
لم يعد فنجان القهوة الذي يبدأ به ملايين المصريين يومهم بمنأى عن موجة الغش التجاري، فمع الارتفاعات القياسية في أسعار البن عالميًا ومحليًا، بدأت تتزايد شكاوى المستهلكين من تغير الطعم والرائحة والجودة، وسط تحذيرات من انتشار البن المغشوش في بعض الأسواق، وهو ما يثير مخاوف بشأن جودة المنتج الذي يستهلكه الكثير من المصريين.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تتجاوز فيه فاتورة استيراد البن 20 مليار جنيه سنويًا، ما يجعل البن من السلع الغذائية مرتفعة القيمة، ويزيد من إغراء بعض ضعاف النفوس لتحقيق أرباح سريعة عبر خلط البن بمواد أقل تكلفة.
أسعار قياسية فتحت الباب أمام الغش
شهدت أسعار البن خلال العامين الماضيين ارتفاعات غير مسبوقة نتيجة تراجع الإنتاج في الدول المصدرة، خاصة البرازيل وفيتنام، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن وسعر صرف الدولار، وهو ما انعكس مباشرة على السوق المحلية.
ويؤكد عدد من العاملين في القطاع أن هذه الزيادات دفعت بعض المحامص غير المرخصة والتجار إلى اللجوء لخلط البن بمواد رخيصة لخفض تكلفة الإنتاج، مع الحفاظ على هامش ربح مرتفع، وهو ما يمثل غشًا تجاريًا يضر بالمستهلك وبالشركات الملتزمة بالمواصفات.
كيف يتم غش البن؟
تتنوع طرق الغش، إلا أن أكثرها شيوعًا يعتمد على خلط البن بمواد محمصة ومطحونة يصعب تمييزها بعد الطحن، مثل نوى البلح، والبسلة المحمصة، وفول الصويا، والذرة أو القمح، وأحيانًا قشور البن.
وتمنح هذه الإضافات المنتج وزنًا أكبر وتكلفة أقل، لكنها تؤثر بشكل مباشر على الطعم والرائحة والقيمة الغذائية، وقد تسبب مشكلات صحية لبعض الأشخاص، خاصة من يعانون حساسية تجاه بعض المكونات المضافة.
المقاهي أيضًا تحت الضغط
ولا تقتصر الأزمة على المستهلك داخل المنزل، إذ تواجه العديد من المقاهي والكافيهات ضغوطًا كبيرة بسبب ارتفاع تكلفة شراء البن الأصلي، ما يدفع بعضها إلى البحث عن بدائل أقل سعرًا أو شراء خامات من مصادر غير معروفة، وهو ما قد يؤثر على جودة المشروب المقدم للزبائن.
وفي المقابل، تؤكد سلاسل الكافيهات الكبرى والمحامص المعروفة التزامها باستخدام بن مطابق للمواصفات، حفاظًا على سمعتها وثقة العملاء.
كيف يكتشف المستهلك البن المغشوش؟
يشير خبراء صناعة البن إلى أن هناك علامات قد تساعد المستهلك على اكتشاف الغش، أبرزها اختلاف الرائحة الطبيعية للبن، ووجود طعم غريب أو مرارة زائدة، أو تغير لون المشروب بصورة غير معتادة، بالإضافة إلى انخفاض السعر بشكل لافت مقارنة بالأسعار السائدة في السوق.
كما ينصح الخبراء بشراء البن حبًا كلما أمكن وطحنه أمام المستهلك، والاعتماد على المحال والمحامص المعروفة، مع الاحتفاظ بفاتورة الشراء لتسهيل تقديم أي شكوى في حال اكتشاف الغش.
رقابة مشددة لحماية السوق
وتواصل الأجهزة الرقابية حملاتها على الأسواق والمحامص لضبط المنتجات غير المطابقة للمواصفات، وسحب عينات لتحليلها والتأكد من جودتها، مع اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين.
ويرى مختصون أن القضاء على الظاهرة يتطلب تشديد العقوبات على جرائم الغش التجاري، إلى جانب رفع وعي المستهلك بخطورة شراء المنتجات مجهولة المصدر، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار البن عالميًا.
بين الجودة والسعر
ورغم أن حالات الغش لا تمثل غالبية السوق، فإنها تظل مصدر قلق للمستهلكين، خاصة في ظل الإقبال الكبير على القهوة في مصر. وبين ارتفاع الأسعار ورغبة البعض في تحقيق أرباح سريعة، يبقى الالتزام بالمواصفات والرقابة الفعالة هو السبيل للحفاظ على جودة البن، حتى لا يفقد المصريون متعة فنجان القهوة الذي يعد جزءًا من تفاصيل حياتهم اليومية.
أبعاد اقتصادية تتجاوز فنجان القهوة
لا تتوقف آثار غش البن عند حدود المستهلك، بل تمتد إلى الاقتصاد بشكل أوسع، إذ تؤدي هذه الممارسات إلى الإضرار بسمعة السوق المحلية، وتشويه المنافسة بين المنتجين، وإضعاف استثمارات الشركات الملتزمة بمعايير الجودة، فضلًا عن زيادة الأعباء الرقابية على الدولة.
كما أن استمرار الظاهرة قد يدفع المستهلك إلى تغيير أنماط الشراء أو تقليل الاستهلاك، وهو ما ينعكس على أداء المحامص والمقاهي وسوق البن بشكل عام، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة الاستيراد.
قراءة مستقبلية
تشير المؤشرات إلى أن استمرار ارتفاع أسعار البن عالميًا سيبقي الضغوط قائمة على السوق المصرية خلال الفترة المقبلة، وهو ما يجعل تعزيز الرقابة، ودعم المنافسة العادلة، ورفع وعي المستهلك، عوامل حاسمة للحفاظ على جودة المنتج واستقرار السوق.
وفي المقابل، يبقى التزام الشركات والمحامص بالمواصفات القياسية هو الضمان الحقيقي لاستمرار ثقة المستهلك، خاصة أن فنجان القهوة لم يعد مجرد مشروب يومي، بل أصبح صناعة واستثمارًا وسوقًا تتداخل فيه اعتبارات الجودة مع متغيرات الاقتصاد العالمي.





