
الشيخ حمد بن طلال آل ثاني.. كيف يقود رئيس «الديار القطرية» مشروع «علم الروم» بـ29.7 مليار دولار في الساحل الشمالي؟
بدأ مسيرته داخل «الديار القطرية» عام 2009 وتدرج حتى منصب الرئيس التنفيذي في ديسمبر 2025
خبرة تمتد لأكثر من 15 عامًا في التطوير وإدارة وتسليم المشروعات.. وعلاقته بالسوق المصرية تسبق «علم الروم» بسنوات
مشروع على مساحة 20.58 مليون متر مربع يجمع السكن والسياحة والفنادق واليخوت والجولف والخدمات في مدينة واحدة
المرحلة الأولى باستثمارات 220 مليار جنيه و30 ألف فرصة عمل.. وأول تسليمات مستهدفة في 2030
أكثر من 3500 غرفة فندقية و490 مرسى لليخوت و22 كيلومترًا من البحيرات.. والرهان على اقتصاد يعمل طوال العام
حين وقف الشيخ حمد بن طلال آل ثاني، الرئيس التنفيذي لشركة الديار القطرية، ليعرض أمام الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، تفاصيل المرحلة الأولى من مشروع «علم الروم» بالساحل الشمالي، كان المشهد أكبر من مجرد إطلاق أعمال تنفيذ مشروع عقاري جديد.
فالرجل يقود اليوم واحدًا من أضخم الرهانات الاستثمارية على الساحل الشمالي المصري: مشروع باستثمارات إجمالية تبلغ 29.7 مليار دولار، منها 3.5 مليار دولار استثمارات نقدية مباشرة، وعلى مساحة تصل إلى 20.58 مليون متر مربع.
لكن الأرقام، رغم ضخامتها، ليست القصة كاملة.
القصة الأهم هي: من هو الشيخ حمد بن طلال آل ثاني؟ وكيف وصل إلى قيادة «الديار القطرية»؟ وما الذي تكشفه «علم الروم» عن فلسفته في إدارة المشروعات العملاقة؟

من هو الشيخ حمد بن طلال آل ثاني؟
يمتلك الشيخ حمد بن طلال آل ثاني خبرة تتجاوز 15 عامًا في مجالات التطوير العقاري وإدارة المشروعات الاستراتيجية.
واللافت في مسيرته أنه لم يصل إلى منصب الرئيس التنفيذي للديار القطرية من خارج الشركة، وإنما بدأ رحلته المهنية داخلها منذ عام 2009، قبل أن يتدرج في عدد من المواقع والمسؤوليات التنفيذية على مدار سنوات طويلة.
وفي يناير 2023، تولى منصب رئيس التطوير وتسليم المشروعات لمنطقة آسيا وأفريقيا، وهي مسؤولية منحته خبرة مباشرة في إدارة مشروعات كبيرة عبر أسواق متعددة، قبل أن يتم تعيينه رئيسًا تنفيذيًا لشركة الديار القطرية في ديسمبر 2025.
هذه الرحلة من داخل الشركة تمنحه ميزة واضحة؛ فهو يعرف طبيعة محفظتها ومشروعاتها ونموذج أعمالها قبل أن ينتقل إلى مقعد القيادة.

تعليم يجمع بين التسويق وإدارة الأعمال الدولية
يحمل حمد بن طلال خلفية أكاديمية تجمع بين التسويق وإدارة الأعمال الدولية.
فهو حاصل على درجتي بكالوريوس في التسويق وإدارة الأعمال الدولية من جامعة العلوم الحديثة والفنون MSA وجامعة Middlesex، كما حصل على الماجستير التنفيذي في إدارة الأعمال من HEC Paris في قطر.
ويبدو هذا التكوين متسقًا مع طبيعة المهام التي تولى إدارتها لاحقًا، إذ إن قيادة مشروع دولي ضخم لم تعد تعتمد فقط على التطوير والإنشاء، وإنما على قراءة الأسواق وبناء الشراكات وإدارة الاستثمار والتمويل والتسويق والتشغيل.

