جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

مصر وصندوق النقد الدولي.. 10 سنوات أعادت تشكيل الاقتصاد.. فهل تبدأ الآن مرحلة ما بعد القروض؟

المراجعة السابعة ليست مجرد شريحة تمويل جديدة.. بل محطة فاصلة في مسار إصلاح اقتصادي بدأ عام 2016

كيف غيّر تعويم الجنيه وسياسات الإصلاح خريطة الاقتصاد المصري؟ وما الذي تحقق؟ وما الذي بقي من التحديات؟

- Advertisement -

لماذا عادت مصر إلى صندوق النقد أكثر من مرة؟ وهل كانت الصدمات العالمية أم الاختلالات الهيكلية هي السبب؟

ماذا تعني استراتيجية «ما بعد صندوق النقد»؟ وهل يستطيع الاقتصاد المصري الاعتماد على موارده الذاتية دون برامج تمويل جديدة؟

ملف تحليلي يرصد بالأرقام والوقائع رحلة عقد كامل من الإصلاح الاقتصادي، ويستشرف السيناريوهات المحتملة للاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة.

 

من أزمة الدولار إلى المراجعة السابعة.. كيف بدأت رحلة مصر مع صندوق النقد؟

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار الأسواق المحلية والمؤسسات المالية الدولية إلى اجتماع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي لحسم المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، لا تبدو القضية مرتبطة فقط بالحصول على شريحة تمويل جديدة، بقدر ما ترتبط بمحطة مفصلية في علاقة امتدت قرابة عشر سنوات بين القاهرة والصندوق.

فهذا الاجتماع يأتي بينما تتحدث الدولة للمرة الأولى بصورة واضحة عن إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، في إشارة تحمل دلالات تتجاوز حدود الاتفاق الحالي، وتعكس رغبة في الانتقال من مرحلة الاعتماد على برامج التمويل الدولية إلى مرحلة يرتكز فيها النمو بصورة أكبر على الإنتاج والاستثمار والتصدير.

لكن لفهم هذه المرحلة، لا بد أولاً من العودة إلى السؤال الذي شكّل نقطة البداية:

لماذا لجأت مصر إلى صندوق النقد الدولي عام 2016؟

الإجابة لا تبدأ من مقر الصندوق في واشنطن، وإنما من داخل الاقتصاد المصري نفسه، الذي كان يواجه آنذاك مجموعة من الاختلالات الهيكلية تراكمت على مدار سنوات، وفرضت ضغوطًا متزايدة على سوق النقد الأجنبي، والمالية العامة، وقدرة الاقتصاد على جذب الاستثمارات.

ففي تلك الفترة، اتسعت الفجوة بين الموارد الدولارية واحتياجات الاقتصاد، بينما واجهت السوق نقصًا متزايدًا في العملات الأجنبية، وظهرت سوق موازية للدولار انعكس نشاطها على حركة التجارة والاستيراد والإنتاج. وفي الوقت نفسه، كانت معدلات النمو أقل من الطموحات، في ظل ارتفاع عجز الموازنة والدين العام، وتراجع قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها بشروط ميسرة.

ومع استمرار هذه الضغوط، أصبح من الواضح أن الاقتصاد يحتاج إلى برنامج إصلاح شامل يعالج جذور المشكلة، وليس مجرد حلول مؤقتة توفر سيولة دولارية لفترة محدودة.

من هنا بدأت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، التي انتهت في نوفمبر 2016 بالموافقة على برنامج تمويل ضمن «تسهيل الصندوق الممدد»، بقيمة 12 مليار دولار، مقابل تنفيذ حزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية والنقدية والمالية.

ولم يكن التمويل في حد ذاته هو الهدف الرئيسي من الاتفاق، إذ مثّل في جانب كبير منه شهادة ثقة للاقتصاد المصري أمام المؤسسات المالية الدولية والأسواق العالمية، بما أتاح لاحقًا تدفقات تمويلية واستثمارية من جهات دولية وإقليمية أخرى.

