
يشهد السوق العقاري المصري خلال الفترة الحالية مفارقة تبدو لافتة؛ ففي الوقت الذي تشير فيه مؤشرات السوق إلى تباطؤ وتيرة المبيعات مقارنة بالسنوات الماضية، لا تزال أسعار العقارات تحافظ على مستوياتها المرتفعة، بل تسجل زيادات تدريجية في بعض المشروعات والمناطق. وبينما يتوقع البعض أن يؤدي تراجع الطلب إلى انخفاض الأسعار وفقًا لقواعد العرض والطلب، يرى كبار المطورين العقاريين أن الواقع مختلف، وأن استمرار ارتفاع تكلفة التطوير والأراضي والتمويل يجعل خفض الأسعار أمرًا بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.
ويؤكد مسؤولون في كبرى شركات التطوير العقاري أن السوق لا يمر بأزمة أسعار، وإنما بمرحلة إعادة توازن، انتقلت خلالها المنافسة من تخفيض الأسعار إلى تقديم حلول تمويلية أكثر مرونة، للحفاظ على معدلات البيع دون المساس بالقيمة السوقية للمشروعات.
المطورون يحسمون الجدل: الأسعار لن تنخفض في الوقت الحالي
أكد حازم هلال، الرئيس التنفيذي لشركة مدن O West، أن أسعار العقارات لن تنخفض خلال الفترة الحالية، موضحًا أن التكلفة لا تزال مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في أسعار مواد البناء، وتكاليف التمويل، فضلًا عن ارتفاع الأجور والمرتبات.
وقال هلال إن استمرار ارتفاع مكونات تكلفة العقار بمعدلات شبه ثابتة يعني بالضرورة استمرار أسعار البيع عند مستويات مرتفعة، مؤكدًا أن ما يتردد بشأن انخفاض أسعار العقارات بنسبة 25% لا يستند إلى أسس اقتصادية، واصفًا هذا السيناريو بأنه “مستحيل” في ظل الظروف الحالية.
وأضاف أن السوق دخل مرحلة جديدة تتطلب من المطورين إعادة تصميم منتجاتهم بما يتناسب مع احتياجات العملاء، مشيرًا إلى أن عصر الفيلات ذات المساحات الكبيرة والحدائق الواسعة انتهى، وأصبح المطلوب وحدات أكثر كفاءة وملاءمة، دون الإخلال بسعر المتر العادل.
أيمن عامر: تكلفة البناء عالميًا لا تسمح بخفض الأسعار
من جانبه، أكد أيمن عامر، مدير عام شركة سوديك في تعليق له بأحد المؤتمرات العقارية أن تكلفة البناء تعد العامل الرئيسي وراء استمرار ارتفاع أسعار العقارات، موضحًا أن أسعار مكونات البناء لم تتراجع عالميًا، وبالتالي لا توجد مبررات اقتصادية لخفض أسعار الوحدات.
وأشار إلى أن تقييم السوق العقارية بالجنيه المصري لا يعكس الصورة الكاملة، معتبرًا أن المقارنة الحقيقية يجب أن تتم وفق سعر الدولار.
وأوضح أن متوسط سعر المتر لدى أكبر عشر شركات تطوير عقاري في مصر يبلغ نحو 3 آلاف دولار، مقابل 6 إلى 7 آلاف دولار في دول الخليج، ونحو 10 آلاف دولار في أوروبا.
وأضاف أن السوق المصرية تمتلك فرصًا قوية لجذب المستثمرين الأجانب، لافتًا إلى أن مبيعات الأجانب لا تتجاوز 3% من إجمالي مبيعات السوق، وهي نسبة يمكن مضاعفتها إذا تم تعزيز التسويق الخارجي.
إبراهيم المسيري: الفائدة لا تزال مرتفعة وتأثيرها لم يظهر بعد
واتفق إبراهيم المسيري، الرئيس التنفيذي لمجموعة أبو سوما للتنمية – سوما باي، مع هذا الطرح، مؤكدًا أن أسعار العقارات لن تتراجع خلال العام الجاري، لأن تكلفة مكونات العقار، وفي مقدمتها أسعار الأراضي، لا تزال مرتفعة.
