
لماذا يرتفع الدولار في مصر؟.. كيف أدى خروج المستثمرين الأجانب من سوق الدين المحلي إلى الضغط على الجنيه؟
تحقيق: طارق شلتوت
عاد الدولار إلى الصعود أمام الجنيه المصري خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من يوليو، ليفقد الجنيه نحو 4% من قيمته، وسط تساؤلات متزايدة عن الأسباب الحقيقية لهذا التحرك، وما إذا كان يعكس نقصًا مستمرًا في النقد الأجنبي، أم يرتبط بموجة مؤقتة من خروج المستثمرين الأجانب من سوق الدين المحلي.
وجاء الضغط الأخير بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتجدد الصراع الإيراني الأمريكي، ما دفع عددًا من المستثمرين الدوليين إلى تقليل انكشافهم على الأسواق الناشئة والاتجاه إلى أدوات أكثر أمانًا وسيولة.
وبحسب البيانات المتاحة، تحولت تعاملات المستثمرين الأجانب والعرب في أذون الخزانة المحلية من صافي تدفقات داخلة إلى صافي خروج بلغ نحو 1.92 مليار دولار خلال أسبوعين، ما أدى إلى زيادة الطلب على العملة الأمريكية ومارس ضغطًا مباشرًا على سعر الجنيه.
لكن كيف يستطيع خروج مستثمرين من أذون الخزانة التأثير في سعر الدولار؟ وما المقصود أصلًا بسوق الدين المحلي؟ وهل يصبح الجنيه رهينة لتحركات ما يُعرف بـ«الأموال الساخنة»؟
ما هو سوق الدين المحلي؟
تلجأ الحكومة إلى الاقتراض لتمويل عجز الموازنة، وسداد الالتزامات المستحقة، وتغطية الفجوة بين الإيرادات العامة والمصروفات.
ويتم جزء كبير من هذا الاقتراض من خلال إصدار أدوات مالية تسمى أذون الخزانة وسندات الخزانة، يشتريها المستثمرون والبنوك والمؤسسات المالية مقابل الحصول على عائد.
وبعبارة أبسط، تقترض الحكومة الأموال من المستثمر لمدة محددة، ثم ترد إليه قيمة استثماره وفق الشروط المحددة، مع حصوله على عائد مقابل إقراض الدولة.
وتختلف أذون الخزانة عن السندات بصورة أساسية في مدة الاستثمار؛ فالأذون أدوات قصيرة الأجل، بينما تكون السندات عادة أطول أجلًا.
كيف يستثمر الأجانب في أذون الخزانة المصرية؟
عندما يرغب مستثمر أجنبي في شراء أذون خزانة مصرية، فإنه يدخل إلى السوق ومعه عملة أجنبية، غالبًا الدولار.
وتتم العملية عبر عدة مراحل:
يدخل المستثمر الدولارات إلى الجهاز المصرفي، ثم يحولها إلى جنيهات مصرية، ويستخدم الجنيه في شراء أذون الخزانة. وعند انتهاء مدة الأذون، يحصل على قيمة استثماره والعائد المستحق بالجنيه.
بعد ذلك يقرر المستثمر إما إعادة استثمار الأموال في أذون جديدة، أو تحويلها إلى الدولار وإخراجها من مصر.
وخلال مرحلة الدخول، يؤدي بيع المستثمرين للدولار مقابل الجنيه إلى زيادة المعروض من النقد الأجنبي، ما قد يدعم استقرار العملة المحلية.
أما عند الخروج، فتحدث العملية العكسية تمامًا.
كيف يضغط خروج المستثمرين على الجنيه؟
عندما يقرر المستثمر الأجنبي إنهاء استثماره، يحصل أولًا على أمواله بالجنيه، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى بلده بالجنيه المصري.
لذلك يتوجه إلى البنك لشراء الدولار، ثم يحول الأموال إلى الخارج.
