جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

فنجان القهوة يدفع فاتورة الحروب.. كيف أشعل مضيق هرمز أسعار البن في مصر؟

 

لم يعد فنجان القهوة الذي يبدأ به ملايين المصريين يومهم بعيدًا عن نيران الصراعات الدولية. فالهزة التي تصيب طرق الملاحة وأسواق الطاقة على بُعد آلاف الكيلومترات قد تجد طريقها في النهاية إلى عبوة البن على رف المتجر، أو إلى قائمة الأسعار داخل المقاهي.

- Advertisement -

وخلال الأسابيع الأخيرة، عادت أسعار القهوة العالمية إلى الصعود بقوة، مسجلة زيادة شهرية دارت حول 15%، وسط ضغوط متزامنة من اضطرابات الطقس في الدول المنتجة، وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بحركة الملاحة في الشرق الأوسط. وأظهرت بيانات سوق العقود المتتبعة لسعر البن ارتفاعًا شهريًا تجاوز 16% في أواخر يوليو، بعد موجة تقلبات حادة شهدتها السلعة منذ بداية العام.

ورغم أن البن القادم من البرازيل أو فيتنام لا يمر بالضرورة عبر مضيق هرمز، فإن أي اضطراب في أحد أهم شرايين الطاقة عالميًا يرفع تكلفة تشغيل السفن والتأمين والوقود، وينتقل أثره تدريجيًا إلى أسعار السلع الغذائية المتداولة عبر البحار.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم بالنسبة إلى السوق المصرية: هل تظل القهوة بمنأى عن الأزمة، أم يبدأ المستهلك قريبًا في دفع فاتورة الحرب داخل فنجانه اليومي؟

لماذا عادت أسعار البن إلى الاشتعال؟

لا يمكن تفسير ارتفاع البن بعامل واحد. فالسوق العالمية دخلت الأزمة الأخيرة وهي تعاني أصلًا من اختلالات متراكمة في الإنتاج والمخزون.

وتوضح منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن الظروف المناخية غير المواتية في الدول الرئيسية المنتجة دفعت أسعار القهوة إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، مع تعرض المحاصيل للجفاف والحرارة والأمطار غير المنتظمة، وارتفاع تكاليف العمالة والأسمدة والطاقة. كما حذرت المنظمة من احتمال استمرار الضغوط إذا تعرضت مناطق الزراعة الرئيسية لمزيد من الانخفاض في الإنتاج.

فالبن محصول شديد الحساسية للطقس، ولا يمكن زيادة إنتاجه سريعًا مثل بعض السلع الزراعية الموسمية. وتحتاج أشجار القهوة إلى سنوات حتى تدخل مرحلة الإنتاج الكامل، ما يجعل الاستجابة لأي نقص في المعروض بطيئة ومكلفة.

وجاءت التوترات الجيوسياسية لتضيف طبقة جديدة من الضغوط إلى سوق لم تستعد توازنها بالكامل بعد.

ما علاقة مضيق هرمز بسعر القهوة؟

العلاقة ليست مباشرة، لكنها قوية اقتصاديًا.

يمر عبر مضيق هرمز جزء بالغ الأهمية من إمدادات النفط العالمية، ولذلك ينعكس أي تعطل أو تهديد للملاحة سريعًا على أسعار الطاقة، وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وتكلفة تشغيل السفن.

وقد أكدت «الأونكتاد» أن اضطرابات المضيق تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل، بما في ذلك وقود السفن وأسعار الشحن وأقساط التأمين، وهو ما قد يرفع أسعار الغذاء ويزيد الضغوط المعيشية في الدول المستوردة.

وشهدت المنطقة خلال الفترة الأخيرة اضطرابات في حركة بعض السفن وتصاعدًا للمخاطر المرتبطة بالعبور، بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة المخاوف بشأن أمن الإمدادات.

ولا يشترط حتى أن تمر شحنة البن نفسها عبر المضيق حتى تتأثر؛ فارتفاع الوقود البحري يعيد تسعير الرحلات عالميًا، كما أن انخفاض عدد السفن المتاحة أو تغيير المسارات يخلق ازدحامًا في موانئ أخرى ويرفع مدة الرحلة وكلفتها.

