جريدة اخبارية شاملة
رئيسي وادي دجلة
رئيس التحرير طارق شلتوت
بنك مصر داخل المقالة

الصكوك الضريبية.. كيف تحوّل مصر ضرائب المستقبل إلى تمويل اليوم؟ وما الذي سيكسبه الاقتصاد والممول والمواطن؟

 

أعاد اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسي مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير المالية أحمد كجوك ملف الصكوك الضريبية إلى واجهة السياسة المالية المصرية، بعدما وافق الرئيس على مقترح إصدارها بحيث يمولها الممولون وتُخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية، مع تحديد عائد مناسب عليها، بهدف خفض الاحتياجات التمويلية وتكلفة خدمة الدين.

- Advertisement -

المقترح يأتي في توقيت تبحث فيه الحكومة عن أدوات إضافية لإدارة الدين والتمويل، بينما تستهدف موازنة العام المالي 2026/2027 إيرادات عامة بنحو 4 تريليونات جنيه مقابل مصروفات تقترب من 5.1 تريليون جنيه، مع استهداف فائض أولي يبلغ 1.2 تريليون جنيه، وخفض دين أجهزة الموازنة إلى نحو 78% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية يونيو 2027.

لكن أهمية الصكوك الضريبية لا تكمن في كونها مصدرًا جديدًا للإيرادات بقدر ما ترتبط بإعادة ترتيب توقيت التدفقات المالية: كيف تحصل الدولة على سيولة في الوقت الحالي مقابل التزامات ضريبية ستُستحق مستقبلًا، وبأي تكلفة؟

وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الاقتصادي الحقيقي للأداة.

الصكوك الضريبية ليست فكرة جديدة

على عكس الانطباع الذي قد يتركه الإعلان، فإن الصكوك الضريبية ليست أداة مستحدثة في التشريع المصري.

فالمادة 115 من قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 تنص على أن للوزير إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون وتحمل عائدًا معفى من الضرائب يحدده الوزير، كما تمنح الصكوك والعوائد المستحقة عليها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة.

وبالتالي، فإن الجديد في التحرك الحالي ليس وجود الأساس القانوني، وإنما إعادة طرح الأداة كجزء من أدوات إدارة الاحتياجات التمويلية في المرحلة الراهنة.

وهذه نقطة مهمة لفهم طبيعة القرار: الحكومة لا تبدأ من الصفر تشريعيًا، لكن تفعيل الأداة على نطاق عملي يحتاج إلى تحديد قواعد الإصدار والعائد والاستحقاق وآليات الاستخدام والتسوية.

كيف تعمل الصكوك الضريبية؟

في أبسط صورة، تقوم الفكرة على تقديم الممول جزءًا من الأموال للدولة في الوقت الحالي، مقابل حصوله على صك يمكن استخدامه لاحقًا في سداد التزاماته الضريبية، وفق القواعد التي سيحددها الإصدار.

وبالتالي تتحرك الأموال في اتجاهين زمنيين مختلفين:

الممول يدفع الآن → الدولة تحصل على السيولة → الممول يستخدم الصك والعائد المستحق عليه لاحقًا في تسوية الضرائب.

لكن هذه العملية لا تعني أن الدولة حصلت على إيراد ضريبي إضافي بالمعنى المحاسبي؛ فالجزء الأساسي من العملية يتعلق بتقديم توقيت التحصيل.

وهنا تظهر القيمة الاقتصادية المحتملة للأداة: إذا كانت تكلفة الحصول على هذه السيولة من خلال الصكوك الضريبية أقل من تكلفة الاقتراض البديل، فإن الدولة تحقق وفرًا في تكلفة التمويل.

أما إذا كان العائد الممنوح للممول مرتفعًا إلى درجة تقترب من تكلفة أدوات الدين الحكومية أو تتجاوزها، فإن الميزة المالية تصبح أقل وضوحًا.

لماذا تعود الأداة الآن؟

الظرف المالي الذي تظهر فيه الصكوك الضريبية هو الجزء الأهم في تفسير القرار.

موازنة 2026/2027 تستهدف إيرادات عامة بنحو 4 تريليونات جنيه، مقابل مصروفات تبلغ نحو 5.1 تريليون جنيه، مع استهداف تحقيق فائض أولي بقيمة 1.2 تريليون جنيه، وخفض العجز الكلي إلى 4.9% من الناتج المحلي، وخفض دين أجهزة الموازنة إلى نحو 78% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027.