مصر ليست محطة جديدة في مسيرته
علاقة الشيخ حمد بن طلال آل ثاني بالسوق المصرية لم تبدأ مع صفقة «علم الروم».
فهو يشغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة «نيو جيزة» منذ عام 2018، كما يشغل عضوية مجلس إدارة QNB مصر منذ عام 2022.
وهذا يعني أن معرفته بالسوق المصرية تمتد عبر مسارين مهمين: العقار والقطاع المصرفي.
كما أن الديار القطرية نفسها تعمل في مصر منذ أكثر من عقدين، وتمتلك استثمارات ومشروعات سابقة، من بينها «سيتي جيت» بالقاهرة الجديدة.

أكبر مشروع للديار القطرية في مصر
تصف «الديار القطرية» مشروع «علم الروم» باعتباره أكبر مشروعاتها في مصر، وواحدًا من أضخم مشروعاتها العمرانية والسياحية المتكاملة عالميًا.
ويمتد المشروع على مساحة 20.58 مليون متر مربع، ويطل على البحر المتوسط عبر ممشى بحري بطول 7.2 كيلومتر.
ولا تقتصر مكونات المشروع على الوحدات السكنية، وإنما تشمل استخدامات سياحية وتجارية وثقافية وترفيهية وتعليمية وصحية.
ومن هنا يتضح أن الشركة لا تتعامل معه بمنطق «كمبوند» أو منتجع صيفي، وإنما باعتباره مدينة جديدة ذات اقتصاد متنوع.
من بيع العقار إلى تشغيل المدينة
أحد أهم المفاتيح لفهم رؤية حمد بن طلال للمشروع هو وصفه لـ«علم الروم» باعتبارها «مدينة ساحلية عالمية».
فالفرق كبير بين مشروع يعتمد في الأساس على بيع وحدات، ومدينة تستطيع خلق نشاط اقتصادي مستمر.
في النموذج الذي تطرحه «الديار القطرية»، لا يمثل العقار سوى أحد عناصر الاقتصاد داخل المشروع.
هناك فنادق ومطاعم ومتاجر ومراسي يخوت ورياضات ومرافق وخدمات وسياحة وفعاليات.
وهذا يعني أن الرهان ليس فقط على قيمة الأرض أو مبيعات الوحدات، وإنما على قدرة المدينة على العمل بعد انتهاء موسم الصيف.

المرحلة الأولى.. مشروع قائم بذاته
إذا كان المخطط العام ضخمًا، فإن المرحلة الأولى وحدها تكشف حجم الطموح.
تمتد المرحلة على مساحة 4 ملايين متر مربع، بإجمالي مساحات بناء يبلغ 1.4 مليون متر مربع، بينما تمثل المساحات المفتوحة نحو 85% من إجمالي المساحة.
وتصل استثمارات المرحلة الأولى إلى نحو 220 مليار جنيه مصري، ومن المتوقع أن توفر قرابة 30 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.
وتضم شاطئًا وممشى بطول كيلومترين، وبحيرات طبيعية متصلة بالبحر، إضافة إلى بحيرات صناعية قابلة للسباحة على مساحة 195 ألف متر مربع.
كما تشمل أربعة فنادق تضم أكثر من 1000 غرفة، ومرسى في مركز المدينة بطاقة 50 يختًا، إلى جانب مراكز رياضية ومطاعم ومتاجر.
وبهذا الحجم، تصبح المرحلة الأولى مدينة مصغرة تستطيع تقديم صورة مبكرة عن المشروع بأكمله.
2030.. أول اختبار حقيقي
حدد رئيس «الديار القطرية» عام 2030 موعدًا مستهدفًا لبدء تسليم مكونات المرحلة الأولى.
وهنا تبدأ أصعب مراحل المشروع.