لكن الاتفاق حمل في المقابل برنامجًا إصلاحيًا واسع النطاق، كان أبرز محاوره تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة منظومة دعم الطاقة، وتعزيز الإيرادات العامة، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية للتخفيف من آثار الإصلاح على الفئات الأكثر احتياجًا.

وكان قرار تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر 2016 هو التحول الأكثر تأثيرًا في مسار الاقتصاد المصري خلال العقد الأخير. فقد أنهى وجود أسعار صرف متعددة، وأسهم في استعادة مرونة سوق النقد، لكنه جاء أيضًا بتكلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة، تمثلت في موجة تضخمية وارتفاع ملحوظ في أسعار السلع والخدمات، نتيجة انتقال أثر انخفاض قيمة العملة إلى تكلفة الواردات والإنتاج.

ورغم تلك التكلفة، يرى كثير من الاقتصاديين أن القرار أعاد بناء سوق الصرف على أسس أكثر واقعية، وساعد تدريجيًا على القضاء على السوق الموازية، وتحسين قدرة الجهاز المصرفي على توفير النقد الأجنبي، وهو ما انعكس لاحقًا على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية.

وخلال السنوات التالية، بدأت مؤشرات الاقتصاد الكلي في التحسن تدريجيًا، مدعومة بارتفاع معدلات النمو، وزيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي، وتحسن عدد من المؤشرات المالية. غير أن هذه المسيرة لم تسر في خط مستقيم، إذ سرعان ما واجه العالم سلسلة من الصدمات غير المسبوقة، بدأت بجائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الاضطرابات الجيوسياسية التي أثرت على التجارة العالمية وحركة الملاحة وإيرادات عدد من الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر.

وهنا بدأ فصل جديد من العلاقة مع صندوق النقد، لم يعد عنوانه فقط «الإصلاح»، بل أصبح أيضًا «كيفية حماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية»؛ وهو ما مهد لبرامج جديدة ومراجعات متتالية، وصولًا إلى المراجعة السابعة التي يناقشها المجلس التنفيذي اليوم، والتي تمثل أحدث محطة في رحلة اقتصادية ما زالت فصولها تُكتب.

 

التعويم والإصلاحات.. كيف تغيّر الاقتصاد المصري؟ ومن دفع فاتورة الإصلاح؟

لم يكن قرار تحرير سعر صرف الجنيه في الثالث من نوفمبر 2016 مجرد إجراء نقدي اتخذه البنك المركزي، بل كان نقطة تحول أعادت رسم ملامح الاقتصاد المصري بأكمله.

فمنذ ذلك التاريخ، دخلت مصر واحدة من أوسع برامج الإصلاح الاقتصادي في تاريخها الحديث، وهو برنامج لم يقتصر على تحرير سوق الصرف، وإنما امتد ليشمل السياسة المالية، ودعم الطاقة، والنظام الضريبي، وإدارة الدين العام، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، في محاولة لمعالجة اختلالات تراكمت على مدار سنوات.

وبعد مرور نحو عقد كامل، يفرض السؤال نفسه: ماذا تغير بالفعل؟ وهل كانت حصيلة الإصلاحات بحجم التضحيات التي تحملها الاقتصاد والمواطن؟

اقتصاد مختلف عن عام 2016

يصعب مقارنة الاقتصاد المصري اليوم بما كان عليه قبل عشر سنوات، ليس فقط بسبب الإصلاحات، ولكن أيضًا لأن العالم نفسه تغيّر بصورة جذرية.

فعندما بدأ برنامج الإصلاح، كان الهدف الأول هو استعادة التوازن إلى سوق النقد الأجنبي، وإزالة التشوهات التي عطلت حركة الاستثمار والإنتاج.

وقد نجح تحرير سعر الصرف في إنهاء ظاهرة تعدد أسعار الدولار، واستعادة دور الجهاز المصرفي كمصدر رئيسي لتوفير العملة الأجنبية، بعدما كانت السوق الموازية تفرض أسعارها على المتعاملين.

