
تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يرفع أسعار النفط.. ومخاوف من إغلاق مضيق هرمز تعيد سيناريو الـ100 دولار
عادت أسواق الطاقة العالمية إلى دائرة الترقب والحذر بعد تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في تطور أعاد “علاوة المخاطر الجيوسياسية” إلى أسعار النفط، وأثار مخاوف المستثمرين من اضطراب الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم. وبينما تتضارب التصريحات بشأن وضع الملاحة في المضيق، يراقب المتعاملون عن كثب تطورات المشهد العسكري، وسط تحذيرات من أن أي اتساع للصراع قد يدفع أسعار الخام إلى مستويات غير مسبوقة منذ أشهر، مع تداعيات مباشرة على التضخم والاقتصاد العالمي.
النفط يقفز مع عودة المخاطر الجيوسياسية
ارتفعت أسعار النفط خلال تعاملات الإثنين بعدما شنت الولايات المتحدة موجة جديدة من الهجمات ضد أهداف إيرانية، في وقت تصاعدت فيه المخاوف من تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، رغم تضارب التصريحات بشأن استمرار فتحه أمام السفن.
واقترب سعر خام برنت القياسي العالمي في بداية التعاملات من مستوى 80 دولارًا للبرميل، قبل أن يقلص جزءًا من مكاسبه، بينما جرى تداول خام غرب تكساس الوسيط قرب مستوى 73 دولارًا للبرميل، في انعكاس مباشر لحالة القلق التي تسيطر على الأسواق العالمية.
ضربات أمريكية ورسائل إيرانية متناقضة بشأن المضيق
وشنت الولايات المتحدة، الأحد، عشرات الضربات العسكرية التي استهدفت تقويض قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية والعسكرية العابرة لمضيق هرمز، في خطوة تعكس تصاعد المواجهة بين البلدين.
وفي المقابل، أعلنت طهران أن مضيق هرمز سيظل مغلقًا “حتى إشعار آخر”، إلا أن القوات البحرية الغربية أكدت استمرار فتح الممر الملاحي أمام حركة السفن، وهو ما أبقى حالة الغموض مسيطرة على الأسواق، ودفع المستثمرين إلى تسعير مخاطر إضافية في سوق النفط.
جهود دبلوماسية مستمرة رغم دخول التهدئة مرحلة الأزمة
ورغم التصعيد العسكري، كشفت إيران، الإثنين، أن الاتصالات الرامية إلى خفض التوتر لا تزال مستمرة، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن اتفاق السلام المؤقت مع الولايات المتحدة “دخل مرحلة أزمة بلا شك”، في إشارة إلى تراجع فرص احتواء الأزمة سريعًا.
وفي موازاة ذلك، وسعت إيران نطاق عملياتها العسكرية باستهداف حلفاء الولايات المتحدة في عدد من مناطق الشرق الأوسط، بينما أعلنت الكويت تعرض إحدى منصات الحفر البحرية لهجوم أدى إلى إلحاق أضرار بها، في أول استهداف مباشر للبنية التحتية النفطية منذ أسابيع، وهو تطور يزيد المخاوف من انتقال الصراع إلى منشآت الطاقة الحيوية.
عودة “علاوة الحرب” إلى أسعار الخام
وأعاد تجدد التوترات إدراج ما يعرف بـ”علاوة الحرب” في أسعار النفط، بعدما كانت الأسواق قد تخلصت تدريجيًا منها خلال شهري مايو ويونيو، إثر التوصل إلى اتفاق سلام مؤقت بين واشنطن وطهران، والذي فتح الباب أمام توقعات بزيادة الإمدادات النفطية واستقرار الأسواق.
لكن عودة التصعيد العسكري دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر، خاصة في ظل أهمية مضيق هرمز الذي تمر عبره كميات ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية يوميًا، ما يجعل أي تهديد لحركة الملاحة فيه عاملًا مؤثرًا بشكل مباشر على الأسعار العالمية.
