمار المؤسسي وتوسيع قاعدة الشركات المدرجة.
وتضمنت الحزمة الثانية 26 بندًا، بحسب بيانات مصلحة الضرائب، ما يعكس انتقال السياسة الضريبية من تعديلات محدودة إلى برنامج متكامل لتحسين الإجراءات والخدمات.
ماذا بعد التسهيلات؟
التحول إلى التحفيز لا يعني أن الحكومة ستواصل تقديم التسهيلات بلا نهاية. فبحسب المسؤولين، ستكون الحزمة الثالثة هي الأخيرة في مرحلة «الترغيب»، بينما تتجه الحزمة الرابعة إلى فرض عقوبات وآليات أكثر ردعًا على المخالفين.
ويقوم هذا الترتيب على منطق واضح: منح الممولين فرصة كافية لتوفيق أوضاعهم، وإغلاق النزاعات، والاستفادة من الحوافز، ثم الانتقال إلى تطبيق أكثر صرامة بعد سد الثغرات وتبسيط الإجراءات.
وبذلك، تحاول وزارة المالية تحقيق معادلة تجمع بين الثقة والانضباط؛ فلا عقوبات واسعة قبل إزالة المشكلات الإدارية، ولا تيسيرات مفتوحة تسمح باستمرار عدم الامتثال.
رقمنة الضرائب تقلل الاحتكاك بالمأموريات
بالتوازي مع الحزم التشريعية، تتوسع وزارة المالية في رقمنة الخدمات الضريبية، باعتبارها أحد مفاتيح تقليل التكلفة والوقت والاحتكاك المباشر بين الممول والموظف.
وتعمل مصلحة الضرائب على تطوير تطبيق للهاتف المحمول يتيح للأفراد حساب ضريبة التصرفات العقارية البالغة 2.5% وسدادها إلكترونيًا، ضمن خطة أوسع لرقمنة خدمات التسجيل والإقرارات والإعفاءات والسداد.
كما أعلنت المصلحة التوسع في مراكز الخدمات المميكنة، وافتتاح مراكز جديدة في القاهرة الجديدة والعلمين الجديدة والشيخ زايد، بما يدعم تقديم الخدمات الضريبية بصورة أسرع وأكثر انتظامًا.
ولا تمثل الرقمنة مجرد تحسين خدمي، بل أداة لرفع الامتثال، وتقليل الأخطاء، وتسهيل تتبع المعاملات، وتوسيع قاعدة الممولين.
ماذا يعني القرار لمجتمع الأعمال؟
يحمل إرجاء قانون الضريبة على الدخل رسالة مزدوجة إلى المستثمرين.
الرسالة الأولى أن الحكومة لا ترغب في إدخال تغييرات تشريعية واسعة قد تربك خطط الشركات في بيئة تتسم أصلًا بدرجة مرتفعة من عدم اليقين.
أما الرسالة الثانية فهي أن مرحلة التيسيرات ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية؛ إذ ستعقبها مرحلة أكثر صرامة في الرقابة والتحصيل بعد الانتهاء من معالجة النزاعات والتشوهات.
وبالنسبة للممول الملتزم، قد تعني السياسة الجديدة خدمات أسرع وسيولة أفضل وحوافز أكبر. أما المنشآت غير الرسمية، فستجد نفسها أمام فرصة أخيرة تقريبًا للاندماج بشروط ميسرة قبل الانتقال إلى أدوات إنفاذ أكثر حدة.
هل انتهى قانون الضريبة على الدخل نهائيًا؟
رغم أن التصريحات المنقولة عن المسؤولين تشير إلى انتهاء فكرة المشروع الحالي، فإن ذلك لا يعني استحالة تعديل قانون الضريبة على الدخل مستقبلًا.
فالسياسة الضريبية بطبيعتها تتغير مع تطور الاقتصاد وهيكل الدخول والاستثمار والتكنولوجيا، لكن الدلالة الأهم حاليًا أن الحكومة لا ترى القانون الشامل أولوية عاجلة، وتفضل بدلًا منه معالجة المشكلات المباشرة عبر تشريعات وحوافز محددة.
وبذلك، لم تعد الأولوية هي كتابة قانون جديد، بل جعل المنظومة القائمة أكثر بساطة وعدالة وقدرة على جمع الإيرادات.
تحول واضح في إدارة المنظومة الضريبية
يكشف إرجاء قانون الضريبة على الدخل عن تحول واضح في إدارة الملف الضريبي في مصر؛ من الاعتماد على التشريع الشامل إلى التدخلات المستهدفة، ومن توسيع الالتزامات إلى توسيع قاعدة الملتزمين.
وتراهن الحكومة على أن تسوية النزاعات، وتحسين السيولة، ورقمنة الخدمات، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، يمكن أن تحقق إيرادات أعلى ومناخًا استثماريًا أكثر استقرارًا من فرض أعباء جديدة.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد حزم التسهيلات، وإنما في قدرتها على تغيير تجربة الممول داخل المنظومة، وتحقيق عدالة بين الملتزم وغير الملتزم، ثم تطبيق العقوبات بصورة واضحة ومتوازنة بعد استنفاد فرص التسوية.