وفي الوقت نفسه، يضع صندوق النقد الدولي تكلفة خدمة الدين واحتياجات التمويل الإجمالية في قلب المخاطر المالية المصرية. ووفق أحدث تقرير للصندوق، تراجعت نسبة الدين الحكومي العام إلى الناتج المحلي من 97.2% في السنة المالية 2023/2024 إلى 91.8% في 2024/2025، لكن احتياجات التمويل الإجمالية لا تزال مرتفعة، وتدور حول 40% من الناتج خلال السنوات الثلاث التالية وفق تقديرات الصندوق. كما تمثل مدفوعات الفوائد النقدية نحو 83% من إيرادات الضرائب الحكومية.

هذه الأرقام تفسر لماذا أصبح خفض تكلفة التمويل وإدارة آجال الدين وتنويع مصادره من الملفات الأساسية في السياسة المالية.

وفي هذا الإطار، أشار صندوق النقد إلى حاجة مصر إلى تطوير إدارة الدين وتعميق سوق الدين المحلي، إلى جانب إصدار أدوات أطول أجلًا والصكوك وتنويع مصادر التمويل.

ما الذي يمكن أن تكسبه الدولة؟

المكسب المحتمل الأول هو خفض الاحتياجات التمويلية من السوق.

فإذا استطاعت وزارة المالية الحصول على جزء من السيولة من خلال الممولين مقابل التزامات ضريبية مستقبلية، فإنها قد تحتاج إلى اقتراض مبلغ أقل عبر أدوات أخرى، بحسب حجم الإصدار وشروطه.

المكسب الثاني هو احتمال خفض تكلفة التمويل.

وهنا لا يكفي معرفة حجم الأموال التي ستجمعها الدولة. المقياس الأهم هو مقارنة تكلفة الصك الضريبي بالعائد الذي كانت ستدفعه الدولة للحصول على التمويل نفسه من أذون أو سندات الخزانة أو غيرها من أدوات الاقتراض.

المعادلة ببساطة:

جدوى الصك = تكلفة التمويل عبر الصك مقارنة بتكلفة البديل.

إذا كانت تكلفة الصك أقل، يتحقق وفر مالي.

أما إذا كانت مساوية أو أعلى من تكلفة الاقتراض البديل، فإن المبرر المالي للأداة يصبح أضعف.

ماذا يكسب الممول؟

بالنسبة للممول، لا تكمن جاذبية الصك في مجرد تأجيل الضريبة، وإنما في الحصول على عائد مقابل تقديم السيولة في وقت مبكر.

والقانون يمنح الصك والعوائد المستحقة عليه قوة الإبراء عند سداد الضرائب، كما ينص على أن العائد يكون معفى من الضرائب وفق المادة 115.

لكن من المبكر تحديد مدى جاذبية الأداة للشركات قبل الإعلان عن شروط الإصدار.

فالممول سيقارن بين العائد المتوقع على الصك وبين العائد الذي يمكنه تحقيقه من توظيف السيولة في بدائل أخرى، إلى جانب تقييمه لسيولة الصك ومدته وشروط استخدامه في تسوية الالتزامات الضريبية.

ولهذا فإن سعر العائد وشروط الاستحقاق والتسوية ستكون العناصر الحاسمة في تحديد حجم الإقبال على الأداة.

هل الصكوك الضريبية تخفض الدين العام؟

الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة.

الصكوك الضريبية يمكن أن تخفض احتياجات التمويل أو تعيد توزيع مصادره، لكنها لا تعني تلقائيًا انخفاض الدين العام بالقيمة المطلقة.

إذا حصلت الدولة على أموال مقدمًا مقابل التزامات ضريبية مستقبلية، فإنها تحسن السيولة الحالية، لكنها في المقابل ستقبل الصك والعائد المستحق عليه عند تسوية الالتزام الضريبي وفق شروط الإصدار.

لذلك لا يمكن الحكم على أثر الأداة على الدين من حجم الإصدار وحده.

المعيار هو:

هل أدت حصيلة الصكوك إلى استبدال اقتراض أعلى تكلفة؟

وإذا كانت الإجابة نعم، فهناك وفر محتمل في خدمة الدين.

أما إذا استخدمت الحصيلة لزيادة الإنفاق دون تقليل الاقتراض البديل، فإن الأثر على مسار الدين سيكون مختلفًا.

