
لم يحمل قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بتثبيت أسعار الفائدة مفاجآت للأسواق، لكنه لم ينهِ حالة الترقب التي تسيطر على المستثمرين في أسواق الذهب العالمية. فمع بقاء الفائدة عند مستوياتها الحالية، تحولت أنظار المتعاملين سريعًا من القرار نفسه إلى الرسائل التي بعث بها الفيدرالي بشأن مستقبل السياسة النقدية، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في حركة المعدن الأصفر خلال الأشهر المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه الذهب التحرك داخل نطاقات سعرية حساسة، مدعومًا من جانب بالتوترات الجيوسياسية ومشتريات البنوك المركزية، بينما يواجه في المقابل ضغوطًا ناتجة عن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية. وبين هذين الاتجاهين، يرى محللون أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الذهب سيستأنف موجة الصعود أم سيدخل مرحلة جديدة من التصحيح.
تثبيت الفائدة.. القرار كان متوقعًا لكن التأثير لم يُحسم بعد
قال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب»، إن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة عند 3.50% إلى 3.75% خلال اجتماعه اليوم جاء متوافقًا مع توقعات الأسواق، موضحًا أن التأثير الحقيقي للقرار على أسعار الذهب لا يرتبط بقرار التثبيت ذاته، وإنما بالرسائل التي حملها الفيدرالي بشأن مسار السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن الأسواق كانت قد استوعبت بالفعل سيناريو تثبيت الفائدة، ولذلك فإن رد الفعل المقبل سيتوقف على مدى اقتناع المستثمرين باقتراب دورة خفض الفائدة أو استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
الفيدرالي يوازن بين التضخم والنمو
وأشار مدير «مرصد الذهب» إلى أن تثبيت أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي يعكس استمرار حالة الانتظار داخل البنك المركزي الأمريكي، في ظل محاولته تحقيق توازن دقيق بين استمرار الضغوط التضخمية من ناحية، والحفاظ على قوة سوق العمل والنشاط الاقتصادي من ناحية أخرى.
وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب استمرار التوترات الجيوسياسية، يزيدان من تعقيد المشهد الاقتصادي، ويضعان الفيدرالي أمام تحديات إضافية عند اتخاذ قراراته خلال الاجتماعات المقبلة.
الدولار وعوائد السندات.. كلمة السر في حركة الذهب
وأكد فاروق أن الذهب أصبح أكثر حساسية خلال المرحلة الحالية لتحركات الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة، موضحًا أن أي إشارات من الفيدرالي تدفع الأسواق إلى زيادة توقعاتها بخفض أسعار الفائدة مستقبلًا قد تؤدي إلى تراجع الدولار وانخفاض العوائد، وهو ما يمنح الذهب فرصة لاستعادة زخمه والصعود إلى مستويات أعلى.
وفي المقابل، فإن تبني الفيدرالي لهجة أكثر تشددًا، مع الإبقاء على احتمالات رفع أسعار الفائدة أو تأجيل خفضها لفترة أطول، سيؤدي إلى تعزيز قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات، وهو ما يمثل عامل ضغط مباشر على أسعار الذهب.
هل يصمد الذهب قرب مستوى 4 آلاف دولار للأوقية؟
وحذر مدير «مرصد الذهب» من أن استمرار السياسة النقدية المتشددة قد يضع المعدن الأصفر تحت ضغوط إضافية، خاصة مع اقتراب أسعاره من مستوى 4 آلاف دولار للأوقية، وهو المستوى الذي يعتبره المستثمرون نقطة فنية ونفسية مهمة.
وأوضح أن قدرة الذهب على الحفاظ على هذا المستوى ستحدد إلى حد كبير اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة، إذ إن تجاوز الضغوط الناتجة عن قوة الدولار وارتفاع العوائد قد يعيد الزخم الصعودي للمعدن، بينما قد يؤدي استمرار التشدد النقدي إلى دخول السوق في مرحلة تصحيح وإعادة اختبار مستويات دعم جديدة.
الأنظار تتجه إلى بيانات الاقتصاد الأمريكي
وأكد فاروق أن قرار الفيدرالي لا يمثل نقطة تحول نهائية في اتجاه الذهب، موضحًا أن الأسواق ستنقل تركيزها خلال الفترة المقبلة إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المهمة، في مقدمتها بيانات التضخم وسوق العمل في الولايات المتحدة، إلى جانب تطورات أسعار النفط، باعتبارها العوامل الأكثر تأثيرًا في قرار الفيدرالي خلال اجتماعه المقبل في سبتمبر.
ويرى محللون أن هذه البيانات ستكون بمثابة البوصلة التي ستحدد ما إذا كان البنك المركزي الأمريكي سيبدأ في تهيئة الأسواق لخفض الفائدة، أم سيواصل نهجه المتشدد لفترة أطول.
عوامل الدعم طويلة الأجل لا تزال قائمة
ورغم الضغوط قصيرة الأجل، شدد مدير «مرصد الذهب» على أن الذهب لا يزال يستند إلى مجموعة من العوامل الأساسية الداعمة على المدى الطويل، أبرزها استمرار التوترات الجيوسياسية، وارتفاع مشتريات البنوك المركزية من المعدن النفيس، في إطار تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار.
وأضاف أن هذه العوامل تمنح الذهب قاعدة دعم قوية، إلا أن حركته في الأجل القصير ستظل مرتبطة بصورة وثيقة بمسار السياسة النقدية الأمريكية، واتجاه الدولار، وعوائد سندات الخزانة.