فالحديث عن مدينة تضم فنادق ومراسي وبحيرات ومكونات تجارية وسكنية وترفيهية يعني أن التنفيذ يحتاج إلى إدارة عشرات المسارات في الوقت نفسه.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل «علم الروم» اختبارًا مباشرًا لخبرة حمد بن طلال السابقة في التطوير وتسليم المشروعات.
فالنجاح الحقيقي لن يقاس بالمخططات أو قيمة الاستثمار المعلنة، بل بمدى القدرة على الالتزام بالجدول الزمني وتحويل الرؤية إلى واقع.
لماذا 22 كيلومترًا من البحيرات؟
يضم المخطط العام للمشروع نحو 22 كيلومترًا من البحيرات المفتوحة مباشرة على البحر، إلى جانب 850 ألف متر مربع من البحيرات الصناعية القابلة للسباحة.
وهذا الرقم يكشف جانبًا مهمًا من فلسفة التصميم.
فالهدف لا يبدو مقتصرًا على استغلال الشريط الساحلي المباشر، وإنما على إدخال عنصر المياه إلى أعماق المدينة، بما يوسع نطاق المناطق المستفيدة من الإطلالات والتجربة الساحلية.
وبذلك يصبح البحر جزءًا من البناء الداخلي للمشروع، وليس مجرد حد جغرافي له.
490 مرسى.. سياحة اليخوت تدخل قلب المعادلة
يتضمن المشروع مرسى دوليًا مجهزًا بطاقة تصل إلى 370 مرسى لليخوت، إلى جانب مرسى محلي يضم 120 مرسى.
هذه الأرقام تكشف أن سياحة اليخوت ليست عنصرًا تجميليًا، وإنما نشاط اقتصادي مستهدف.
فالمدينة التي تستقبل يخوتًا دولية يمكن أن تخلق طلبًا مباشرًا على الفنادق والمطاعم والتجزئة والخدمات والترفيه.
ومن هنا تصبح «علم الروم» جزءًا من محاولة أوسع لربط الساحل الشمالي بحركة السياحة البحرية في المتوسط.
3500 غرفة فندقية.. رهان على السائح لا مالك الوحدة فقط
يستهدف المشروع توفير أكثر من 3500 غرفة فندقية موزعة على عدد من الفنادق والمنتجعات.
وجود هذا الحجم من الغرف يعكس بوضوح أن «الديار القطرية» لا تريد مشروعًا يعتمد فقط على ملاك الوحدات الموسميين.
الفندق يعني زائرًا جديدًا باستمرار، والضيف الفندقي يعني إنفاقًا على المطاعم والمتاجر والأنشطة والمراسي والخدمات.
وكلما نجحت هذه المكونات في تحقيق تشغيل قوي، ارتفعت فرص تحول «علم الروم» إلى مدينة تعمل لفترات أطول من العام.
الجولف والرياضة.. صناعة أسباب جديدة للزيارة
ويضم المخطط ملعب جولف عالميًا من 18 حفرة يمتد على مساحة تقارب 980 ألف متر مربع بإطلالة مباشرة على البحر.
إضافة هذا النوع من المرافق تعكس توجهًا لبناء وجهة لا تعتمد فقط على الشاطئ.
فالمدن السياحية المستدامة تحتاج إلى أسباب للزيارة في مواسم مختلفة: رياضة، فعاليات، فنادق، مطاعم، تسوق، يخوت وترفيه.
وهذه هي المعادلة التي تحاول «الديار القطرية» تطبيقها في «علم الروم».
مدينة قابلة للمشي.. لا مجرد شبكة طرق
ومن المفاهيم التي يضعها حمد بن طلال داخل المشروع مفهوم المدينة القابلة للمشي.
فالمخطط يعتمد على شبكة لمسارات المشاة والدراجات وحلول التنقل الذكي، إلى جانب معايير مرتبطة بالاستدامة وإدارة الموارد المائية وحماية التنوع البيولوجي والتعامل مع التغيرات المناخية.
