جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

محمد القلا: إعادة استثمار الأرباح والتوسع الجغرافي والطرح في البورصة وراء تحول سيرا من مدرسة واحدة إلى منصة تعليمية كبرى

في لقاءه مع واحدة من اعرق جامعات امريكا MIT

لم يعد الاستثمار في التعليم مجرد نشاط خدمي، بل أصبح أحد القطاعات الاقتصادية الأكثر جذبًا لرؤوس الأموال، مع تنامي الطلب على التعليم عالي الجودة وارتباطه المباشر بتطوير رأس المال البشري واحتياجات سوق العمل. وفي مصر والمنطقة، ظهرت نماذج استطاعت تحويل التعليم من مشروع تقليدي إلى منصة استثمارية متكاملة تجمع بين النمو الاقتصادي والأثر المجتمعي.

ومن بين هذه النماذج، تبرز تجربة سيرا للتعليم التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، حيث تحولت من شركة تعليمية ناشئة إلى واحدة من أكبر منصات التعليم في مصر والمنطقة، عبر سلسلة من القرارات الاستراتيجية التي ركزت على إعادة استثمار الأرباح، والتوسع الجغرافي، وبناء شراكات تمويلية دولية، وصولًا إلى القيد في البورصة المصرية وجذب مستثمرين محليين ودوليين.

- Advertisement -

بداية مختلفة.. الاستثمار في التعليم كفرصة تنموية

قال محمد القلا، الرئيس التنفيذي لشركة سيرا للتعليم، خلال جلسة حوارية عبر الفيديو مع جامعة MIT الأمريكية حول مسيرة الشركة، إن رحلة سيرا لم تكن مجرد قصة نمو لشركة تعليمية، لكنها تجربة قائمة على اتخاذ قرارات استراتيجية جريئة في توقيتات فارقة، مع الالتزام برؤية طويلة الأجل لبناء منظومة تعليمية مستدامة قادرة على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي في مصر وأفريقيا.

وأوضح أن الشركة تأسست عام 1992 على يد مجموعة من الأصدقاء الذين آمنوا بأن الاستثمار في التعليم يمثل أحد المحركات الرئيسية للتنمية، في وقت كان فيه قطاع التعليم الخاص في مصر محدودًا، وكانت المنافسة تعتمد بدرجة كبيرة على الانتماءات أو الحدود الجغرافية أكثر من اعتمادها على جودة العملية التعليمية.

وأشار إلى أن مؤسسي الشركة تبنوا نموذجًا مختلفًا يقوم على تقديم تعليم عالي الجودة يعتمد على الكفاءة والابتكار، بهدف بناء مؤسسة تعليمية قادرة على التوسع محليًا ثم الانطلاق إلى أسواق إقليمية وأفريقية.

إعادة استثمار الأرباح.. القرار الذي صنع قاعدة التوسع

وأوضح القلا أنه انضم إلى الشركة عام 2009 بعد عمله سابقًا في الأمم المتحدة كخبير تنمية، وكانت سيرا في ذلك الوقت تمتلك عددًا محدودًا من المدارس، إلا أن الرؤية كانت تتجاوز حجم الأعمال القائم، إذ كان الهدف تأسيس مؤسسة تعليمية قابلة للنمو على نطاق واسع.

وقال إن أول قرار استراتيجي مهم اتخذته الشركة تمثل في إعادة استثمار الأرباح بالكامل داخل الشركة بدلًا من توزيعها على المساهمين، موضحًا أن القرار لم يكن سهلًا، لكنه وفر رأس المال اللازم لتنفيذ خطط التوسع.

وأضاف: “قررنا ألا ننفق أرباحنا، بل نعيد ضخها بالكامل في إنشاء مدارس جديدة، لأننا كنا نؤمن بأن قيمة الشركة ستتضاعف مع زيادة حجمها وتأثيرها، وليس مع توزيع الأرباح في المراحل الأولى.”

وساعدت هذه السياسة الاستثمارية الشركة على الانتقال من إدارة مدرسة واحدة إلى شبكة تضم نحو 10 مدارس خلال فترة قصيرة، في وقت كان أغلب المنافسين يديرون مدرستين أو ثلاث مدارس فقط، وهو ما منح سيرا ميزة تنافسية في سوق التعليم الخاص.

التوسع خارج القاهرة.. البحث عن الطلب الحقيقي على التعليم

وأشار القلا إلى أن القرار الاستراتيجي الثاني تمثل في عدم التركيز فقط على القاهرة والإسكندرية، بل التوسع في المحافظات والمناطق التي تعاني نقصًا في الخدمات التعليمية.

وأوضح أن الشركة درست احتياجات المجتمعات المحلية، وقررت الاستثمار في مناطق ذات مستوى مخاطرة أعلى مقارنة بالمدن الكبرى، انطلاقًا من قناعة بأن الطلب على التعليم الجيد موجود في مختلف أنحاء مصر وليس مقتصرًا على العاصمة.

وأكد أن هذا التوجه ساعد الشركة على بناء مدارس ذات جودة عالية في محافظات جديدة، ما وفر فرصًا تعليمية لمجتمعات كانت تعاني نقص الخدمات، وفي الوقت نفسه ساهم في تحقيق معدلات نمو قوية للشركة.