وبعبارة أبسط، لا يصل تأثير هرمز إلى القهوة لأن حبوب البن تعبره بالضرورة، بل لأن السفن والطاقة والتأمين تعمل داخل سوق عالمية واحدة.

البرازيل وفيتنام.. السوق في قبضة عدد محدود من المنتجين

تزداد هشاشة سوق البن بسبب التركّز الكبير للإنتاج في عدد محدود من الدول.

وتعد البرازيل وفيتنام وكولومبيا أكبر المنتجين عالميًا، فيما تمثل البرازيل وفيتنام معًا نسبة تقترب من نصف الإنتاج العالمي، ما يجعل أي تغير في محصول الدولتين قادرًا على دفع الأسعار صعودًا أو هبوطًا بسرعة.

فإذا تعرضت البرازيل لموجة جفاف أو صقيع، أو شهدت فيتنام أمطارًا غزيرة أو تراجعًا في الإنتاج، تصبح قدرة الدول الأخرى على تعويض النقص محدودة، خصوصًا في ظل اختلاف أنواع البن وجودته واستخداماته.

وتعني هذه التركيبة أن السوق لا تواجه فقط خطر الحرب أو الشحن، بل تتعامل مع مزيج معقد من مخاطر المناخ والإنتاج والطاقة والخدمات اللوجستية.

مصر تستهلك نحو 31 ألف طن سنويًا

تكتسب التطورات العالمية أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي لا تنتج البن تجاريًا على نطاق يلبي احتياجات السوق، وتعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، ثم تتولى المصانع والمحمصات المحلية عمليات التحميص والطحن والتعبئة.

وبحسب تقديرات بيانات الطلب المتاحة، بلغ استهلاك مصر من القهوة نحو 31 ألف طن في 2023، مع توقعات بارتفاعه تدريجيًا إلى قرابة 33 ألف طن بحلول 2028، مدفوعًا بالنمو السكاني وانتشار المقاهي الحديثة وتوسع ثقافة القهوة المتخصصة إلى جانب القهوة التركية التقليدية. وهذه تقديرات سوقية وليست رقمًا رسميًا نهائيًا صادرًا عن جهة مصرية.

ويكشف حجم الاستهلاك أن البن لم يعد منتجًا هامشيًا داخل الأسواق المصرية؛ فهو حاضر في المنازل والمكاتب والمقاهي الشعبية وسلاسل الكافيهات، كما ارتبط بعادات اجتماعية ويومية تجعل الطلب عليه أكثر تماسكًا من كثير من السلع غير الأساسية.

متى تظهر الزيادة على أسعار البن في مصر؟

لا تنتقل القفزة العالمية إلى السوق المحلية في اليوم التالي مباشرة، لأن الشركات والمستوردين يعملون وفق دورات شراء ومخزونات وعقود مبرمة مسبقًا.

ويعتمد توقيت انتقال الزيادة إلى المستهلك على مجموعة من العوامل، أبرزها:

أولًا: حجم المخزون المحلي. فكلما امتلك المستوردون والمحمصون مخزونًا تم شراؤه بأسعار سابقة، تأخر أثر الزيادة العالمية.

ثانيًا: سعر الدولار أمام الجنيه. لأن البن سلعة مستوردة، وبالتالي قد يؤدي استقرار سعر الصرف إلى تخفيف جانب من الصدمة، بينما يضاعف ارتفاع الدولار تأثير السعر العالمي.

ثالثًا: تكاليف الشحن والتأمين. وهي القناة الأكثر ارتباطًا بتطورات مضيق هرمز والبحر الأحمر.

رابعًا: قدرة الشركات على امتصاص التكلفة. فالشركات الكبرى قد تتحمل جزءًا من الزيادة مؤقتًا، بينما تكون المحمصات الصغيرة والمقاهي المستقلة أقل قدرة على ذلك.

وعادة لا تنتقل الزيادة في صورة قرار واحد شامل، وإنما تظهر تدريجيًا عبر إعادة تسعير العبوات، أو تقليل الخصومات، أو تغيير أوزان المنتجات، أو رفع أسعار المشروبات في المقاهي.

