
اكتشاف ماسة عملاقة تزن 1305 قيراط يهز سوق الألماس العالمي.. مرصد الذهب يكشف القصة الكاملة من بتسوانا
«مرصد الذهب»: ثالث أكبر ماسة ذات جودة جوهرية في التاريخ تخرج من منجم كاروي.. والاكتشاف يتزامن مع خسائر دي بيرز وصعود الألماس المصنع
بينما تتراجع أسعار الألماس الطبيعي، وتتكبد كبرى شركات التعدين خسائر بمئات الملايين من الدولارات، فاجأت بوتسوانا العالم باكتشاف ماسة خام عملاقة تزن 1305.4 قيراط، لتصبح واحدة من أكبر الماسات ذات الجودة الجوهريّة المكتشفة في التاريخ، وتعيد الأنظار إلى منجم كاروي الذي أصبح ظاهرة جيولوجية يصعب تكرارها.
لكن المفاجأة الحقيقية لا تكمن في حجم الحجر فقط، وإنما في توقيت ظهوره؛ إذ يأتي الاكتشاف في لحظة تعيش فيها صناعة الألماس الطبيعي واحدة من أصعب أزماتها، مع تراجع الطلب العالمي، واشتداد المنافسة من الألماس المصنع مخبريًا، وإعادة هيكلة تاريخية لشركة دي بيرز، الاسم الأكبر في تجارة الألماس منذ أكثر من قرن.
وهنا يطرح «مرصد الذهب» سؤالًا أكبر من وزن الماسة نفسها: هل تستطيع الأحجار العملاقة إنقاذ صناعة تتغير قواعدها بسرعة؟
لماذا تعد ماسة 1305 قيراط حدثًا عالميًا؟
أعلنت شركة لوسارا ديموند الكندية اكتشاف الماسة الجديدة داخل منجم كاروي في بوتسوانا، مؤكدة أنها استُخرجت كاملة دون أن تتعرض للكسر، باستخدام تقنية الاسترداد بالأشعة السينية المصممة خصيصًا للحفاظ على الأحجار العملاقة.
ويبلغ وزن الماسة نحو 261 جرامًا، لتصبح الماسة العاشرة التي يتجاوز وزنها ألف قيراط من المنجم نفسه، وهو رقم غير مسبوق عالميًا.
وبحسب التصنيفات المتخصصة، تحتل الماسة الجديدة المركز الثالث بين أكبر الماسات الخام ذات الجودة الجوهريّة بعد كولينان وموتسودي.
سر منجم كاروي.. لماذا يخرج العمالقة من الأرض نفسها؟
القصة الحقيقية ليست في ماسة واحدة، وإنما في المنجم الذي أنتجها.
فمنذ بدء تشغيل كاروي عام 2012، تحول المنجم إلى أشهر مصدر عالمي للماسات العملاقة عالية الجودة، بعدما أخرج أحجارًا أصبحت علامات فارقة في تاريخ الصناعة، مثل:
موتسودي (2492 قيراطًا)
سيويلو (1758 قيراطًا)
ليسيدي لا رونا (1109 قيراطات)
سيريتي (1094 قيراطًا)
إيفا ستار (1080.1 قيراط)
ووصول عدد الأحجار التي تجاوزت ألف قيراط إلى 10 ماسات يؤكد أن كاروي ليس منجمًا عاديًا، بل واحد من أكثر الأجسام الجيولوجية ندرة على مستوى العالم.
الاكتشاف يأتي في توقيت صعب
رغم هذا الإنجاز، تمر شركة لوسارا بمرحلة مالية معقدة.
فقد تراجعت إيراداتها خلال الربع الأول من 2026 بنحو 28% بسبب توقف التعدين السطحي مؤقتًا نتيجة الأمطار الغزيرة وارتفاع المياه داخل المنجم، واضطرت الشركة للاعتماد على خامات أقل جودة.
ومع ذلك، واصلت الرهان على مستقبل كاروي، وضخت استثمارات ضخمة لتحويله إلى التعدين تحت الأرض، بتكلفة تصل إلى 779.2 مليون دولار، في واحدة من أكبر الاستثمارات الحالية في قطاع الألماس.
