
– أكثر من ثلاثة عقود من الهزات الأرضية أعادت رسم خريطة الاستعداد لمواجهة المخاطر الطبيعية
– من كارثة 1992 إلى أحدث زلزال شعر به ملايين المصريين.. كيف تطورت منظومة الرصد والإنذار؟
– البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج العقبة ودهشور.. أبرز البؤر الزلزالية المؤثرة على مصر
– شبكة رصد حديثة تضم نحو 70 محطة رقمية ترصد أدق الهزات في أنحاء الجمهورية
لم تكن الهزة الأرضية التي شعر بها ملايين المصريين خلال أغسطس 2026 مجرد حدث عابر، بل أعادت إلى الواجهة تاريخًا طويلًا من النشاط الزلزالي الذي شهدته مصر خلال العقود الثلاثة الماضية. فمنذ الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد في أكتوبر 1992، تعاقبت هزات أرضية متفاوتة القوة، كان بعضها محدود التأثير، بينما أعاد بعضها الآخر إلى الأذهان واحدة من أصعب الكوارث الطبيعية في التاريخ المصري الحديث. وخلال هذه السنوات، لم تتغير خريطة الزلازل فقط، بل تغيرت معها أيضًا فلسفة الدولة في التعامل مع المخاطر الطبيعية، عبر تطوير شبكات الرصد، وتحديث أكواد البناء، ورفع جاهزية مؤسسات إدارة الأزمات.
زلزال أكتوبر 1992.. الكارثة التي غيّرت كل شيء
يبقى زلزال 12 أكتوبر 1992 نقطة التحول الأهم في تاريخ الزلازل الحديثة بمصر.
ففي الساعة الثالثة وتسع دقائق عصرًا، ضرب زلزال بلغت قوته 5.9 درجة على مقياس ريختر منطقة دهشور جنوب القاهرة، واستمرت الهزة نحو ثلاثين ثانية فقط، لكنها كانت كافية لتخلف واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية التي عرفتها البلاد.
وأسفر الزلزال، بحسب البيانات الرسمية، عن أكثر من 500 حالة وفاة وآلاف المصابين، إلى جانب انهيار وتضرر آلاف المباني وتشريد أعداد كبيرة من الأسر، فيما قدرت الخسائر الاقتصادية بمئات الملايين من الجنيهات آنذاك.
ولم تكن الكارثة في قوة الزلزال وحدها، بل في هشاشة عدد من المباني القديمة، وهو ما دفع الدولة إلى مراجعة شاملة لكود البناء المصري، وإعادة النظر في معايير تصميم المنشآت المقاومة للزلازل.
1995.. خليج العقبة يسجل أقوى زلزال في المنطقة
بعد ثلاث سنوات فقط، شهدت المنطقة واحدًا من أقوى الزلازل التي أثرت في مصر، عندما ضرب خليج العقبة في 22 نوفمبر 1995 زلزال بلغت قوته نحو 7.3 درجة.
وشعر سكان جنوب سيناء ومدن البحر الأحمر وعدد من المحافظات المصرية بالهزة، وأسفر الزلزال عن خسائر محدودة داخل مصر مقارنة بحجم قوته، بينما كانت آثاره أكبر في بعض دول الجوار.
وأكد هذا الحدث أن موقع مصر الجغرافي يجعلها تتأثر بالنشاط الزلزالي في الأحواض المجاورة، حتى إذا كان مركز الزلزال خارج حدودها.
1998.. البحر الأحمر يعيد القلق
في 28 فبراير 1998، سجلت أجهزة الرصد زلزالًا بقوة 6 درجات في قاع البحر الأحمر.
ورغم أن مركزه كان بعيدًا عن التجمعات السكانية، فإن سكان القاهرة وأسوان والغردقة شعروا بالهزة، دون تسجيل خسائر بشرية أو مادية، لكنه أعاد التأكيد على أن البحر الأحمر يمثل أحد مصادر النشاط الزلزالي المؤثر على مصر.
2004.. دهشور تعود مجددًا
في 30 مارس 2004، سجلت منطقة دهشور زلزالًا بلغت قوته 5.1 درجة، شعر به سكان القاهرة الكبرى والجيزة.
ولم يخلف الزلزال أي خسائر، لكنه أكد استمرار النشاط الزلزالي المحدود في تلك المنطقة، التي تخضع لمراقبة دائمة من قبل الشبكة القومية لرصد الزلازل.
2015.. المتوسط يرسل رسائله
في 27 يونيو 2015، وقع زلزال بقوة 5.2 درجة شمال مدينة الإسكندرية داخل البحر المتوسط.
وشعر به سكان المحافظات الساحلية وعدد من مناطق الدلتا، دون تسجيل إصابات أو خسائر، لكنه لفت الانتباه إلى النشاط الزلزالي المستمر في شرق البحر المتوسط، خاصة في المناطق القريبة من جزيرة كريت وقوس البحر الهيليني.
2021.. عام الهزات القادمة من شرق المتوسط
شهد عام 2021 أكثر من هزة أرضية شعر بها المصريون.
ففي 21 يوليو، سجلت الشبكة القومية لرصد الزلازل هزة بقوة 5.4 درجة في شرق البحر المتوسط، شعر بها سكان الإسكندرية والساحل الشمالي والقاهرة، فيما أكدت الجهات الرسمية عدم وجود أي مخاطر من حدوث موجات تسونامي.