كما ساهمت مرونة سعر الصرف في تحسين قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، بعدما أصبح سعر العملة أكثر ارتباطًا بظروف العرض والطلب، بدلاً من الدفاع عن سعر ثابت يستهلك الاحتياطيات الأجنبية.

ولم يكن ذلك التحول هدفًا في حد ذاته، بل كان مدخلًا لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد المصري أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية.

شهادة ثقة قبل أن يكون قرضًا

ينظر كثير من الخبراء إلى اتفاق صندوق النقد الدولي باعتباره أكثر من مجرد تمويل.

فالحصول على موافقة الصندوق يعني أن الدولة التزمت ببرنامج إصلاح يخضع لمراجعات دورية، وهو ما يمنح المؤسسات الدولية والمستثمرين درجة أعلى من الثقة في قدرة الاقتصاد على تنفيذ سياسات مستقرة.

ولهذا السبب، فتحت اتفاقات الصندوق الباب أمام تمويلات إضافية من مؤسسات تنموية وإقليمية، كما ساهمت في تحسين فرص مصر في الوصول إلى أسواق الدين الدولية خلال مراحل مختلفة.

لكن هذه الشهادة لم تكن مجانية، إذ ارتبطت بتنفيذ إصلاحات صعبة، كان لها أثر مباشر على حياة المواطنين والشركات.

التضخم… الوجه الآخر للإصلاح

إذا كان تحرير سعر الصرف قد عالج أزمة نقص الدولار، فإنه في المقابل أدى إلى ارتفاع تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج، وهو ما انعكس سريعًا على أسعار السلع والخدمات.

وشهد الاقتصاد المصري موجات تضخم متتالية، بلغت ذروتها مع الأزمات العالمية التي تلت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، لتتحول مكافحة التضخم إلى التحدي الأكبر أمام السياسة النقدية.

وردًا على ذلك، اتجه البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة بهدف احتواء الضغوط التضخمية، وهي خطوة ساهمت في كبح جماح الأسعار تدريجيًا، لكنها رفعت في الوقت نفسه تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد.

وبذلك، أصبح الاقتصاد يواجه معادلة دقيقة: السيطرة على التضخم دون إبطاء النشاط الاقتصادي بصورة حادة.

المواطن في قلب المعادلة

لم تكن تكلفة الإصلاح مجرد أرقام في تقارير المؤسسات الدولية، بل انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين.

فارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية شكّلا تحديًا حقيقيًا للأسر، خصوصًا مع زيادة تكاليف الغذاء والطاقة والخدمات.

وفي المقابل، وسعت الدولة برامج الحماية الاجتماعية، وزادت مخصصات الدعم النقدي، ورفعت الحد الأدنى للأجور والمعاشات على مراحل، في محاولة لتخفيف أثر الإصلاحات على الفئات الأكثر احتياجًا.

غير أن خبراء الاقتصاد يشيرون إلى أن برامج الحماية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن خلق فرص عمل وزيادة الدخول الحقيقية من خلال الإنتاج والاستثمار.

الاستثمار… بين الثقة والتحديات

كان أحد الأهداف الرئيسية للإصلاح الاقتصادي هو جعل مصر أكثر جذبًا للاستثمار.

وخلال السنوات الماضية، نجحت الدولة في تنفيذ مشروعات بنية تحتية ضخمة، وتطوير شبكة الطرق والموانئ والطاقة، وهو ما وفر بيئة أكثر استعدادًا لاستقبال استثمارات جديدة.

لكن في الوقت نفسه، واجه المستثمرون تحديات مرتبطة بارتفاع تكلفة التمويل، وتقلبات سعر الصرف، والظروف الاقتصادية العالمية، وهو ما جعل جذب الاستثمار الأجنبي المباشر أكثر تعقيدًا من مجرد تحسين المؤشرات الاقتصادية.

