لم يعد سوق العقارات الإدارية في مصر يواجه تحدي ارتفاع الأسعار فقط، بل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا تتمثل في اتساع الفجوة بين العرض والطلب، خاصة على المساحات المكتبية الممتازة من الفئة “A”. فمع استمرار توسع الشركات المحلية ومتعددة الجنسيات، وارتفاع الطلب على مقرات إدارية حديثة تلبي معايير التشغيل والاستدامة، بات نقص المعروض يمنح ملاك المشروعات قوة أكبر في التسعير، بينما يضطر المطورون إلى إعادة صياغة نماذج البيع والإيجار لتلبية احتياجات السوق والحفاظ على وتيرة المبيعات.
وتكشف أحدث دراسة صادرة عن شركة Knight Frank للاستشارات العقارية أن سوق المكاتب الإدارية بالقاهرة واصل تسجيل أداء قوي خلال الربع الثاني من عام 2026، مدفوعًا بالطلب المرتفع على المساحات عالية الجودة، في وقت لا يزال فيه المعروض أقل من احتياجات السوق، وهو ما انعكس على مستويات الإيجارات والأسعار وخطط السداد.
شح المعروض يمنح الملاك قوة تسعيرية
أظهر التقرير ارتفاع متوسط إيجارات المكاتب الإدارية في القاهرة بنسبة 20% على أساس سنوي بالجنيه المصري خلال الربع الثاني من عام 2026، نتيجة استمرار نقص المساحات المكتبية الممتازة من الفئة “A”.
وبلغ متوسط الإيجارات المطلوبة نحو 325 دولارًا للمتر المربع سنويًا، بزيادة بلغت 2% بالدولار مقارنة بالعام الماضي، إلا أن تراجع قيمة الجنيه المصري جعل الزيادة الفعلية بالعملة المحلية أكبر بكثير، وهو ما عزز العائدات الإيجارية للمشروعات الإدارية.
ويعكس هذا الأداء استمرار الطلب القوي من الشركات على المقرات الإدارية الحديثة، رغم ارتفاع التكلفة، في ظل محدودية المعروض من المشروعات الجاهزة للتسليم.
القاهرة الجديدة تواصل قيادة السوق
أكد التقرير أن الشركات لا تزال تمنح الأولوية للمساحات المكتبية الحديثة، حتى مع ارتفاع أسعارها، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة السعرية بين المكاتب الممتازة من الفئة “A” والمكاتب الأقدم من الفئة “B”.
فقد بلغ متوسط إيجارات الفئة الأولى 335.6 دولارًا للمتر المربع سنويًا، مقابل 283.5 دولارًا للفئة الثانية، بما يمثل علاوة سعرية تبلغ 18.4%.
وسجلت المجمعات الإدارية من الفئة “A” أعلى مستويات الإيجارات، حيث بلغ متوسط الإيجار 348 دولارًا للمتر المربع في القاهرة الجديدة، و354 دولارًا في غرب القاهرة.
كما واصلت القاهرة الجديدة تعزيز مكانتها باعتبارها أكبر مركز للمشروعات الإدارية، بعدما استحوذت على 44 مشروعًا من إجمالي 77 مشروعًا إداريًا نشطًا داخل العاصمة.
وأشار التقرير إلى أن توافر أماكن انتظار السيارات، وسرعة جاهزية الوحدات للتشغيل، أصبحا من أهم المعايير التي تعتمد عليها الشركات عند اختيار مقارها الجديدة.
المكاتب المرنة تتحول إلى خيار استراتيجي
لم تعد المساحات الإدارية المرنة أو المجهزة مجرد حل مؤقت للشركات الناشئة، بل أصبحت خيارًا استراتيجيًا حتى للشركات العالمية الكبرى، التي تبحث عن مقرات جاهزة تقلل زمن الانتقال وتحد من النفقات الرأسمالية.
ورصد التقرير عددًا من الصفقات التي تعكس هذا الاتجاه، أبرزها استحواذ العلامة التجارية Spaces التابعة لمجموعة IWG السويسرية على مساحة تقارب 16 ألف متر مربع داخل مشروع The Ark Business Park.
كما حصل مشغلان آخران على نحو 7 آلاف متر مربع لكل منهما داخل مشروعي East Main التابع لشركة موبكو، وUPL التابع لشركة تعمير، في مؤشر على تنامي الطلب على هذا النوع من المساحات.
المطورون يمددون فترات السداد لمواكبة السوق
في المقابل، يواصل المطورون تعديل سياسات البيع لمواجهة تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكلفة التمويل.
