
قانون جهاز مستقبل مصر أمام البرلمان.. كيف يعيد تشكيل دور الدولة في الاستثمار ويمنح القطاع الخاص مساحة أكبر؟
مشروع إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر يرسخ نموذجًا جديدًا للتنمية وجذب الاستثمارات بعيدًا عن التمويل الحكومي
في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية واستثمارية تتجاوز مجرد إعادة الهيكلة الإدارية، يناقش مجلس النواب مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، في وقت تتجه فيه الدولة إلى إعادة صياغة دورها في النشاط الاقتصادي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، وتهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية مصر 2030 ووثيقة سياسة ملكية الدولة.
ويأتي المشروع في ظل توسع متسارع في اختصاصات الجهاز خلال السنوات الأخيرة، ما دفع الحكومة إلى وضع إطار تشريعي جديد ينظم عمله، ويمنحه أدوات مؤسسية وتمويلية تتناسب مع حجم المهام المنوطة به، مع الحفاظ على استمرارية المشروعات والأصول التي يديرها.
بهاء الغنام: القانون يؤسس لمرحلة جديدة من التطوير المؤسسي
أكد الدكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، أن مشروع قانون إعادة تنظيم الجهاز يمثل خطوة جديدة في مسيرة التطوير المؤسسي للدولة المصرية، ويستهدف مواكبة اتساع دور الجهاز وتعاظم مسؤولياته في دعم جهود التنمية الشاملة.
وأوضح، خلال كلمته أمام الجلسة العامة لمجلس النواب أثناء مناقشة مشروع القانون، أن الجهاز لم يكن يومًا كيانًا بلا سند قانوني، وإنما تأسس وعمل وفق قرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، مشيرًا إلى أن مشروع القانون الحالي يأتي لتنظيم هذا الدور وتطويره بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة.
واستهل الغنام كلمته بتوجيه التحية إلى مجلس النواب، معربًا عن اعتزازه بالوقوف تحت قبة البرلمان بالتزامن مع عرض الحكومة لمشروع القانون، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب أطرًا تشريعية أكثر مرونة وقدرة على مواكبة متغيرات التنمية.
فلسفة المشروع.. من بناء المؤسسات إلى تسريع التنمية
وقال المدير التنفيذي للجهاز إن الإرادة الشعبية حملت لمصر الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي جعل التنمية وإعادة بناء الدولة مسارًا استراتيجيًا، مؤكدًا أن جهاز مستقبل مصر بدأ كفكرة ثم تحول إلى مشروع عملي يجسد هذا التوجه، معتمدًا على أساليب عمل غير تقليدية ساهمت في تجاوز الروتين وتسريع معدلات التنفيذ ورفع كفاءة الإنجاز.
وأضاف أن الجهاز استطاع خلال الفترة الماضية تنفيذ مهامه وفق آليات مختلفة عن النمط الإداري التقليدي، وهو ما انعكس على سرعة تنفيذ المشروعات وتحقيق نتائج في مدد زمنية غير معتادة.
لماذا تحتاج الدولة إلى قانون جديد؟
أوضح الغنام أن مشروع القانون لا ينشئ الجهاز من جديد، وإنما يضع إطارًا تشريعيًا متكاملًا ينظم أوضاعه القانونية والمؤسسية، بعد أن كان يعمل بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022.
وأشار إلى أن التوسع الكبير في اختصاصات الجهاز ومسؤولياته فرض ضرورة إعداد قانون يعزز الاستقرار المؤسسي، وينظم العلاقة مع جهات الدولة المختلفة، ويوفر أساسًا قانونيًا يتماشى مع حجم الأدوار الجديدة التي يتولاها الجهاز.
خمسة مرتكزات رئيسية لإعادة تنظيم الجهاز
استعرض المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر الفلسفة التي يقوم عليها مشروع القانون، موضحًا أنها ترتكز على خمسة محاور رئيسية.
ويتمثل المحور الأول في تحقيق الربط بين أوضاع الماضي والحاضر والمستقبل، بما يضمن استمرارية البناء المؤسسي وتطويره وفق رؤية متكاملة.
أما المحور الثاني، فيستهدف تثبيت أوضاع الماضي من خلال تحقيق الاستقرار المؤسسي، ونقل ملكية الأصول بما يحافظ على استقرار التعاملات، إلى جانب تقنين البروتوكولات المبرمة بين الجهاز وجهات الدولة، بما يوفر إطارًا قانونيًا واضحًا للعلاقات القائمة.