المحمصات والمقاهي أمام معادلة صعبة

تمثل القهوة المادة الخام الرئيسية بالنسبة إلى آلاف المحمصات والمقاهي، لكن سعر الحبوب ليس التكلفة الوحيدة.

فالمشروعات العاملة في القطاع تتحمل أيضًا تكلفة الغاز أو الكهرباء المستخدمة في التحميص، والتعبئة والنقل والإيجارات والأجور. ولذلك، فإن اجتماع ارتفاع البن الخام مع صعود الطاقة والشحن يضغط على هامش الربح من أكثر من اتجاه.

وقد تلجأ بعض المنشآت إلى تأجيل الزيادة حفاظًا على قاعدة العملاء، لكن استمرار الأزمة لفترة طويلة يجعل امتصاص التكلفة أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة إلى المقاهي التي تعتمد على أنواع مستوردة مرتفعة الجودة.

هل يتحمل مزاج المصريين موجة غلاء جديدة؟

القهوة في مصر ليست مجرد مشروب ساخن؛ فهي طقس يومي ورفيق للعمل والمذاكرة واللقاءات الاجتماعية. ولذلك فإن ارتفاع سعرها يمس شريحة واسعة من المستهلكين، حتى إن ظل متوسط استهلاك الفرد أقل من الأسواق الأوروبية.

وقد يدفع الغلاء بعض المستهلكين إلى تقليل الكميات، أو الانتقال إلى خلطات أقل تكلفة، أو زيادة الاعتماد على التحضير المنزلي بدلًا من الشراء من المقاهي، بينما قد تلجأ الشركات إلى تقديم عبوات أصغر للحفاظ على سعر بيع مناسب.

لكن طبيعة الطلب المرتبطة بالعادات تجعل التراجع المحتمل في الاستهلاك محدودًا نسبيًا، ما يمنح الشركات مساحة لتمرير جانب من الزيادة إذا استمرت الضغوط العالمية.

هل يواصل البن الصعود؟

سيتحدد اتجاه الأسعار خلال الأشهر المقبلة وفق ثلاثة ملفات رئيسية: تطورات المواجهة في الشرق الأوسط، وحركة الملاحة وتكاليف الطاقة، وتوقعات المحاصيل في البرازيل وفيتنام.

وقد يؤدي هدوء التوترات واستقرار الشحن وتحسن المحاصيل إلى تخفيف الأسعار تدريجيًا. أما استمرار المخاطر الجيوسياسية بالتزامن مع اضطرابات الطقس، فقد يبقي البن ضمن أكثر السلع الزراعية تقلبًا.

وتشير التحليلات المتخصصة إلى أن صراع الشرق الأوسط لا يحدد وحده السعر الأساسي للبن، لكنه يرفع تكاليف التحميص والنقل والأسمدة، ويضع ضغوطًا أكبر على التجار والمحمصين، خصوصًا الكيانات الصغيرة ذات القدرة المحدودة على التحوط.

فنجان يكشف ترابط الاقتصاد العالمي

تكشف أزمة البن كيف أصبحت أبسط العادات اليومية مرتبطة بخريطة معقدة من المناخ والطاقة والسياسة والتجارة.

فالجفاف في البرازيل، أو تراجع الإنتاج في فيتنام، أو زيادة أقساط التأمين قرب مضيق هرمز، أو تحرك الدولار في مصر، أحداث تبدو متباعدة، لكنها تجتمع في النهاية داخل فنجان واحد.

ولذلك، لا يعني ارتفاع الأسعار العالمية أن البن في مصر سيقفز بالنسبة نفسها وفورًا، لكنه يضع السوق تحت ضغط حقيقي، ويجعل استقرار الأسعار مرهونًا بالمخزون وسعر الصرف وقدرة الشركات على تحمل التكلفة.

ويبقى السؤال الذي ينتظر المصريون إجابته خلال الفترة المقبلة: هل تنجح السوق في امتصاص الصدمة، أم يصبح الحفاظ على المزاج اليومي أكثر تكلفة؟