
الذهب اليوم في مصر والعالم.. هل يقود تضخم أمريكا الأسعار لاختراق 5900 جنيه أم يعيدها إلى مسار الهبوط؟
يشهد سوق الذهب حالة من الترقب الحذر مع دخول الأسواق العالمية مرحلة مفصلية قبل صدور بيانات التضخم الأمريكية، التي ينظر إليها المستثمرون باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة. وبينما يحاول الذهب العالمي الحفاظ على التداول فوق المستوى النفسي البالغ 4000 دولار للأونصة، يجد السوق المصري دعماً إضافياً من استمرار ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه، ما يقلص تأثير الضغوط الخارجية ويمنح الأسعار المحلية قدراً من التماسك.
وتعكس تحركات الذهب الحالية تشابك مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، تشمل توقعات أسعار الفائدة الأمريكية، وتحركات عوائد السندات، والتوترات في الشرق الأوسط، إضافة إلى تغيرات سوق الصرف المحلي وتدفقات الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يجعل الفترة الحالية من أكثر الفترات حساسية بالنسبة للمستثمرين والمتعاملين في سوق المعدن النفيس.
الذهب المحلي يستعيد توازنه بدعم الدولار والطلب الداخلي
بحسب تحليل صادر عن منصة “جولد بيليون”، عاد الذهب إلى الارتفاع خلال تعاملات الثلاثاء بعد موجة خسائر قوية سجلها في الجلسة السابقة، مستفيدًا من تعافي الأسعار العالمية واستمرار صعود سعر الدولار أمام الجنيه.
وافتتح الذهب عيار 21، الأكثر تداولًا في السوق المصرية، التعاملات عند مستوى 5850 جنيهًا للجرام، قبل أن يتداول قرب 5840 جنيهًا وقت إعداد التقرير، مقارنة مع إغلاق سابق عند 5815 جنيهًا.
ويرى التحليل أن الذهب المحلي نجح في الحفاظ على التداول أعلى مستوى 5800 جنيه للجرام، وهو ما يعزز فرص تكوين قاعدة سعرية جديدة قد تسمح باستعادة الاتجاه الصاعد واستهداف مستوى المقاومة الرئيسي عند 5900 جنيه للجرام خلال الفترة المقبلة.
ارتفاع الدولار يعوض تأثير تراجع الذهب العالمي
أحد أبرز العوامل التي دعمت السوق المحلية تمثل في استمرار ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه داخل البنوك، حيث صعد إلى نحو 50.80 جنيه للدولار، بزيادة تجاوزت 1% خلال تعاملات الثلاثاء.
ويأتي هذا الارتفاع مدفوعًا باستمرار التوترات الجيوسياسية المرتبطة بتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي التطورات التي انعكست على حركة أسواق المال والعملات عالميًا.
وفي الوقت نفسه، شهدت سوق الدين المصرية عمليات بيع وتخارج من المستثمرين العرب والأجانب، أدت إلى خروج استثمارات قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) بقيمة 893 مليون دولار خلال جلسة الاثنين، لتنتهي بذلك فترة من التدفقات الإيجابية التي ساعدت سابقًا على تراجع الدولار إلى أقل من مستوى 50 جنيهًا.
وتشير “جولد بيليون” إلى أن استمرار الطلب المحلي من جانب المستهلكين والمستثمرين للاستفادة من انخفاض الأسعار أدى إلى ارتفاع العلاوة السعرية، وهي الفارق بين السعر المحلي والسعر العادل للذهب، بما ساهم في تقليص تأثير الضغوط الناتجة عن تراجع الأسعار العالمية وتحقيق قدر من التوازن في آلية تسعير الذهب داخل السوق المصرية.