ومع خروج أعداد كبيرة من المستثمرين في فترة قصيرة، يرتفع الطلب على الدولار بصورة مفاجئة، بينما يظل المعروض محدودًا مقارنة بحجم الطلب الجديد.
وهنا يبدأ سعر الدولار في الارتفاع أمام الجنيه.
وإذا خرج مستثمرون بما يقارب ملياري دولار خلال أسبوعين، فهذا يعني أن الجهاز المصرفي يواجه طلبًا إضافيًا كبيرًا على العملة الأمريكية خلال فترة زمنية قصيرة، إلى جانب الطلب الطبيعي المرتبط بالواردات وسداد الالتزامات الخارجية.
لماذا قرر المستثمرون الخروج الآن؟
لا يتحرك المستثمر الأجنبي بناءً على سعر الفائدة وحده، وإنما يوازن دائمًا بين العائد والمخاطر.
فقد يحصل على عائد مرتفع من الاستثمار في أذون الخزانة، لكن هذا العائد قد يتآكل إذا تراجع سعر الجنيه بصورة كبيرة أمام الدولار.
كما أن تصاعد الصراعات السياسية أو العسكرية يدفع الصناديق العالمية عادة إلى تقليل استثماراتها في الدول القريبة من مناطق التوتر، حتى لو كانت المؤشرات الاقتصادية المحلية مستقرة نسبيًا.
ومع تجدد التوترات الإيرانية الأمريكية في المنطقة، اتجه بعض المستثمرين إلى تخفيض استثماراتهم في أدوات الدين المصرية، بحثًا عن أصول تعتبر أكثر أمانًا في أوقات الأزمات.
ومن أبرز هذه الأصول الدولار، وسندات الخزانة الأمريكية، والذهب.
هل خرج المستثمرون بسبب الاقتصاد المصري فقط؟
لا يمكن إرجاع موجة الخروج الأخيرة إلى عامل محلي واحد.
فجزء مهم من التحرك يرتبط بتغير شهية المستثمرين العالميين للمخاطر؛ فعندما ترتفع المخاوف الجيوسياسية، تتعرض غالبية الأسواق الناشئة لضغوط، وليس السوق المصرية وحدها.
لكن حجم تأثير الخروج على الجنيه يتوقف على قدرة الاقتصاد المصري على توفير الدولار من مصادر أخرى، مثل تحويلات العاملين بالخارج، والسياحة، والصادرات، والاستثمار الأجنبي المباشر، وإيرادات قناة السويس.
كلما كانت هذه التدفقات قوية، استطاعت السوق استيعاب خروج المستثمرين دون تحركات حادة في سعر الصرف.
تحويلات المصريين تخفف الصدمة
أكد رئيس أحد البنوك الخاصة أن خروج المستثمرين الأجانب بأحجام كبيرة خلال بعض الجلسات كان العامل الأكثر تأثيرًا في تراجع الجنيه أمام الدولار.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج ساهمت في الحد من الضغوط على العملة المحلية.
وتكتسب التحويلات أهمية خاصة لأنها تمثل تدفقات دولارية أكثر استقرارًا مقارنة بالأموال المستثمرة في أدوات الدين، إذ ترتبط بدخول ملايين المصريين في الخارج واحتياجات أسرهم داخل البلاد، ولا تتحرك عادة بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الصناديق الاستثمارية الدولية.
ولولا استمرار هذه التدفقات، ربما كانت الضغوط على سعر الجنيه أكثر حدة.
هل المستثمر الأجنبي يربح دائمًا من أذون الخزانة؟
رغم ارتفاع العائد الذي يحصل عليه المستثمر، فإن الربح ليس مضمونًا بصورة مطلقة، لأن حسابه النهائي يتم بالدولار وليس بالجنيه فقط.
فإذا حقق المستثمر عائدًا مرتفعًا بالجنيه، ثم تراجعت العملة المحلية بنسبة كبيرة خلال فترة استثماره، فقد يخسر جزءًا من أرباحه عند تحويل الأموال مجددًا إلى الدولار.