الصكوك الضريبية وأذون الخزانة.. منافسة أم تكامل؟

الصكوك الضريبية تختلف عن أذون وسندات الخزانة من حيث طبيعة العلاقة مع المستثمر.

في أذون الخزانة، تقترض الدولة من المستثمر مقابل التزام مالي محدد.

أما الصك الضريبي فيربط التمويل بالتزام ضريبي للممول، بحيث يمكن استخدام الصك والعوائد المستحقة عليه في سداد الضرائب وفق الإطار القانوني والتنفيذي.

لذلك يمكن النظر إلى الصك الضريبي باعتباره أداة تمويل مرتبطة بالقاعدة الضريبية أكثر من كونه بديلًا تقليديًا لأذون الخزانة.

لكن المنافسة الاقتصادية بين الأداتين ستظهر في النهاية عند مقارنة تكلفة كل منهما على الدولة.

هل تمثل الصكوك الضريبية موردًا جديدًا للخزانة؟

ليس بالضرورة.

وهذه من أكثر النقاط التي تحتاج إلى توضيح للمواطن.

إذا كانت الشركة ستدفع ضريبة قدرها 100 مليون جنيه مستقبلًا، ثم دفعت أموالًا الآن مقابل صك يمكن استخدامه في تسوية هذا الالتزام، فإن الدولة لا تكون قد خلقت إيرادًا ضريبيًا جديدًا بقيمة 100 مليون جنيه.

إنها حصلت على السيولة في توقيت أبكر.

لذلك فإن وصف الأداة بأنها “زيادة في الإيرادات” قد يكون مضللًا إذا لم يُميز بين الإيراد الضريبي وبين التمويل المقدم مقدمًا.

الأثر الحقيقي هو في إدارة السيولة وتكلفة التمويل.

التأثير المحتمل على البنوك والقطاع الخاص

قد تمتد آثار الأداة إلى سوق الائتمان المحلي.

فإذا أدت الصكوك الضريبية إلى خفض جزء من احتياجات الحكومة للاقتراض من السوق المحلية، فقد تخف المنافسة على السيولة بين الحكومة والقطاع الخاص.

لكن هذا التأثير ليس تلقائيًا.

فحجمه سيتوقف على قيمة الإصدار، ومصادر تمويل الممولين للصكوك، وما إذا كانت السيولة المستخدمة لشراء الصكوك كانت ستذهب أصلًا إلى الودائع أو أدوات الدين أو تمويل استثمارات جديدة.

ومن ثم، فإن الحديث عن تحرير سيولة للبنوك أو زيادة تمويل القطاع الخاص يجب أن يظل في إطار الأثر المحتمل وليس النتيجة المؤكدة قبل ظهور بيانات التنفيذ.

المواطن العادي.. أين مصلحته؟

المواطن العادي ليس المستهدف المباشر من الصكوك الضريبية باعتبارها أداة استثمار جماهيري مثل الشهادات المصرفية.

الأثر الذي قد يصل إليه سيكون غير مباشر.

إذا نجحت الدولة في الحصول على التمويل بتكلفة أقل، فإن الوفر الناتج يمكن أن يدعم مسار خفض خدمة الدين، بما يخلق مساحة أكبر في الموازنة للإنفاق العام.

لكن هذا الأثر لا يحدث بمجرد إصدار الصكوك.

الشرط الأساسي هو أن تستخدم الحصيلة لخفض أو استبدال تمويل أعلى تكلفة، وليس مجرد إضافة مصدر جديد للسيولة ثم العودة إلى الاقتراض لتغطية الاحتياجات نفسها.

وبلغة المواطن:

الفائدة ليست أن الدولة حصلت على فلوس مقدمًا؛ الفائدة الحقيقية أن تحصل عليها بتكلفة أقل، فتدفع فوائد أقل لاحقًا.

أين تكمن المخاطر؟

المخاطرة الأساسية ليست في الأداة ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها.

فالتوسع في تقديم الضرائب المستقبلية مقابل سيولة حالية قد يحسن وضع السيولة في المدى القصير، لكنه قد يخلق ضغطًا مستقبليًا إذا لم يتزامن مع إدارة دقيقة للتدفقات النقدية.

كما أن ارتفاع العائد الممنوح للممول قد يقلل الوفر المتوقع على الدولة.

وتظهر مخاطرة أخرى إذا أصبحت الأداة وسيلة لتمويل الإنفاق بدلًا من استخدامها لإحلال تمويل أقل تكلفة محل تمويل أعلى تكلفة.