لذلك، اتجهت الحكومة خلال الأعوام الأخيرة إلى إطلاق حزم إصلاح تستهدف تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع دور القطاع الخاص، باعتبارها عوامل حاسمة في جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل.

هل نجحت الإصلاحات؟

الإجابة ليست أحادية.

فمن زاوية الاقتصاد الكلي، نجحت الإصلاحات في معالجة عدد من الاختلالات الهيكلية، واستعادة قدر كبير من الاستقرار المالي والنقدي، وتعزيز ثقة المؤسسات الدولية في الاقتصاد المصري.

لكن من زاوية المواطن، جاءت هذه الإصلاحات مصحوبة بتكلفة معيشية مرتفعة، فرضتها موجات التضخم وارتفاع الأسعار، وهو ما جعل آثار الإصلاح تختلف باختلاف موقع كل فئة داخل الاقتصاد.

وربما تكمن خصوصية التجربة المصرية في أن برنامج الإصلاح لم يُختبر في ظروف طبيعية، بل تزامن مع سلسلة من أكبر الأزمات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال العقود الأخيرة، بداية من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى الاضطرابات الإقليمية التي أثرت على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وإيرادات قناة السويس.

ولهذا، فإن تقييم التجربة لا ينبغي أن يقتصر على مقارنة ما تحقق بما كان مخططًا له في عام 2016، وإنما يجب أن يأخذ في الاعتبار حجم المتغيرات الاستثنائية التي واجهها الاقتصاد المصري طوال هذه السنوات.

ويبقى السؤال الذي يقودنا إلى الفصل التالي: إذا كانت الإصلاحات قد أعادت بناء كثير من التوازنات، فلماذا عادت مصر إلى صندوق النقد أكثر من مرة؟ وهل كان السبب في الداخل، أم أن العالم تغيّر أسرع من قدرة الاقتصادات الناشئة على التكيف؟

 

لماذا عادت مصر إلى صندوق النقد أكثر من مرة؟.. عندما اصطدمت الإصلاحات بأزمات العالم

بعد سنوات قليلة من انطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي، بدا أن الاقتصاد المصري بدأ يستعيد توازنه تدريجيًا. تحسنت مؤشرات النمو، وارتفع الاحتياطي من النقد الأجنبي، واستعادت السوق المصرفية دورها الطبيعي في توفير العملة الأجنبية، بينما عادت ثقة المؤسسات الدولية في قدرة الاقتصاد على تنفيذ الإصلاحات.

لكن هذه المرحلة لم تدم طويلًا.

ففي مطلع عام 2020، لم يكن الاقتصاد المصري وحده من يواجه اختبارًا صعبًا، بل كان العالم بأسره يدخل واحدة من أعنف الأزمات الاقتصادية منذ الكساد الكبير، بعد تفشي جائحة كورونا، التي شلت حركة التجارة والسياحة والطيران والاستثمار عبر القارات.

وبالنسبة لمصر، جاءت الأزمة في توقيت كانت فيه تعتمد على عدد من المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي، مثل السياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين، وإيرادات قناة السويس، والصادرات.

ومع الإغلاق العالمي، تعرضت هذه الموارد لضغوط متفاوتة، بينما خرجت مليارات الدولارات من الأسواق الناشئة، في موجة بحث عالمية عن الأصول الأقل مخاطرة.

كورونا… أول اختبار حقيقي للإصلاح

وجدت الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة؛ فمن ناحية كان عليها الحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي، ومن ناحية أخرى توفير التمويل اللازم لمواجهة تداعيات الجائحة.

في هذا السياق، حصلت مصر في عام 2020 على دعم جديد من صندوق النقد الدولي عبر أدوات تمويل طارئة، لم تكن موجهة لمصر وحدها، بل استفادت منها عشرات الدول لمواجهة التداعيات غير المسبوقة للجائحة.