وهذا يعكس اتجاهًا نحو تقديم نموذج عمراني أكثر ارتباطًا بمعايير المدن الحديثة، وليس فقط بتقسيمات المشروعات الساحلية التقليدية.
إدارة عشرات التخصصات تحت رؤية واحدة
يتحدث رئيس «الديار القطرية» أيضًا عن الاستعانة ببيوت خبرة عالمية في التخطيط العمراني وتصميم المراسي والاستشارات الفندقية وهندسة المناظر الطبيعية والبنية التحتية.
وهذا يكشف عن طبيعة دوره الحقيقي.
فالرئيس التنفيذي لمشروع بهذا الحجم لا يدير تخصصًا واحدًا، وإنما يدير منظومة كاملة من الخبرات والمستشارين والمقاولين.
والتحدي هو جعل كل هذه الأطراف تعمل وفق تصميم واحد وجدول واحد ورؤية اقتصادية واحدة.
250 ألف فرصة عمل.. ما وراء العقار
يستهدف المشروع بأكمله توفير أكثر من 250 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة عند اكتماله.
كما أن حجم التنفيذ يفتح الباب أمام شركات المقاولات والموردين والخدمات والصناعات المرتبطة بالبناء والتشغيل.
وهنا تتحول الصفقة من مشروع عقاري إلى دورة اقتصادية أكبر تشمل الاستثمار المباشر والمقاولات والسياحة والضيافة والتجزئة والتوظيف.
وهذا هو الجانب الذي تراهن عليه الدولة المصرية في مشروعات الساحل الشمالي الجديدة.
لماذا «علم الروم» الآن؟
يأتي المشروع في توقيت تشهد فيه منطقة الساحل الشمالي الغربي تحولًا استثماريًا واسعًا.
وتعمل الدولة على تطوير الطرق والبنية الأساسية والمرافق، فيما تتزايد استثمارات الشركات المحلية والعربية والدولية في المنطقة.
ويستفيد «علم الروم» من قربه من مطاري رأس الحكمة ومرسى مطروح، واتصاله بالطريق الساحلي الدولي، إلى جانب خط القطار الكهربائي السريع الجاري تطويره.
وكلما تحسنت سهولة الوصول، أصبحت المنطقة أكثر قدرة على جذب الإقامة والاستثمار والسياحة خارج موسم الصيف.
من 2009 إلى رهان الـ29.7 مليار دولار
يمكن تلخيص رحلة الشيخ حمد بن طلال آل ثاني في مفارقة لافتة.
بدأ داخل «الديار القطرية» عام 2009، وتدرج في ملفات التطوير وتسليم المشروعات، ثم تولى إدارة آسيا وأفريقيا، قبل أن يصل إلى منصب الرئيس التنفيذي في نهاية 2025.
واليوم، وبعد أشهر من توليه قيادة الشركة، يقف أمام أحد أكبر اختبارات مسيرته المهنية في السوق المصرية.
السيرة المهنية تمنحه الخبرة.
المشروع يمنحه الفرصة.
لكن الحكم الحقيقي سيكون بالتنفيذ.
هل تبدأ المرحلة الأولى التسليم في 2030؟ وهل تعمل الفنادق والمراسي والجولف والمطاعم والتجارة بالشكل الذي يسمح للمدينة بالحياة طوال العام؟ وهل تنجح «علم الروم» في التحول من مشروع عقاري ضخم إلى وجهة متوسطية تمتلك اقتصادًا حقيقيًا؟
هذه هي المعركة التي يقودها الشيخ حمد بن طلال آل ثاني الآن.
فالـ29.7 مليار دولار تلفت الأنظار، و20.58 مليون متر مربع تكشف حجم المشروع، و3500 غرفة فندقية ومئات مراسي اليخوت توضح طموحه.
لكن النجاح النهائي لرئيس «الديار القطرية» لن يقاس بحجم الصفقة.
سيُقاس بقدرته على تحويل الصفقة إلى مدينة ».