وأشار التقرير إلى أن متوسط فترات السداد ارتفع تدريجيًا، ليصل إلى 4.6 سنوات للوحدات المتوقع تسليمها خلال عام 2026، بينما يمتد إلى 9.7 سنوات للمشروعات التي سيتم تسليمها في عام 2030.
كما بدأ عدد متزايد من المطورين في تخفيف الأعباء الأولية على الشركات المستأجرة، من خلال تسليم الوحدات بنظام نصف تشطيب، أو توزيع تكاليف التجهيزات الداخلية على مدة عقد الإيجار، بما يسهم في جذب الشركات متعددة الجنسيات وتقليل تكاليف انتقالها.
خريطة الأسعار تكشف اختلافات واسعة بين المناطق
وعلى مستوى البيع، أظهر التقرير تفاوتًا كبيرًا في أسعار المتر الإداري بين مناطق القاهرة الكبرى.
وجاءت منطقة وسط القاهرة باعتبارها الأقل سعرًا بمتوسط يبلغ نحو 67 ألف جنيه للمتر المربع.
في المقابل، سجلت القاهرة الجديدة والشيخ زايد مستويات متقاربة تراوحت بين 182 ألفًا و184 ألف جنيه للمتر المربع.
أما زايد الجديدة، فقد تصدرت قائمة المناطق الأعلى سعرًا، حيث تجاوز متوسط سعر المتر الإداري 206 آلاف جنيه.
في حين سجلت مدينة السادس من أكتوبر أكبر تفاوت سعري، إذ تراوح سعر المتر بين 70 ألف جنيه و325 ألف جنيه، وهو ما يعكس اختلاف جودة المشروعات ومستوى الخدمات أكثر من كونه نتيجة لقدرة المطورين على رفع الأسعار.
أزمة هيكلية وراء نقص المعروض
ورغم قوة الطلب، يرى التقرير أن السوق لا تزال تواجه تحديًا هيكليًا يتمثل في نقص المساحات الإدارية الكبيرة الجاهزة لاستقبال الشركات متعددة الجنسيات.
ويعود ذلك إلى اتجاه عدد من المطورين خلال السنوات الماضية إلى تقسيم المشروعات الإدارية إلى وحدات صغيرة بهدف تسريع عمليات البيع وتوفير السيولة، وهو ما أدى إلى تراجع المعروض من المساحات الكبيرة التي تحتاجها الشركات العالمية ومراكز خدمات الأعمال.
وكان الرئيس التنفيذي لشركة بنيان، طارق عبد الرحمن، قد أشار سابقًا إلى أن السوق المصرية تحتاج سنويًا إلى نحو 9.5 مليون متر مربع من المساحات الإدارية، بينما يتراوح المعروض الفعلي بين 2.5 و3.2 مليون متر مربع فقط، وهو ما يفسر استمرار الضغوط على الإيجارات والأسعار.
ضريبة القيمة المضافة.. المتغير الذي يراقبه المستثمرون
وبالتوازي مع هذه التطورات، يترقب المستثمرون تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 14% على تأجير المساحات الإدارية، وهي خطوة قد تؤثر على العوائد الاستثمارية التي تتراوح حاليًا بين 8% و10%.
ويرى مراقبون أن تطبيق الضريبة قد يدفع بعض المستثمرين إلى إعادة تقييم قرارات الشراء، كما قد ينعكس على مستويات الإيجارات أو الطلب الاستثماري خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا لم يقابله نمو مماثل في الطلب من الشركات.
قراءة اقتصادية
تكشف مؤشرات سوق المكاتب الإدارية أن القطاع لم يعد يعتمد فقط على النمو العمراني، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بجاذبية مصر للاستثمارات الأجنبية، وتوسع الشركات متعددة الجنسيات، ونمو قطاعات التعهيد والخدمات المشتركة.
ومع استمرار محدودية المعروض من المساحات الممتازة، تبدو فرص استمرار ارتفاع الإيجارات والأسعار قائمة على المدى القريب، خاصة في القاهرة الجديدة وغرب القاهرة. إلا أن الحفاظ على هذا الزخم سيظل مرهونًا بقدرة المطورين على توفير منتجات تتناسب مع احتياجات الشركات الكبرى، والتعامل مع المتغيرات المرتبطة بتكاليف التمويل والضرائب، بما يضمن استمرار جاذبية الاستثمار في العقارات الإدارية خلال السنوات المقبلة.