ورأى كثير من المراقبين آنذاك أن لجوء مصر السريع إلى الصندوق لم يكن يعكس فشل برنامج الإصلاح، بقدر ما كان يعكس طبيعة الأزمة العالمية التي دفعت اقتصادات متقدمة وناشئة إلى البحث عن مصادر تمويل استثنائية للحفاظ على الاستقرار المالي.

الحرب الروسية الأوكرانية… ضربة أشد قسوة

وما إن بدأ العالم يتعافى تدريجيًا من آثار كورونا، حتى اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، لتفتح فصلًا جديدًا من الضغوط الاقتصادية.

ارتفعت أسعار الطاقة والقمح والسلع الأساسية، وتسارعت معدلات التضخم عالميًا، بينما اتجهت البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة غير مسبوقة.

وهنا واجهت الأسواق الناشئة، ومنها مصر، تحديًا جديدًا تمثل في خروج جانب من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل، مع اتجاه المستثمرين إلى الأسواق الأكثر أمانًا والأعلى عائدًا.

الأموال الساخنة… الدرس الذي لا يزال حاضرًا

كشفت تلك المرحلة أهمية التمييز بين نوعين من التدفقات الأجنبية.

الأول هو الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يرتبط بإقامة مصانع ومشروعات وشركات، ويتميز بالاستقرار النسبي.

أما الثاني فهو الاستثمار في أدوات الدين الحكومية، الذي يُعرف إعلاميًا باسم “الأموال الساخنة”، وهو استثمار سريع الحركة، يدخل للاستفادة من أسعار الفائدة، لكنه يغادر بالسرعة نفسها عند تغير الأوضاع العالمية.

وقد تعرضت مصر، كما تعرضت دول ناشئة أخرى، لخروج جزء من هذه التدفقات مع ارتفاع الفائدة الأمريكية، وهو ما فرض ضغوطًا إضافية على سوق الصرف، وزاد الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات السياسة الاقتصادية.

ومن هنا، بدأت الدولة تتحدث بصورة أكثر وضوحًا عن ضرورة التحول من الاعتماد على التدفقات قصيرة الأجل إلى جذب استثمارات إنتاجية طويلة الأجل قادرة على توفير فرص عمل وزيادة الصادرات.

لماذا جاء اتفاق 2022 مختلفًا؟

عندما أبرمت مصر برنامجها الجديد مع صندوق النقد في نهاية عام 2022، لم يكن الهدف تكرار برنامج 2016، وإنما التعامل مع واقع اقتصادي عالمي مختلف تمامًا.

فالمفاوضات هذه المرة ركزت على تعزيز مرونة سعر الصرف، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتسريع برنامج الطروحات الحكومية، إلى جانب مواصلة الإصلاحات المالية والهيكلية.

وكانت الرسالة الأساسية أن مواجهة الصدمات الخارجية لا تعتمد فقط على الاحتياطيات أو التمويل، وإنما على اقتصاد أكثر قدرة على توليد النقد الأجنبي من الإنتاج والتصدير والاستثمار.

صفقة رأس الحكمة… نقطة تحول

في عام 2024، مثلت صفقة تطوير منطقة رأس الحكمة إحدى أبرز محطات الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة.

فبعيدًا عن قيمتها الاستثمارية الكبيرة، حملت الصفقة رسالة مهمة للأسواق، مفادها أن مصر تستطيع جذب استثمارات أجنبية مباشرة ضخمة، وليس فقط تدفقات مالية قصيرة الأجل.

ورأى اقتصاديون أن مثل هذه الصفقات تمثل نموذجًا لما تحتاجه المرحلة المقبلة، لأنها توفر تمويلًا طويل الأجل، وتدعم النشاط الاقتصادي، وتخفف الضغوط على سوق النقد الأجنبي، دون أن ترتبط بطبيعة الأموال سريعة الخروج.

المراجعة السابعة… أكثر من مجرد شريحة تمويل

لهذا السبب، ينظر كثير من المحللين إلى المراجعة السابعة بوصفها محطة تختلف عن المراجعات السابقة.