وأشار إلى أن خفض أسعار الفائدة لم ينعكس حتى الآن على السوق العقارية، موضحًا أن أسعار الفائدة في مصر لا تزال مرتفعة مقارنة بالدول الأخرى التي تتراوح فيها بين 3% و4%.
ورجح أن يبدأ تأثير الفائدة في دعم السوق العقارية عندما تنخفض إلى مستويات تتراوح بين 6% و8%.
ويأتي ذلك رغم أن البنك المركزي المصري خفّض أسعار الفائدة بإجمالي 7.25% خلال عام 2025، لتصل إلى 20% للإيداع و21% للإقراض، وهي مستويات لا تزال مرتفعة من وجهة نظر المطورين والمستثمرين.
لماذا لا تنخفض الأسعار رغم تراجع المبيعات؟
توضح آراء المطورين أن تراجع المبيعات لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار، لأن السوق العقارية تختلف عن كثير من الأسواق الأخرى، إذ تعتمد على تكلفة إنتاج مرتفعة وأصول طويلة الأجل، وهو ما يجعل خفض الأسعار قرارًا شديد الحساسية.
كما أن المطورين يدركون أن التخفيضات المباشرة قد تؤثر على قيمة الوحدات المباعة سابقًا، وتنعكس سلبًا على ثقة العملاء والسوق بشكل عام.
ارتفاع تكلفة البناء يمنع أي تخفيضات واسعة
شهدت أسعار مواد البناء، وعلى رأسها الحديد والأسمنت، إلى جانب التشطيبات والأجور، زيادات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، لترتفع معها تكلفة إنتاج الوحدة السكنية بصورة ملحوظة.
ولهذا، فإن أي خفض واسع للأسعار قد يعني تراجع هوامش الربحية أو تحمل الشركات خسائر مباشرة، خاصة في المشروعات التي لا تزال قيد التنفيذ.
أسعار الأراضي تواصل الضغط على المطورين
إلى جانب تكلفة الإنشاء، تمثل أسعار الأراضي أحد أكبر عناصر التكلفة، إذ تجاوزت في بعض المناطق ما بين 35% و40% من إجمالي تكلفة الوحدة العقارية.
ويحد ذلك من قدرة الشركات على إعادة تسعير مشروعاتها، لأن تكلفة الأرض تعد تكلفة ثابتة لا يمكن تعويضها بسهولة.
المنافسة تحولت إلى أنظمة السداد
بدلاً من خفض الأسعار، اتجهت غالبية شركات التطوير العقاري إلى المنافسة من خلال برامج سداد أكثر مرونة، تشمل:
أنظمة تقسيط تمتد إلى 10 و12 وحتى 15 عامًا.
مقدمات منخفضة، وفي بعض المشروعات بدون مقدم.
خصومات خاصة للعملاء الذين يسددون نقدًا.
وتسمح هذه السياسة بتحفيز الطلب مع الحفاظ على القيمة السوقية للمشروعات.
العقار لا يزال مخزنًا للقيمة
رغم تباطؤ المبيعات، لا يزال العقار يحتفظ بمكانته كأحد أهم أدوات الحفاظ على قيمة الأموال، خاصة في ظل التضخم وتقلبات سعر الصرف، وهو ما يدفع كثيرًا من المستثمرين إلى الاحتفاظ بوحداتهم بدلاً من البيع بأسعار أقل.
إدارة المعروض بدلاً من خفض الأسعار
تلجأ بعض الشركات أيضًا إلى تأجيل إطلاق مراحل جديدة أو تقليل عدد الوحدات المطروحة للبيع، بهدف الحفاظ على التوازن بين العرض والطلب، ومنع حدوث منافسة سعرية حادة.
متى يمكن أن تتراجع أسعار العقارات؟
رغم تماسك السوق، فإن احتمالات تراجع الأسعار تظل قائمة في حالات محددة، أبرزها احتياج بعض المطورين أو المستثمرين إلى سيولة عاجلة، أو في سوق إعادة البيع (الريسيل)، حيث قد يقبل بعض الملاك البيع بأسعار أقل لإتمام الصفقات بسرعة.
كما قد تتعرض الأسعار لضغوط إذا استمر ضعف الطلب لفترة طويلة بالتزامن مع زيادة المعروض بصورة تتجاوز قدرة السوق على الاستيعاب.