وفي 29 ديسمبر، شعر عدد من المواطنين بهزة جديدة بعد زلزال بلغت قوته نحو 5.7 درجة ضرب جزيرة كريت اليونانية، ووصلت موجاته إلى أجزاء من الأراضي المصرية دون تسجيل خسائر.
في 6 فبراير 2023، تابع العالم الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا، بقوة تجاوزت 7.8 درجة.
ورغم أن مركزه كان يبعد مئات الكيلومترات عن مصر، فإن عددًا من المواطنين، خاصة في شمال سيناء وبعض المحافظات، شعروا بالهزة، بينما أوضح المعهد القومي للبحوث الفلكية أن الشبكة القومية لم ترصد أي نشاط زلزالي داخل الأراضي المصرية، وأن ما شعر به المواطنون كان امتدادًا للموجات الزلزالية القادمة من خارج الحدود.
2024.. المتوسط يعود إلى المشهد
خلال عام 2024، سجلت مصر أكثر من هزة شعر بها المواطنون، كان أبرزها الزلزال الذي وقع بالقرب من قبرص في 4 ديسمبر، ووصلت آثاره إلى القاهرة الكبرى وعدد من المحافظات.
كما شهدت بعض المناطق هزات محلية ضعيفة، أكدت استمرار النشاط الطبيعي للشبكة الزلزالية في المنطقة، دون أن تسفر عن أي خسائر.
2025.. كريت تتصدر المشهد
عاد النشاط الزلزالي في جنوب اليونان إلى الواجهة خلال 2025، مع وقوع زلزال قوي قرب جزيرة كريت في مايو، شعر به سكان القاهرة والإسكندرية والدلتا وعدد من المحافظات.
وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك أن موقع مصر الجغرافي يجعلها تتأثر بالموجات الزلزالية القادمة من قوس البحر الهيليني، الذي يعد من أكثر المناطق نشاطًا في البحر المتوسط.
أغسطس 2026.. أحدث حلقات النشاط الزلزالي
وجاء زلزال أغسطس 2026 ليعيد طرح الأسئلة نفسها التي تتكرر مع كل هزة قوية: لماذا يشعر سكان القاهرة بالزلازل رغم بُعد مراكزها؟ وهل يمكن أن تتكرر التوابع؟ وهل أصبحت مصر أكثر استعدادًا؟
ويرى خبراء الزلازل أن أغلب الهزات التي يشعر بها المصريون خلال السنوات الأخيرة يكون مركزها في شرق البحر المتوسط أو جنوب اليونان أو جزيرة كريت، حيث تنتقل الموجات الزلزالية عبر القشرة الأرضية لمسافات طويلة، لتصل إلى شمال مصر والقاهرة الكبرى.
كيف تغيّرت مصر بعد 1992؟
إذا كان زلزال أكتوبر 1992 قد كشف حجم التحديات، فإن السنوات التالية شهدت تحولًا جذريًا في إدارة المخاطر الزلزالية.
فقد جرى تحديث الكود المصري لتصميم وتنفيذ المنشآت المقاومة للزلازل، كما توسعت الدولة في تطوير الشبكة القومية لرصد الزلازل وربطها بأحدث أنظمة التحليل العالمية.
وأصبحت البيانات الرسمية تصدر خلال دقائق، مع تحديد قوة الزلزال وعمقه ومركزه بدقة، بما يتيح للجهات المعنية تقييم الموقف بسرعة وطمأنة المواطنين.
منظومة رصد تعمل على مدار الساعة
أكد الدكتور طه رابح، رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أن مصر تمتلك اليوم واحدة من أحدث شبكات رصد الزلازل في الشرق الأوسط وأفريقيا، تضم نحو 70 محطة رقمية موزعة على مختلف أنحاء الجمهورية.
وتتمتع هذه الشبكة بقدرة عالية على رصد الهزات الضعيفة جدًا، حتى التي لا يشعر بها المواطنون، وهو ما يوفر قاعدة بيانات دقيقة تساعد في دراسة النشاط الزلزالي وتحليل مخاطره بصورة مستمرة.
بين الماضي والحاضر
ورغم أن مصر لا تقع على أحد الأحزمة الزلزالية الرئيسية في العالم، فإن قربها من مناطق نشطة مثل قوس البحر الهيليني، وشرق البحر المتوسط، والبحر الأحمر، وخليج العقبة يجعلها عرضة للشعور بعدد من الزلازل الإقليمية.
لكن الفارق الجوهري بين عام 1992 واليوم يتمثل في مستوى الجاهزية.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود من التطوير، أصبحت مصر تمتلك منظومة علمية أكثر تقدمًا، وأكواد بناء أكثر صرامة، وقدرات أكبر على الرصد والتحليل والاستجابة، وهو ما يجعل التعامل مع الظواهر الزلزالية اليوم مختلفًا بصورة كبيرة عما كان عليه في الماضي.
ولعل الدرس الأهم الذي خرجت به مصر من تاريخها مع الزلازل هو أن قوة الدولة في مواجهة الكوارث الطبيعية لا تقاس فقط بما يحدث تحت الأرض، وإنما بما تبنيه فوقها من علم، وتخطيط، واستعداد، وقدرة على حماية الإنسان قبل الحجر.