لماذا لم تعد الأحجار الصغيرة تكفي؟
يرى الدكتور وليد فاروق، رئيس مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، أن أهمية الماسة الجديدة لا ترتبط بحجمها فقط، وإنما بموقعها داخل سوق يمر بمرحلة إعادة تقييم شاملة.
ويؤكد أن القيمة الاقتصادية لأي ماسة لا يحددها الوزن وحده، بل تتداخل فيها عوامل اللون، والوضوح، والبنية الداخلية، وإمكانية التقطيع والصقل، إضافة إلى حجم الطلب العالمي على الأحجار النادرة.
ويضيف أن الرقم الأكثر دلالة ليس وزن الماسة، وإنما قدرة منجم كاروي على استخراج عشر ماسات تجاوز وزن كل منها ألف قيراط، وهو سجل يكشف عن خصائص جيولوجية استثنائية يصعب تكرارها.
أزمة تضرب صناعة الألماس
ورغم هذا الاكتشاف، فإن سوق الألماس الطبيعي يعيش واحدة من أصعب مراحله.
فالطلب العالمي تراجع، بينما ارتفعت المنافسة من الألماس المصنع داخل المعامل، وهو ما انعكس على نتائج الشركات الكبرى.
فقد سجلت دي بيرز خسارة تشغيلية أساسية بلغت 511 مليون دولار خلال 2025، مقارنة بـ25 مليون دولار فقط في العام السابق، كما انخفض متوسط أسعار البيع بصورة ملحوظة.
ودفعت هذه التطورات شركة أنجلو أمريكان إلى خفض القيمة الدفترية لـ”دي بيرز” بنحو 2.3 مليار دولار، في اعتراف واضح بتغير موازين السوق العالمية.
لماذا يهم الاكتشاف اقتصاد بوتسوانا؟
لا يمثل الألماس مجرد نشاط تعديني بالنسبة لبوتسوانا.
فالقطاع يوفر نحو ثلث الإيرادات الحكومية، ويعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.
لكن الأزمة العالمية انعكست بوضوح على الاقتصاد؛ إذ انكمش الناتج المحلي في 2024، واستمرت الضغوط خلال 2025 نتيجة تراجع إنتاج وأسعار الألماس.
ولهذا، فإن أي اكتشاف استثنائي لا يمثل خبرًا لشركة تعدين فقط، بل يحمل أبعادًا اقتصادية تمس الدولة بأكملها.
معركة جديدة داخل دي بيرز
يتزامن الاكتشاف أيضًا مع تحول تاريخي داخل شركة دي بيرز، بعد إعلان أنجلو أمريكان اختيار مستثمر مفضل لشراء حصتها البالغة 85%، بينما تدرس حكومة بوتسوانا استخدام حق الأولوية لزيادة نفوذها داخل الشركة.
ويرى الدكتور وليد فاروق أن هذه الخطوة قد تعيد رسم خريطة صناعة الألماس العالمية، خاصة إذا نجحت بوتسوانا في تعظيم القيمة المضافة داخل البلاد، من خلال التوسع في القطع والصقل والتصنيف والتجارة، وعدم الاكتفاء بتصدير الخام.
قراءة «مرصد الذهب»
يرى «مرصد الذهب» أن اكتشاف ماسة 1305.4 قيراط لا يمثل مجرد خبر عن حجر نادر، بل يعكس تحولًا أعمق داخل صناعة الألماس العالمية.
فالماسة الجديدة تؤكد أن الندرة لا تزال تمتلك قيمة استثنائية، حتى في سوق يواجه ضغوطًا غير مسبوقة من الألماس المصنع وتراجع الطلب العالمي.
وبينما تتراجع قيمة الأحجار التجارية، تظل الماسات العملاقة وعالية الجودة قادرة على جذب اهتمام المستثمرين وهواة الاقتناء، وهو ما يمنح منجم كاروي مكانة فريدة في مستقبل الصناعة.
ومن هنا، فإن الخبر الحقيقي ليس اكتشاف ماسة جديدة، بل الرسالة التي تحملها للعالم: ففي الوقت الذي يعيد فيه سوق الألماس كتابة قواعده، لا تزال الأرض البوتسوانية قادرة على إنتاج أحجار تصنع التاريخ، وتذكر الجميع بأن الندرة ستبقى دائمًا أغلى من الوفرة.





