
أعتقد أن هذا الملف يستحق صياغة أقرب إلى البورتريه التاريخي وليس التقرير الخبري. لذلك أقترح لغة أكثر هدوءًا ورصانة، مع سرد يليق بمنصة مرموقة مثل «المطور».
—
مشاهد من أخطر زلزال ضرب مصر خلال 100 عام.. 30 ثانية أعادت رسم خريطة العمران وخلّفت مئات الضحايا
– هزة خاطفة تحولت إلى واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث
– مئات الضحايا وآلاف المصابين ومدن استيقظت على مشاهد لم تعهدها من قبل
– كارثة كشفت هشاشة آلاف المباني ومهّدت لثورة في أكواد البناء ومقاومة الزلازل
– لماذا يعود المصريون إلى استحضار تلك الذكرى مع كل هزة أرضية يشعرون بها؟
لم تستغرق سوى ثلاثين ثانية تقريبًا، لكنها كانت كافية لتكتب فصلًا استثنائيًا في تاريخ مصر الحديث. ففي لحظات خاطفة، تبدلت ملامح أحياء كاملة، وامتلأت الشوارع بآلاف المواطنين، وتحولت أصوات الحياة اليومية إلى صرخات استغاثة، بينما كانت فرق الإنقاذ تخوض سباقًا مع الزمن بين الأنقاض. ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الحديث عن الزلازل في مصر مجرد خبر عابر، بل أصبح ذكرى محفورة في الوجدان الوطني، تعود إلى الواجهة كلما اهتزت الأرض تحت أقدام المصريين، كما حدث مع الزلزال الذي شعر به المواطنون اليوم.

عصر هادئ انتهى بكارثة لم تكن في الحسبان
في الساعة الثالثة وتسع دقائق من عصر الثاني عشر من أكتوبر عام 1992، تعرضت منطقة دهشور جنوب القاهرة لزلزال بلغت قوته 5.9 درجة على مقياس ريختر، لتنتقل موجاته سريعًا إلى القاهرة الكبرى وعدد كبير من المحافظات.
ورغم أن الهزة لم تدم سوى ثوانٍ معدودة، فإن آثارها امتدت لسنوات طويلة، بعدما تحولت شوارع القاهرة إلى مشاهد من الفوضى والهلع، وخرج مئات الآلاف من منازلهم ومقار أعمالهم ومدارسهم، فيما بدأت سيارات الإسعاف والحماية المدنية التحرك إلى عشرات المواقع المنكوبة في وقت واحد.

مئات الضحايا… وجرح لم يندمل
خلف الزلزال، وفق البيانات الرسمية آنذاك، أكثر من 500 قتيل وآلاف المصابين، بينما فقدت آلاف الأسر منازلها بعد انهيار أو تضرر عدد كبير من العقارات والمنشآت.
ولم تكن الخسائر مجرد أرقام، بل قصصًا إنسانية مؤلمة؛ أسر فقدت أبناءها في لحظات، وأحياء كاملة عاشت أيامًا من الخوف والترقب، فيما امتدت الأضرار إلى مدارس ومستشفيات ومنشآت عامة، لتصبح الكارثة واحدة من أكثر الأحداث إيلامًا في ذاكرة المصريين.
لماذا كان تأثيره أكبر من قوته؟
ربما كانت المفارقة الأبرز أن الزلزال لم يكن من بين الأعنف عالميًا، لكن تأثيره داخل مصر كان استثنائيًا.
ويرجع ذلك، وفق الدراسات الهندسية، إلى أن جزءًا كبيرًا من المباني في ذلك الوقت لم يكن مصممًا وفق معايير مقاومة الزلازل، إلى جانب وجود عقارات قديمة وأخرى تعاني من ضعف في التنفيذ أو مخالفة للاشتراطات الهندسية، وهو ما ضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية.
وأكدت التحقيقات الفنية التي أُجريت لاحقًا أن طبيعة المباني كانت عاملًا حاسمًا في حجم الدمار، أكثر من قوة الزلزال نفسها.
الكارثة التي غيّرت فلسفة البناء
لم يكن ذلك الزلزال مجرد حادث عابر في سجل الكوارث الطبيعية، بل تحول إلى نقطة فاصلة في تاريخ التشييد والبناء في مصر.
فبعده، أعادت الدولة النظر في معايير التصميم الهندسي، وطُورت الأكواد المصرية الخاصة بمقاومة الزلازل، كما شهدت الشبكة القومية لرصد الزلازل توسعًا كبيرًا، مع تحديث أجهزة الرصد وربطها بشبكات عالمية، بما عزز قدرة مصر على متابعة النشاط الزلزالي وإصدار البيانات بدقة وسرعة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت مقاومة الزلازل عنصرًا أساسيًا في تصميم المدن الجديدة والمشروعات القومية، في إطار رؤية تستهدف حماية الأرواح قبل المباني.

لماذا لا تزال الذكرى حاضرة؟
بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال ذلك الزلزال حاضرًا في الذاكرة المصرية، ليس لأنه الأقوى من حيث القوة المسجلة، وإنما لأنه الأكثر تأثيرًا في حياة الناس.
ومع كل هزة يشعر بها المواطنون، تتجدد المقارنات، ويعود الحديث عن ذلك اليوم الذي كشف أهمية التخطيط العمراني السليم، وجودة البناء، والاستعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية.
غير أن خبراء الزلازل يؤكدون أن المقارنة بين أي حدثين يجب أن تستند إلى أسس علمية، فلكل زلزال خصائصه المتعلقة بموقع المركز وعمق البؤرة وطبيعة التربة وكفاءة المباني، وهي عوامل تحدد حجم التأثير الفعلي.
من ذاكرة الألم إلى دروس المستقبل
لم يغيّر ذلك الزلزال شكل بعض الأحياء فقط، بل غيّر أيضًا طريقة التفكير في إدارة المخاطر الطبيعية داخل مصر.
واليوم، تمتلك البلاد منظومة أكثر تطورًا لرصد الزلازل، وأكواد بناء أكثر صرامة، وقدرات أفضل على الاستجابة وإدارة الأزمات، وهو ما يجعل التعامل مع مثل هذه الظواهر مختلفًا عما كان عليه قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
ويبقى ذلك اليوم شاهدًا على أن الكوارث الكبرى لا تُقاس فقط بقوتها على مقياس ريختر، بل بما تتركه من أثر في ذاكرة الشعوب، وبما تدفع إليه من مراجعات وتغييرات تصنع مستقبلًا أكثر أمانًا.