فالاقتصاد المصري اليوم لا يناقش فقط استكمال برنامج الإصلاح، وإنما يناقش أيضًا شكل المرحلة التي ستلي انتهاء البرنامج.

وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية في هذا الملف:

إذا كانت مصر تسعى إلى مرحلة “ما بعد صندوق النقد”، فما الشروط التي يجب أن تتوافر حتى لا تضطر إلى العودة مجددًا لبرامج تمويل جديدة؟

وهذا هو السؤال الذي سنجيب عنه في الفصل الرابع، الذي يتناول ملامح الاقتصاد المصري بعد صندوق النقد، وفرص نجاح الاستراتيجية الجديدة التي أعلنتها الدولة لبناء اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على الإنتاج والاستثمار والتصدير.

 

اقتصاد ما بعد صندوق النقد.. كيف تكتب مصر فصلًا جديدًا بعيدًا عن القروض؟

على مدار ما يقرب من عشر سنوات، ارتبط اسم صندوق النقد الدولي في أذهان كثيرين بقرارات تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الفائدة، وإعادة هيكلة الدعم، والمراجعات الدورية التي كانت تترقبها الأسواق.

لكن اللافت خلال الأشهر الأخيرة أن الخطاب الرسمي بدأ يتغير تدريجيًا. فلم يعد التركيز منصبًا على استكمال برنامج الإصلاح الحالي فحسب، بل برز حديث واضح عن إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لأي اقتصاد أن يخرج نهائيًا من دائرة برامج صندوق النقد؟

الإجابة الاقتصادية تقول إن الأمر لا يرتبط بالرغبة السياسية وحدها، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحقيق توازن دائم بين موارده من النقد الأجنبي واحتياجاته التمويلية، بحيث يصبح أقل عرضة للصدمات الخارجية وأكثر اعتمادًا على موارده الذاتية.

الدولار… ليس مشكلة عملة بل مشكلة إنتاج

أثبتت التجربة المصرية، كما أثبتت تجارب دول عديدة، أن أزمة الدولار لا تُحل بالاقتراض وحده، لأن القروض توفر سيولة مؤقتة لكنها لا تخلق موردًا مستدامًا للنقد الأجنبي.

أما الحل طويل الأجل، فيكمن في اقتصاد قادر على إنتاج ما يستهلك، وتصدير فائضه إلى الخارج، وجذب استثمارات تضيف طاقات إنتاجية جديدة.

فكل مصنع جديد يوجّه جزءًا من إنتاجه للتصدير، وكل شركة أجنبية تقيم مشروعًا صناعيًا أو خدميًا في مصر، تمثل مصدرًا متجددًا للعملة الأجنبية، يقلل الحاجة إلى الاقتراض مع مرور الوقت.

ولهذا، فإن نجاح مرحلة ما بعد صندوق النقد يبدأ من سؤال مختلف: كيف تزيد مصر قدرتها على إنتاج الدولار، لا كيف تحصل عليه؟

الصناعة… كلمة السر

رغم التطور الكبير في البنية التحتية خلال السنوات الماضية، يرى خبراء الاقتصاد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا أكبر من الاستثمار في البنية الأساسية إلى الاستثمار في الطاقة الإنتاجية.

فالطرق والموانئ وشبكات الكهرباء أصبحت قاعدة مهمة، لكن العائد الحقيقي يتحقق عندما تتحول هذه البنية إلى مصانع تعمل، وشركات تصدر، وسلاسل إنتاج محلية تقلل الاعتماد على الواردات.

ولهذا، فإن تعميق التصنيع المحلي لا يعني فقط زيادة الإنتاج، بل يعني أيضًا خفض فاتورة الاستيراد، ورفع القيمة المضافة، وتوفير فرص عمل ذات إنتاجية أعلى.

الصادرات… الاختبار الحقيقي

تتفق معظم التجارب الاقتصادية الناجحة على أن الصادرات ليست مجرد بند في ميزان المدفوعات، بل هي المؤشر الأكثر تعبيرًا عن قدرة الاقتصاد على المنافسة.

