
من تجارة الطاقة والعقارات إلى رئاسة طرابزون.. رحلة صعود رجل الأعمال الذي غيّر معادلة النادي
رئيس طرابزون يرى أن محمد صلاح حجر الأساس في مشروع يتجاوز حدود المستطيل الأخضر
الإدارة الجديدة تراهن على «الملك المصري» لرفع القيمة التسويقية وجذب الرعاة والجماهير
دوغان أعاد ترتيب البيت المالي قبل تنفيذ واحدة من أكبر صفقات الكرة التركية
مشروع طويل الأجل يستهدف كسر هيمنة أندية إسطنبول واستعادة الحضور الأوروبي
صفقة محمد صلاح ليست النهاية.. بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ طرابزون سبور
–
هناك صفقات تغيّر فريقًا… وأخرى تغيّر تاريخ نادٍ بأكمله
لم يكن أرطغرل دوغان يبحث عن صفقة جماهيرية عابرة عندما تحرك للتعاقد مع محمد صلاح، بل كان يبحث عن اللاعب القادر على إعادة تعريف مشروع طرابزون سبور أمام العالم.
وبالنسبة لرئيس النادي التركي، لم يكن قائد منتخب مصر مجرد هداف صنع أمجاد ليفربول والدوري الإنجليزي، وإنما علامة رياضية وتجارية عالمية، يمكن أن تتحول إلى نقطة الانطلاق في مشروع يسعى إلى نقل طرابزون من منافس محلي إلى نادٍ يمتلك حضورًا أوروبيًا وتأثيرًا اقتصاديًا يتجاوز حدود تركيا.
لهذا، لم يكن الاحتفاء بمحمد صلاح في مطار إسطنبول، ثم تخصيص حفل جماهيري لتقديمه في ملعب «بابارا بارك»، مجرد احتفال بصفقة جديدة، بل إعلانًا رسميًا عن بداية مرحلة يريد دوغان أن يكتب بها فصلًا مختلفًا في تاريخ النادي.
من هو أرطغرل دوغان؟
ولد أرطغرل دوغان في مدينة طرابزون عام 1977، وتخرج في كلية إدارة الأعمال بجامعة البحر الأسود التقنية، قبل أن يبدأ رحلته في عالم الأعمال عام 2000 عبر شركة متخصصة في الوقود والزيوت، ثم توسع لاحقًا في قطاعات الطاقة والعقارات والاستثمار، ليتحول إلى أحد أبرز رجال الأعمال في منطقة البحر الأسود. كما تولى رئاسة مجلس إدارة شركة Oltan & Köleoğlu Enerji، وشغل مناصب في غرفة تجارة وصناعة طرابزون وجمعيات رجال الأعمال بالمدينة.
لكن النجاح في عالم المال لم يكن نهاية طموحه، بل بداية الطريق نحو المجال الذي يحظى بأكبر شغف في المدينة… كرة القدم.
من نائب للرئيس إلى مهندس المشروع
دخل دوغان مجلس إدارة طرابزون سبور عام 2018 نائبًا للرئيس، قبل أن يتولى رئاسة النادي في مارس 2023، ثم يجدد أعضاء الجمعية العمومية ثقتهم فيه خلال الانتخابات اللاحقة. وخلال هذه الفترة، تبنى رؤية مختلفة تقوم على إعادة بناء النادي ماليًا وإداريًا بالتوازي مع تطوير الفريق الأول.
فالرجل لا يؤمن بالحلول المؤقتة، ولا يعتبر التعاقد مع النجوم غاية في حد ذاته، بل وسيلة لبناء مؤسسة أكثر قوة واستدامة.
لماذا كان محمد صلاح؟
في كرة القدم الحديثة، لا تُقاس قيمة اللاعب بعدد أهدافه فقط، بل بحجم تأثيره خارج الملعب.
وهنا وجد دوغان ضالته في محمد صلاح.
فالنجم المصري لا يحمل فقط سجلًا استثنائيًا من الإنجازات، بل يمتلك قاعدة جماهيرية تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، وهو ما يمنح أي نادٍ يتعاقد معه فرصة للوصول إلى أسواق جديدة، وزيادة حضوره الإعلامي، وتعزيز قوته التجارية.
ومن هذا المنطلق، تعامل رئيس طرابزون مع الصفقة باعتبارها استثمارًا متعدد الأبعاد، ينعكس على مبيعات القمصان، والرعاة، وحقوق البث، والتفاعل الرقمي، والقيمة السوقية للنادي، وليس مجرد إضافة فنية داخل الملعب.
رئيس يفكر بعقلية المستثمر
من يتابع تصريحات أرطغرل دوغان يدرك أنه يتحدث عن كرة القدم بلغة مختلفة.
فهو يربط بين النجاح الرياضي والاستقرار المالي، ويرى أن النادي القادر على المنافسة لسنوات هو النادي الذي يحقق التوازن بين الإنفاق والإيرادات، ويصنع قيمة تجارية لعلامته، بدلًا من الاعتماد على الصفقات قصيرة الأجل.
ولهذا جاء التحرك نحو محمد صلاح بعد مرحلة عملت فيها الإدارة على إعادة ترتيب الملفات المالية والإدارية، حتى تصبح قادرة على الدخول في صفقات من العيار الثقيل دون الإخلال باستقرار النادي.
أكثر من صفقة… إعلان عن مشروع جديد
اختيار ملعب «بابارا بارك» لاستضافة حفل تقديم محمد صلاح لم يكن قرارًا بروتوكوليًا.
فالملعب الذي شهد أبرز لحظات النادي، سيصبح أيضًا شاهدًا على إطلاق مشروع جديد يريد دوغان أن يشارك جماهير طرابزون في أول فصوله.
ولهذا دعا الجماهير إلى ارتداء القميص الجديد والحضور بكثافة، في رسالة تؤكد أن النادي لا يقدم لاعبًا جديدًا فقط، بل يعلن ميلاد مرحلة مختلفة، يكون فيها محمد صلاح الوجه الأبرز للمشروع.
كسر احتكار الكبار
على مدار عقود، احتكرت أندية جالطة سراي وفنربخشة وبشكتاش الجزء الأكبر من الأضواء في الكرة التركية. لكن دوغان يريد تغيير هذه المعادلة.
هدفه لا يقتصر على المنافسة على لقب الدوري، بل يتمثل في إعادة طرابزون إلى دائرة التأثير الأوروبي، وبناء نادٍ يستطيع جذب النجوم والرعاة والجماهير، دون أن يفقد هويته أو استقراره المالي.
ولهذا تبدو صفقة محمد صلاح بالنسبة إليه بداية طريق، وليست محطته الأخيرة.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
إقناع محمد صلاح بالانضمام إلى طرابزون سبور كان انتصارًا كبيرًا في سوق الانتقالات، لكنه ليس التحدي الأصعب أمام أرطغرل دوغان.
فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد التقاط الصور ورفع القميص أمام الجماهير.
هل يستطيع تحويل الشعبية العالمية للنجم المصري إلى قوة اقتصادية مستدامة؟ وهل ينجح في ترجمة هذا الزخم الجماهيري إلى بطولات وحضور أوروبي؟
الإجابة ستحدد ما إذا كان التاريخ سيتذكر أرطغرل دوغان باعتباره الرئيس الذي أبرم صفقة محمد صلاح، أم الرجل الذي غيّر هوية طرابزون سبور بأكملها، وجعل من النادي مشروعًا عالميًا لا مجرد منافس في الدوري التركي.