ولتوضيح ذلك بصورة مبسطة، إذا دخل المستثمر إلى السوق بدولار واحد وحوله إلى جنيهات، ثم حصل على عائد بالجنيه، فإنه يقارن في نهاية الاستثمار بين عدد الدولارات التي دخل بها وعدد الدولارات التي يستطيع شراءها بعد استرداد أصل الاستثمار والعائد.
ولهذا يراقب المستثمر الأجنبي ثلاثة عوامل رئيسية: سعر الفائدة، وتوقعات سعر الصرف، ومستوى المخاطر السياسية والاقتصادية.
لماذا تسمى هذه التدفقات «أموالًا ساخنة»؟
يطلق وصف الأموال الساخنة على الاستثمارات قصيرة الأجل التي تدخل الأسواق للاستفادة من العائد المرتفع، لكنها تستطيع الخروج بسرعة إذا تغيرت الظروف أو ارتفعت المخاطر.
وهي تختلف عن الاستثمار الأجنبي المباشر، الذي يذهب عادة إلى إنشاء مصنع أو شركة أو مشروع طويل الأجل يصعب تصفيته ومغادرة السوق خلال أيام.
وتمنح الأموال الساخنة الاقتصاد تدفقات دولارية مهمة، وتساعد الحكومة في تمويل احتياجاتها، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى مصدر ضغط على سعر الصرف عندما تخرج بصورة جماعية.
ولهذا لا تكمن المشكلة في وجود هذه الأموال، وإنما في الاعتماد المفرط عليها بوصفها مصدرًا أساسيًا للنقد الأجنبي.
هل ارتفاع العائد يمنع خروج المستثمرين؟
ارتفاع العائد يجعل أذون الخزانة المصرية أكثر جاذبية، لكنه لا يمنع الخروج إذا اعتقد المستثمر أن المخاطر أصبحت أعلى من العائد المتوقع.
فقد يفضل المستثمر التخلي عن جزء من أرباحه مقابل حماية رأس ماله، خاصة إذا توقع تراجعًا أكبر في العملة أو اتساعًا في التوترات الإقليمية.
كما يقارن المستثمر بين العائد الذي يحصل عليه في مصر والعوائد المتاحة في الأسواق الأخرى، خصوصًا الولايات المتحدة.
وكلما ظلت أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة، أصبحت السندات الأمريكية منافسًا قويًا لأدوات الدين في الأسواق الناشئة، لأنها تمنح عائدًا بالدولار مع مستوى أقل من المخاطر.
ماذا يعني طرح أذون خزانة بـ120 مليار جنيه؟
يطرح البنك المركزي، بالتنسيق مع وزارة المالية، أذون خزانة بقيمة إجمالية تبلغ 120 مليار جنيه، موزعة بين طرح بقيمة 50 مليار جنيه لأجل 182 يومًا، وطرح آخر بقيمة 70 مليار جنيه لأجل 364 يومًا.
ويهدف الطرح أساسًا إلى تمويل احتياجات الموازنة العامة، وليس إلى تثبيت سعر الدولار بصورة مباشرة.
لكن نتائج الطرح تحمل مؤشرات مهمة عن شهية المستثمرين، خاصة الأجانب، للاستمرار في سوق الدين المحلي.
فإذا شهد الطرح طلبًا قويًا من المستثمرين، فقد يعني ذلك استمرار جاذبية العائد المصري وقدرة السوق على استعادة جزء من التدفقات الخارجة.
أما ضعف الطلب الأجنبي، فقد يعكس استمرار الحذر وانتظار المستثمرين مزيدًا من الوضوح بشأن الأوضاع الإقليمية وتحركات سعر الصرف.
هل يتحمل خروج المستثمرين المسؤولية الكاملة عن صعود الدولار؟
كان خروج المستثمرين من سوق الدين المحلي أحد أهم أسباب التحرك الأخير، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدد سعر الدولار.
