
رغم تراجع مبيعات أكبر 10 شركات عقارية في مصر بنحو 6.5% خلال الربع الأول من عام 2026، وانخفاض عدد الوحدات المباعة بنحو 15% إلى قرابة 15.5 ألف وحدة، وفق مؤشرات السوق، لم تشهد أسعار العقارات الانخفاض الذي توقعه كثيرون، بل واصلت الارتفاع في عدد من المشروعات، مدفوعة بزيادة تكاليف الأراضي والإنشاءات.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت مساهمة تكلفة الأرض في بعض المشروعات إلى ما بين 35% و50% من إجمالي التكلفة، مقارنة بالنسبة الطبيعية التي تتراوح بين 20% و25%، بينما لجأت الشركات إلى مد فترات السداد لتصل إلى 12 و15 عامًا بدلًا من خفض الأسعار. هذه المؤشرات تطرح تساؤلًا رئيسيًا: لماذا تصمد أسعار العقارات رغم تباطؤ المبيعات؟ وهل يشهد السوق تصحيحًا سعريًا خلال الفترة المقبلة، أم أن معادلة التكلفة أصبحت أقوى من تراجع الطلب؟
يرى الخبراء والمتعاملون بالسوق:
أن انخفاض المبيعات لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار، خاصة في قطاع يعتمد على دورة استثمارية طويلة، وتكاليف إنتاج متغيرة باستمرار، وهو ما يدفع الشركات إلى البحث عن حلول بديلة لتنشيط المبيعات دون المساس بالقيمة السعرية للمشروعات.
تكلفة التطوير أصبحت العائق الأكبر أمام أي خفض للأسعار
على الرغم من تباطؤ الطلب، فإن المطورين يواجهون ضغوطًا متزايدة على جانب التكلفة، إذ لا تزال أسعار مواد البناء، والأجور، والخدمات، وأعمال التنفيذ، أعلى بكثير من مستوياتها قبل سنوات، إلى جانب ارتفاع تكلفة التمويل بالنسبة للشركات.
ويؤكد خبراء أن أي تخفيضات سعرية واسعة قد تدفع بعض الشركات للبيع بأقل من التكلفة الفعلية، وهو سيناريو يصعب تطبيقه في ظل استمرار التضخم وارتفاع تكاليف التطوير، لذلك تلجأ الشركات إلى الحفاظ على الأسعار المعلنة، مع تقديم مزايا تمويلية وتسويقية تعوض العميل عن غياب التخفيضات المباشرة.
كما أن خفض الأسعار قد ينعكس سلبًا على العملاء الذين سبق لهم شراء وحدات داخل المشروع نفسه، بما يؤثر على القيمة السوقية للأصول ويضر بسمعة المطور وثقة المستثمرين.
الأرض… العنصر الأكثر تأثيرًا في معادلة التسعير
أصبحت تكلفة الأرض خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز محددات أسعار العقارات، بعدما ارتفعت حصتها من التكلفة الإجمالية للمشروع إلى ما بين 35 و50% في بعض المشروعات، مقارنة بالمعدلات الطبيعية التي كانت تتراوح بين 20 و25%.
ويرجع ذلك إلى الارتفاع المستمر في أسعار الأراضي داخل المدن الجديدة والمناطق الساحلية، وهو ما يقلص قدرة الشركات على تقديم تخفيضات حقيقية دون التأثير على الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
وتؤكد هذه المعادلة أن أي انخفاض مستقبلي في أسعار العقارات لن يكون مرتبطًا فقط بتراجع الطلب، وإنما يتطلب أيضًا انخفاضًا في تكلفة الأراضي أو تغيرًا في سياسات الطرح والتسعير.
تباطؤ المبيعات لا يعني اختفاء الطلب
يرى متخصصون أن السوق لا يمر بحالة ركود كامل، وإنما يشهد تأجيلًا لقرارات الشراء من جانب شريحة واسعة من العملاء.
فارتفاع أسعار الفائدة أدى إلى زيادة تكلفة التمويل، بينما دفعت حالة عدم اليقين الاقتصادي بعض المشترين إلى تأجيل قرارات الاستثمار، انتظارًا لتحسن الظروف التمويلية أو استقرار الأسعار.
في المقابل، لا يزال العقار بالنسبة لقطاع كبير من المصريين أحد أهم أدوات الحفاظ على قيمة المدخرات في مواجهة التضخم، وهو ما يضمن استمرار وجود طلب حقيقي، وإن كان بوتيرة أبطأ مقارنة بالسنوات الماضية.
المطورون يغيرون أدوات المنافسة بدلاً من خفض الأسعار
بدلاً من الدخول في منافسة سعرية قد تؤثر على قيمة المشروعات، اتجهت الشركات العقارية إلى ابتكار حلول تسويقية وتمويلية تستهدف الحفاظ على معدلات البيع.
وشملت هذه الحلول زيادة مدد التقسيط لتصل في بعض المشروعات إلى 12 و15 عامًا، وخفض مقدمات الحجز، وتحمل جزء من رسوم الصيانة، وتقديم خصومات للحجز النقدي، إلى جانب تصميم أنظمة سداد أكثر مرونة تتناسب مع تراجع القدرة الشرائية.
ويرى محللون أن هذه السياسات تحقق هدفين في الوقت نفسه؛ الأول تحفيز الطلب، والثاني الحفاظ على مستويات الأسعار وعدم خلق موجة انخفاض قد تمتد إلى السوق بالكامل.
هل يشهد السوق تصحيحًا سعريًا؟
يرجح عدد من المطورين والخبراء استمرار استقرار الأسعار خلال الفترة المقبلة، مع استبعاد حدوث انخفاضات كبيرة في المدى القصير، إلا إذا تزامن ذلك مع تراجع واضح في أسعار الأراضي ومواد البناء، أو انخفاض تكلفة التمويل، بما يخفف الضغوط الواقعة على الشركات.
وفي المقابل، يتوقع مراقبون أن تستمر المنافسة بين الشركات عبر تقديم مزايا تمويلية وخدمات إضافية، بدلاً من تخفيض الأسعار بصورة مباشرة، حفاظًا على القيمة الاستثمارية للمشروعات.
كما أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي أو تراجع أسعار الفائدة قد يعيد تنشيط الطلب تدريجيًا، وهو ما قد يدعم استمرار استقرار الأسعار خلال المرحلة المقبلة.