ويركز المحور الثالث على حماية أوضاع الحاضر، عبر تأكيد الملكية القانونية لمشروعات الجهاز وأصوله المالية، وتأمين منشآته، وضمان استمرار تمويل المشروعات، والحفاظ على الكوادر البشرية والإمكانات المادية باعتبارها أحد أهم عناصر استدامة الأداء.
ويتناول المحور الرابع مستقبل الجهاز، من خلال تعديل هيكله التنظيمي ليصبح تابعًا لرئيس الجمهورية، مع تشكيل مجلس إدارة، وإنشاء صندوق استثماري وصندوق خدمي، بما يعزز من كفاءة الإدارة ويوفر أدوات تمويل أكثر مرونة لدعم تنفيذ المشروعات.
أما المحور الخامس، فيقدم تصورًا جديدًا لدور الجهاز في الاقتصاد، بحيث لا يكون مستثمرًا لحسابه، وإنما منصة وحاضنة للاستثمار، وجاذبًا للاستثمارات الخارجية، بما يدعم الاستثمار المباشر دون الاعتماد على التمويل الحكومي.
إعادة تعريف دور الدولة في الاقتصاد
وشدد الغنام على أن حوكمة وجود الدولة في النشاط الاقتصادي لا تعني انسحابها من الأسواق، وإنما تنظيم هذا الوجود وإتاحة مساحة أكبر أمام القطاع الخاص للمشاركة في تنفيذ المشروعات وخدمة الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن الفلسفة الجديدة تقوم على التكامل بين الدولة والقطاع الخاص، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد ويحفز تدفقات الاستثمار، خاصة في ظل توجه الحكومة لزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي.
ويمثل هذا التوجه أحد أبرز الرسائل الاقتصادية التي يحملها مشروع القانون، إذ يعكس استمرار الدولة في إعادة هيكلة أدواتها الاستثمارية، مع التركيز على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية من خلال كيانات أكثر مرونة وقدرة على الشراكة.
إشادة بالمناقشات البرلمانية وتعديلات النواب
وأشاد المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر بالدور الذي قامت به اللجنة المشتركة برئاسة المستشار محمد عيد محجوب، رئيس لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، مؤكدًا أن المناقشات التي شهدتها اللجنة وما انتهت إليه من تعديلات تعكس عملًا تشريعيًا جادًا يهدف إلى الوصول إلى أفضل صياغة للقانون.
كما أشاد بالممارسة الديمقراطية داخل مجلس النواب، سواء من جانب الأغلبية أو المعارضة، معتبرًا أن الحوار الذي دار حول مواد المشروع يجسد حرص جميع النواب على تحقيق الصالح العام وتعزيز الضمانات الدستورية.
وأكد أن الحكومة وافقت على التعديلات التي انتهى إليها المجلس، باعتبارها أسهمت في تطوير صياغة العديد من المواد دون المساس بالأسس التي بُني عليها مشروع القانون.
قراءة اقتصادية.. ما الذي يعنيه القانون للمستثمرين؟
إذا أُقر مشروع القانون بصيغته النهائية، فإنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمل المؤسسي لجهاز مستقبل مصر، ويمنحه إطارًا قانونيًا أكثر وضوحًا في إدارة الأصول والمشروعات، مع توفير أدوات استثمارية جديدة، مثل الصندوق الاستثماري، بما قد يسهم في جذب شراكات وتمويلات أكبر خلال الفترة المقبلة.
كما يعزز المشروع توجه الدولة نحو التحول من دور المستثمر المباشر إلى دور المنظم والمحفز للاستثمار، وهو ما قد يدعم ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال، خاصة مع التركيز على الشراكة مع القطاع الخاص وعدم الاعتماد على التمويل الحكومي في تنفيذ المشروعات.
مستقبل الجهاز بعد القانون
واختتم الدكتور بهاء الغنام كلمته بالتأكيد على أن جهاز مستقبل مصر يقف على أعتاب مرحلة جديدة من العمل، مستندًا إلى دعم وتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، بما يتيح تنفيذ مشروعات وإنجازات بوتيرة أسرع من المعتاد، مشددًا على أن المرحلة المقبلة تتطلب قدرًا أكبر من المرونة والتعاون والعمل المشترك، من أجل ترسيخ أسس تنموية مستدامة للأجيال القادمة، مؤكدًا استمرار العمل حتى تحقيق الأهداف التنموية للدولة.