الشراكات الدولية.. تمويل النمو بخبرات عالمية

وأوضح القلا أن تنفيذ خطة التوسع احتاج إلى مصادر تمويل طويلة الأجل، وهو ما دفع الشركة إلى بناء علاقات مع مؤسسات التمويل والتنمية الدولية، من بينها مؤسسة التمويل الدولية (IFC) التابعة لمجموعة البنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD).

وأشار إلى أن هذه المؤسسات لم توفر التمويل فقط، بل قدمت أيضًا خبرات في مجالات الحوكمة والإدارة والتوسع المستدام، وهو ما ساعد الشركة على تطوير نموذج أعمال أكثر قدرة على النمو.

وأكد أن تجربة سيرا أظهرت أن النجاح في الأسواق الناشئة لا يعتمد فقط على رأس المال، بل يحتاج إلى فهم احتياجات المجتمعات المحلية، وبناء علاقات طويلة الأجل مع الحكومات والمؤسسات التنموية.

من المدارس إلى منظومة تعليمية متكاملة

لم تركز سيرا على إنشاء المدارس فقط، بل عملت على بناء منظومة تعليمية تمتد من التعليم المدرسي إلى التعليم الجامعي والتعليم الفني والتدريب المهني.

وأوضح القلا أن الشركة استثمرت أيضًا في إنشاء مستشفيات تخدم المجتمع وتساعد في تدريب طلبة الطب، بهدف ربط التعليم بالتطبيق العملي وإعداد كوادر قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل.

وأضاف أن الشركة اتجهت إلى تطوير نماذج تعليمية متخصصة ترتبط بالقطاعات الاقتصادية الحديثة، مثل برامج الذكاء الاصطناعي والأدوية البيولوجية، وربط المناهج التعليمية باحتياجات سوق العمل لضمان تخريج كوادر تمتلك المهارات المطلوبة.

الطرح في البورصة.. التحول إلى شركة استثمارية كبرى

اعتبر القلا أن قرار طرح سيرا في البورصة المصرية كان من أكثر القرارات جرأة، خاصة مع محدودية تجارب شركات التعليم الإقليمية والأفريقية التي نفذت هذه الخطوة.

وأوضح أن التحول إلى شركة مدرجة وفر مصادر تمويل أكبر، ورفع مستويات الحوكمة والشفافية، وزاد ثقة المستثمرين المحليين والدوليين.

وقبل الطرح، نفذت الشركة جولات ترويجية في عدد من المراكز المالية العالمية، من بينها لندن ونيويورك ودبي وكيب تاون، لعرض رؤيتها الاستثمارية أمام المؤسسات والصناديق العالمية.

وأشار إلى أن الشركة نجحت في إقناع المستثمرين بأن قطاع التعليم في مصر وأفريقيا والمنطقة يمتلك فرص نمو كبيرة، وأن نموذج أعمال سيرا قابل للتوسع، موضحًا أن عددًا من الصناديق الأفريقية ما زالت تحتفظ باستثماراتها في الشركة حتى الآن.

أداء استثماري يحافظ على قيمة المساهمين

تم طرح أسهم الشركة في أكتوبر 2018 بتقييم اقترب من 200 مليون دولار، قبل أن تصل قيمة الشركة إلى نحو 580 مليون دولار عام 2021.

ورغم التغيرات الاقتصادية وانخفاض قيمة الجنيه خلال السنوات التالية، حافظت الشركة على قيمة سوقية تقارب 400 مليون دولار حاليًا، وهو ما يعكس قدرة قطاع التعليم على الحفاظ على القيمة الاستثمارية للمساهمين المصريين والأجانب الذين شاركوا في الاكتتاب.

ويرى القلا أن الاستثمار في التعليم أثبت قدرته على تحقيق عوائد قوية للمستثمرين، مع استمرار وجود فرص للنمو خلال السنوات المقبلة.

الصندوق السيادي السعودي وشراكات التوسع الإقليمي

شهدت مسيرة الشركة دخول مستثمرين استراتيجيين، حيث استحوذ الصندوق السيادي السعودي على 37.5% من الشركة، في خطوة تعكس جاذبية قطاع التعليم المصري وفرص التوسع الإقليمي.

وتعمل سيرا حاليًا على تنمية نشاطها عبر إضافة مشروعات جديدة، من بينها جامعة دمياط، وجامعة سينكا الكندية، ومدرسة لامينيا، وسط توقعات بارتفاع قيمة النشاط مع زيادة التدفقات النقدية المستقبلية.

التوسع الأفريقي.. المرحلة الجديدة من النمو

أكد القلا أن استراتيجية الشركة الحالية تعتمد على نقل نموذج سيرا إلى الأسواق الأفريقية والإقليمية، مع تعديل النموذج وفق احتياجات كل دولة.

وأوضح أن القارة الأفريقية تمتلك فجوة تعليمية كبيرة تمثل فرصة استثمارية وتنموية في الوقت نفسه، وأن الشركة تعمل على بناء شراكات مع الحكومات والمؤسسات الدولية لتسريع هذا التوسع.

تقدم تجربة سيرا للتعليم نموذجًا لتحول شركة محلية إلى منصة تعليمية إقليمية عبر مزيج من الاستثمار طويل الأجل، وإعادة ضخ الأرباح، والتوسع الجغرافي، والشراكات الدولية، والتحول إلى سوق المال.

ومع استمرار إضافة أصول تعليمية جديدة والتوسع في أفريقيا، تراهن الشركة على أن التعليم سيظل أحد القطاعات القادرة على جذب الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام خلال السنوات المقبلة.