وكالة الطاقة الدولية تحذر من تداعيات الأزمة
وحذرت وكالة الطاقة الدولية، الجمعة، من أن استمرار التصعيد قد يعرقل الجهود العالمية لإعادة بناء المخزونات النفطية، مؤكدة أن أي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات ستكون له انعكاسات واسعة على الاقتصاد العالمي، في ظل استمرار حساسية الأسواق تجاه المخاطر الجيوسياسية.
كما أشار محللو بنك “آي إن جي” بقيادة وارن باترسون إلى أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال اتساع نطاق الحرب ليشمل استهداف الدول المجاورة ومنشآت الطاقة الإقليمية، وهو السيناريو الذي قد يغير بصورة كبيرة خريطة الإمدادات العالمية.
تراجع حركة السفن.. لكن الملاحة مستمرة
وأظهرت بيانات الملاحة انخفاض حركة المرور عبر مضيق هرمز خلال يوم الأحد والساعات الأولى من الإثنين، إلا أنه لم يتأكد عدد السفن التي عبرت الممر دون تشغيل أنظمة التتبع عبر الأقمار الصناعية، وهي ممارسة سبق استخدامها خلال فترات التوتر السابقة.
ورغم ذلك، أكد مركز المعلومات البحرية المشترك، المسؤول عن تنسيق حركة الملاحة بين القوات البحرية الغربية والسفن التجارية، أن مسار الشحن الجنوبي الذي تنسقه سلطنة عمان لا يزال مفتوحًا ويعمل بصورة طبيعية، وهو ما ساهم في الحد من موجة الصعود الحادة في أسعار النفط.
الغاز الأوروبي يتأثر بدوره
وامتدت تداعيات التصعيد إلى أسواق الغاز الطبيعي الأوروبية، حيث ارتفعت العقود الآجلة بنسبة وصلت إلى 4.3%، بعدما سجلت مكاسب تقارب 8% خلال الأسبوع الماضي، وسط مخاوف من أن يؤدي أي اضطراب في الملاحة إلى التأثير على شحنات الطاقة المتجهة إلى الأسواق الأوروبية.
سيناريو الـ100 دولار يعود إلى الواجهة
ويرى محللون أن أخطر السيناريوهات يتمثل في انتقال الهجمات إلى منشآت إنتاج وتصدير النفط في المنطقة، وليس الاكتفاء بتهديد خطوط الملاحة.
وأوضح سول كافونيك، كبير محللي الطاقة لدى “إم إس تي ماركيه” (MST Marquee)، أن استهداف منصة الحفر الكويتية يمثل أول هجوم مباشر على بنية تحتية نفطية منذ أسابيع، محذرًا من أنه إذا توسع الصراع ليشمل منشآت الطاقة في المنطقة، فقد تقفز أسعار النفط إلى مستوى 100 دولار للبرميل.
أحدث الأسعار في الأسواق العالمية
وبحسب أحدث التداولات، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم سبتمبر بنسبة 1.9% لتصل إلى 77.48 دولارًا للبرميل عند الساعة 10:17 صباحًا بتوقيت لندن، بينما صعدت العقود المستقبلية لخام غرب تكساس الوسيط تسليم أغسطس بنسبة 2% لتسجل 72.73 دولارًا للبرميل.
قراءة مستقبلية
تبقى الأسواق العالمية رهينة لمسار التصعيد العسكري خلال الأيام المقبلة، إذ إن استمرار الضربات أو اتساع نطاقها ليشمل منشآت إنتاج وتصدير النفط قد يعيد رسم خريطة أسواق الطاقة العالمية، ويرفع تكلفة الإمدادات ويزيد الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة. وفي المقابل، فإن نجاح المساعي الدبلوماسية في احتواء الأزمة قد يحد من موجة الارتفاع الحالية ويعيد التركيز إلى أساسيات العرض والطلب. وحتى تتضح الصورة، ستظل أسعار النفط شديدة الحساسية لأي تطور ميداني أو سياسي في منطقة الخليج.