فسوق الصرف يتأثر أيضًا بمدفوعات الاستيراد، وأقساط الديون الخارجية، وتحويل أرباح الشركات الأجنبية، وقوة الدولار عالميًا، وحجم تدفقات السياحة والصادرات والتحويلات والاستثمارات.
وقد تتزامن هذه العوامل في فترة واحدة، فتزيد الضغوط على الجنيه.
لذلك يمكن القول إن خروج المستثمرين كان الشرارة الأسرع والأكثر وضوحًا خلال الأسابيع الأخيرة، لكنه تحرك داخل سوق تعاني أصلًا من طلب مستمر على العملة الأجنبية لتمويل احتياجات الاقتصاد.
هل يعني تراجع الجنيه عودة أزمة العملة؟
لا يكفي تحرك سعر الصرف خلال عدة أسابيع للحكم بوجود أزمة جديدة، خصوصًا في ظل تطبيق نظام أكثر مرونة يسمح للسعر بالتفاعل مع العرض والطلب.
فقد يتحرك الدولار صعودًا نتيجة خروج مؤقت للاستثمارات، ثم يستقر أو يتراجع إذا عادت التدفقات أو ارتفعت موارد النقد الأجنبي.
لكن استمرار خروج الأموال لفترة طويلة، بالتزامن مع ضعف التدفقات الدولارية الأخرى، قد يضع الجنيه تحت ضغوط إضافية.
ومن ثم يتوقف المسار المقبل على تطورات الصراع في المنطقة، واتجاه المستثمرين العالميين نحو الأسواق الناشئة، وسياسة الفائدة، وقدرة الاقتصاد المصري على جذب تدفقات دولارية أكثر استدامة.
ما الذي يحمي الجنيه من تقلبات الأموال الساخنة؟
الحماية الحقيقية لا تعتمد فقط على رفع أسعار الفائدة أو جذب مزيد من الاستثمارات إلى أذون الخزانة، وإنما على زيادة موارد الدولار الناتجة عن نشاط اقتصادي حقيقي.
ويشمل ذلك زيادة الصادرات، وجذب استثمارات لإنشاء المصانع والمشروعات، وتعظيم إيرادات السياحة، ودعم تحويلات المصريين بالخارج، وتحسين إيرادات الخدمات اللوجستية وقناة السويس.
فالدولار القادم من تصدير سلعة أو تشغيل مصنع أو استقبال سائح أكثر استقرارًا من الدولار الذي يدخل لشراء أذون قصيرة الأجل، لأنه لا يغادر السوق بالسرعة نفسها عند وقوع أزمة سياسية أو مالية.
قراءة «المطور»
تكشف موجة صعود الدولار الأخيرة عن حساسية سعر الجنيه لتحركات المستثمرين الأجانب في سوق الدين المحلي، فدخولهم يوفر تدفقات دولارية سريعة، بينما يؤدي خروجهم الجماعي إلى طلب مفاجئ على العملة الأمريكية.
ولا يعني ذلك أن الاستثمار الأجنبي في أذون الخزانة ضار بالاقتصاد، إذ يؤدي دورًا في تمويل الموازنة وتعميق الأسواق المالية. لكن الخطر يظهر عندما تصبح التدفقات قصيرة الأجل بديلًا عن المصادر المستدامة للنقد الأجنبي.
كما تؤكد التجربة أن ارتفاع الفائدة وحده لا يضمن بقاء المستثمر الأجنبي؛ فهو يظل مستعدًا للخروج عندما ترتفع المخاطر أو تتغير توقعاته بشأن سعر الجنيه.
ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي على استقرار سوق الصرف لا يتمثل في منع الأموال الساخنة من المغادرة، وإنما في بناء اقتصاد يستطيع تعويضها عبر الصادرات، والسياحة، والتحويلات، والاستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل.
فكلما تنوعت موارد الدولار وأصبحت أكثر استدامة، تراجع تأثير خروج المستثمرين على الجنيه، وأصبح سعر الصرف أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الإقليمية والعالمية.