الذهب العالمي يتمسك بمستوى 4000 دولار وسط ضغوط قوية
على المستوى العالمي، ارتفعت أونصة الذهب بنحو 0.5% خلال تعاملات الثلاثاء لتسجل أعلى مستوى عند 4034 دولارًا، بعدما افتتحت التداولات عند 4001 دولار، بينما جرى تداولها قرب 4018 دولارًا وقت إعداد التقرير، وذلك بعد أن هبطت في الجلسة السابقة إلى 3983 دولارًا، وهو أدنى مستوى لها خلال أسبوعين.
ورغم هذا التعافي، لا تزال الضغوط البيعية قائمة، إذ يحافظ الذهب بصعوبة على التداول أعلى المستوى النفسي البالغ 4000 دولار للأونصة، وهو مستوى تعتبره الأسواق نقطة فاصلة في تحديد الاتجاه القادم للأسعار.
وكان المعدن الأصفر قد سجل أكبر خسارة يومية في أكثر من شهر خلال الجلسة السابقة، متراجعًا بنحو 3%، بعدما أدت المواجهات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران إلى ارتفاع أسعار النفط لأعلى مستوياتها في شهر، الأمر الذي زاد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية ودفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى الصعود.
توقعات الفائدة الأمريكية تضغط على المعدن النفيس
تزامن ارتفاع أسعار النفط مع صعود العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى في شهرين، بينما بلغ العائد على السندات لأجل عامين أعلى مستوياته منذ سبتمبر الماضي، في الوقت الذي استقر فيه الدولار الأمريكي قرب أعلى مستوياته.
وتوضح “جولد بيليون” أن الأسواق رفعت احتمالات قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل إلى 76%، مقارنة مع 57% قبل أسبوع فقط، وهو ما يزيد الضغوط على الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، ويتراجع عادة في بيئة الفائدة المرتفعة.
وتتجه أنظار المستثمرين لاحقًا إلى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي، باعتبارها المؤشر الرئيسي لقياس التضخم، إلى جانب الجزء الأول من شهادة رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش أمام اللجنة الاقتصادية في الكونجرس، بحثًا عن إشارات جديدة بشأن مستقبل السياسة النقدية.
كما عززت تصريحات عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي كريستوفر والر من هذه التوقعات، بعدما أشار إلى أن البنك المركزي قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة “على المدى القريب” إذا استمرت معدلات التضخم أعلى المستوى المستهدف البالغ 2%.
قراءة فنية.. مستويات حاسمة تحدد الاتجاه المقبل
من الناحية الفنية، ترى “جولد بيليون” أن الذهب العالمي لا يزال يتحرك فوق مستوى 4000 دولار للأونصة، إلا أن استمرار الضغوط السلبية يجعل هذا المستوى محورًا رئيسيًا لحركة الأسعار.
وفي حال كسر مستوى 4000 دولار، فقد تمتد موجة الهبوط إلى 3950 دولارًا، ثم 3900 دولار للأونصة.
أما بالنسبة للسوق المصرية، فيتوقع التحليل استمرار تحرك الذهب عيار 21 أعلى مستوى 5800 جنيه للجرام، مع محاولة تكوين قاعدة سعرية جديدة تدعم استئناف الاتجاه الصاعد واستهداف مستوى المقاومة المهم عند 5900 جنيه خلال الفترة المقبلة.
قراءة مستقبلية
تدخل أسواق الذهب مرحلة حاسمة قد تعيد رسم اتجاهاتها خلال الفترة المقبلة، إذ ستحدد بيانات التضخم الأمريكية وما يليها من قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي مستقبل أسعار المعدن النفيس عالميًا. وفي المقابل، سيظل السوق المصري أكثر ارتباطًا بحركة سعر الدولار المحلي ومستوى الطلب الداخلي، ما يعني أن أي تغير في أحد هذين العاملين قد ينعكس سريعًا على الأسعار، سواء بدفعها لاختراق مستوى 5900 جنيه للجرام أو العودة إلى موجة تصحيح جديدة إذا تعرض الذهب العالمي لضغوط إضافية.





