جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

خالد بركات يكتب: البنوك المصرية أمام لحظة فارقة.. الذكاء الاصطناعي سيعيد رسم خريطة المنافسة المصرفية

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تتسابق البنوك إلى تجربتها، بل أصبح العامل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل مستقبل الصناعة المصرفية. والسؤال اليوم لم يعد: هل تستثمر البنوك في الذكاء الاصطناعي؟ وإنما: هل تستطيع الحفاظ على قدرتها التنافسية إذا تأخرت في توظيفه؟

- Advertisement -

ومن واقع خبرتي في قيادة برامج التحول المؤسسي والتحول الرقمي داخل عدد من المؤسسات المصرفية، أرى أن القطاع المصرفي المصري يقف اليوم أمام لحظة فارقة، تشبه إلى حد كبير التحول الذي شهدته البنوك مع بداية عصر الخدمات الرقمية، لكن الفارق أن تأثير الذكاء الاصطناعي سيكون أوسع وأسرع وأكثر عمقًا.

الفرصة الحقيقية في مصر

تمثل مصر واحدة من أكثر الأسواق الواعدة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في العمل المصرفي، بفضل قاعدة سكانية كبيرة، وتسارع جهود الشمول المالي، ووجود ملايين العملاء الذين لا يزالون خارج المنظومة المصرفية الرسمية أو لا يحصلون على الخدمات المالية المناسبة.

وهنا لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تحسين الخدمات الحالية، بل يمتد إلى توسيع السوق نفسها، من خلال الوصول إلى شرائح لم تكن البنوك قادرة على خدمتها بالأساليب التقليدية.

تقييم المخاطر.. بداية التحول الحقيقي

منذ مشاركتي في تأسيس منتجات التمويل الاستهلاكي بالسوق المصرية عام 1998، ثم قيادة تطوير محافظ التجزئة المصرفية في أكثر من مؤسسة، أدركت أن أكبر تحدٍ أمام نمو التمويل لم يكن ضعف الطلب، وإنما صعوبة تقييم المخاطر بسرعة ودقة.

واليوم، تغير الذكاء الاصطناعي هذه المعادلة بالكامل.

فبدلًا من الاعتماد على عدد محدود من المؤشرات التقليدية، أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل البيانات السلوكية والبديلة، بما يسمح بتقييم عملاء لا يمتلكون تاريخًا ائتمانيًا كاملاً، وهو ما يفتح الباب أمام ملايين العملاء غير المخدومين مصرفيًا.

والأهم أن تحسين إدارة المخاطر لا يمثل الهدف النهائي، بل وسيلة تمنح البنك قدرة أكبر على التوسع، لأن كل تحسن في دقة التقييم يعني إمكانية تمويل شرائح جديدة كانت تُعتبر سابقًا مرتفعة المخاطر.

البيانات هي رأس المال الجديد

تمتلك البنوك كميات ضخمة من البيانات عن عملائها، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم البيانات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى قرارات ذكية.

فالذكاء الاصطناعي يمنح المؤسسات المصرفية القدرة على توقع احتياجات العملاء قبل أن يطلبوها، والانتقال من مفهوم البيع المتبادل التقليدي إلى البيع الاستباقي، بما يرفع الإيرادات ويعزز العلاقة مع العميل.

كما يتيح تطوير منتجات أكثر ملاءمة لكل عميل، وتسعير الخدمات بصورة أكثر دقة، وتحقيق استفادة أكبر من المعلومات المتاحة داخل البنك.

كل موظف يمكن أن يحقق مبيعات أكبر

تشير الدراسات إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تستطيع رفع إنتاجية العاملين في الوظائف المعرفية بنسبة تتراوح بين 20 و40%.

لكن القيمة الحقيقية لهذا التحسن لا تتمثل فقط في خفض التكاليف، وإنما في إعادة توجيه وقت موظفي الفروع ومسؤولي العلاقات وفرق المبيعات نحو بناء العلاقات مع العملاء وتقديم الاستشارات وإغلاق فرص البيع، بدلاً من استهلاك ساعات العمل في المهام الإدارية الروتينية.

وبالنسبة للمؤسسات الكبيرة، فإن هذا التحول يعادل امتلاك قوة بيعية إضافية دون زيادة في أعداد الموظفين.

الخطأ الذي يجب أن تتجنبه البنوك

في تقديري، فإن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه المؤسسات المصرفية هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا تقنيًا.

فالتكنولوجيا يمكن شراؤها، لكن الميزة التنافسية لا تُشترى.

الميزة الحقيقية تتحقق عندما تعيد المؤسسة تصميم عملياتها ونموذج أعمالها وآليات اتخاذ القرار بما يتوافق مع الإمكانات الجديدة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي.

ومن واقع خبرتي في قيادة برامج التحول المؤسسي، فإن نجاح أي مشروع تقني يعتمد بدرجة أكبر على تطوير العمليات وتأهيل الكوادر البشرية، أكثر من اعتماده على التكنولوجيا نفسها.

فرص لا تزال تنتظر من يستغلها

ما تزال هناك فرص كبيرة أمام البنوك المصرية لم تستثمر بالشكل الكافي، من أبرزها بناء نماذج بديلة للتقييم الائتماني، والتوسع في تمويل المشروعات الصغيرة والتجار، وتطبيق التسعير الديناميكي، وبناء شراكات مع منصات التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.

وهذه المجالات تمثل فرصًا حقيقية للنمو في سوق ما زالت المنافسة فيه أقل من حجم الإمكانات المتاحة.

المنافسة تغيرت

في تقديري، لن تكون المنافسة خلال السنوات المقبلة بين بنك يستخدم الذكاء الاصطناعي وآخر لا يستخدمه، بل بين مؤسسة تكتفي بتحسين عملياتها الحالية، وأخرى تعيد بناء نموذج أعمالها بالكامل.

كما أن التوسع لن يعتمد على زيادة عدد الفروع، بقدر ما سيعتمد على بناء شراكات رقمية، وتقديم خدمات مالية مدمجة داخل المنصات المختلفة، والوصول إلى العملاء بتكلفة أقل وكفاءة أعلى.

وفي سوق مثل السوق المصرية، حيث ما زالت هناك شرائح واسعة خارج المنظومة المصرفية، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة استثنائية لتحقيق قفزة جديدة في الشمول المالي، مع الحفاظ على جودة إدارة المخاطر.

الخلاصة

أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد مرحلة جديدة في رحلة التطور التكنولوجي للقطاع المصرفي، وإنما بداية مرحلة مختلفة تمامًا في طريقة إدارة الأعمال المصرفية.

وخلال السنوات المقبلة، لن يكون الفائز هو البنك الذي يمتلك أحدث التقنيات، وإنما المؤسسة التي تعيد تعريف نموذج أعمالها بالكامل، وتوظف البيانات والذكاء الاصطناعي للوصول إلى عملاء جدد، وبناء منتجات أكثر ذكاءً، وتحقيق نمو أكثر استدامة.

ولهذا، أرى أن المنافسة القادمة في مصر لن تكون بين بنك وبنك، بل بين نموذج أعمال تقليدي، وآخر يقوده الذكاء الاصطناعي. وهو التحول الذي سيحدد شكل القطاع المصرفي خلال العقد المقبل، ويمنح المؤسسات الأكثر استعدادًا فرصة قيادة السوق، لا مجرد المنافسة فيه.

خبير مصرفي في التحول المؤسسي ونمو الأعمال