فكل زيادة في الصادرات تعني دخول عملة أجنبية دون اقتراض، وتحسنًا في ميزان المدفوعات، وقدرة أكبر على تمويل الواردات والاستثمارات.

ومن هنا، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بقدرة مصر على زيادة صادراتها الصناعية والزراعية والخدمية، وليس فقط بالحفاظ على استقرار سعر الصرف.

الاستثمار الأجنبي المباشر… أكثر قيمة من الأموال الساخنة

أحد أهم الدروس التي خرجت بها مصر من أزمات السنوات الماضية هو أن الاستثمار طويل الأجل أكثر استقرارًا من التدفقات المالية قصيرة الأجل.

فالاستثمار المباشر يرتبط بأصول ومصانع ومشروعات يصعب نقلها بين ليلة وضحاها، بينما تتحرك الأموال الساخنة بسرعة كبيرة وفقًا لتغيرات أسعار الفائدة ومستويات المخاطر العالمية.

ولهذا، فإن جذب استثمارات إنتاجية جديدة، خاصة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستية، سيكون أحد أعمدة استراتيجية ما بعد صندوق النقد.

القطاع الخاص… من شريك إلى محرك للنمو

إذا كان القطاع العام قد لعب دورًا رئيسيًا في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية خلال السنوات الماضية، فإن المرحلة المقبلة تبدو أكثر احتياجًا إلى دور أوسع للقطاع الخاص في قيادة النشاط الاقتصادي.

فالنمو المستدام في الاقتصادات الحديثة يعتمد على توسع الشركات الخاصة، وزيادة الاستثمارات، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص العمل.

ومن هذا المنطلق، تركز الحكومة على تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتشجيع المنافسة، بما يعزز قدرة القطاع الخاص على قيادة النمو خلال السنوات المقبلة.

الدين… ليس حجمه فقط هو القضية

غالبًا ما يتركز النقاش حول حجم الدين العام، لكن الاقتصاديين يشيرون إلى أن الأهم هو كيفية إدارة هذا الدين.

فإذا نجح الاقتصاد في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وزيادة الإيرادات الدولارية، وخفض تكلفة الاقتراض تدريجيًا، تصبح إدارة الدين أكثر استدامة.

أما إذا ظل النمو يعتمد على التمويل الخارجي دون توسع موازٍ في الإنتاج والصادرات، فإن الضغوط التمويلية ستظل قائمة مهما تغيرت مصادر الاقتراض.

هل انتهت رحلة مصر مع صندوق النقد؟

من الناحية المؤسسية، ستظل مصر عضوًا في صندوق النقد الدولي، كما ستستمر المشاورات الدورية بين الجانبين، وهو أمر ينطبق على جميع الدول الأعضاء.

لكن السؤال الحقيقي ليس عن استمرار العلاقة المؤسسية، بل عن الحاجة إلى برامج تمويل جديدة.

وهنا، تبدو الإجابة مرتبطة بقدرة الاقتصاد المصري على تحقيق هدفين في آن واحد: زيادة موارده الذاتية من النقد الأجنبي، وتعزيز مرونته في مواجهة الصدمات الخارجية.

فإذا نجحت الدولة في ذلك، ستكون فرص عدم اللجوء إلى برامج جديدة أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي.

أما إذا تعرض الاقتصاد لصدمات عالمية عنيفة، أو تباطأت الإصلاحات الهيكلية، فقد تعود الحاجة إلى أدوات تمويل دولية، كما حدث في العديد من الاقتصادات الناشئة خلال السنوات الأخيرة.

ويبقى المؤكد أن المرحلة المقبلة تختلف عن كل ما سبقها، لأن التحدي لم يعد يقتصر على تنفيذ برنامج إصلاح، بل أصبح يتمثل في تحويل الإصلاح إلى نمو يقوده الإنتاج، وتنافسية تقودها الصناعة، واستدامة يقودها القطاع الخاص.