
في أوقات تتسارع فيها الأخبار، ويعلو فيها صوت “الترند” على صوت الحقيقة، يصبح من الواجب أن تُقال الكلمة كاملة، لا مجتزأة، وأن يُعرض الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو. ومن هذا المنطلق، أكتب هذه السطور إنصافًا للمهندسة راندة المنشاوي، بعيدًا عن الضجيج، وقريبًا من الوقائع الثابتة.
خلفية الواقعة.. ماذا حدث؟
تعود القصة إلى السنوات التي أعقبت ثورة 25 يناير، مع بدء تطبيق قانون الحد الأقصى للأجور على العاملين بالدولة. في تلك الفترة، كانت المنشاوي تشغل مناصب قيادية بوزارة الإسكان، من بينها مدير المكتب الفني لوزير الإسكان، ومدير وحدة إدارة المشروعات، فضلًا عن عضويتها في مجالس إدارات عدد من الجهات التابعة للوزارة، ومن بينها بنك التعمير والإسكان.
وخلال مراجعة إجمالي ما تقاضته من رواتب ومكافآت وبدلات، تبين أن مجموع الدخل تجاوز الحد الأقصى المقرر قانونًا، نتيجة تداخل مصادر الاستحقاق واختلاف آليات احتساب إجمالي الدخل في بداية تطبيق القانون.
تصويب فوري.. ورد كامل للمبلغ
فور إخطارها بالفارق المالي المستحق، قامت برد كامل المبلغ إلى خزانة الدولة، التزامًا بالقانون وتصويبًا للإجراء، دون مماطلة أو نزاع.
ومن المهم التأكيد أن هذه الحالة لم تكن استثناءً في تلك المرحلة، بل شملت عددًا من القيادات في جهات وهيئات مختلفة، مع بدايات تطبيق قانون الحد الأقصى للأجور، بسبب عدم استقرار آليات الاحتساب بشكل كامل آنذاك.
بين الإجراء الإداري وشبهة الاتهام
الواقعة، كما هي ثابتة، لم تتضمن استيلاءً على المال العام، ولا تربحًا، ولا رشوة، ولا أي شبهة فساد جنائي. كانت مسألة تنظيمية مرتبطة بتطبيق قانون جديد في مرحلة انتقالية، وتم تصحيحها برد الفارق المستحق للدولة.
لكن في زمن تُقتطع فيه الوقائع من سياقها، وتُعاد صياغتها بما يخدم الإثارة، يصبح من السهل تحويل إجراء إداري إلى عنوان مثير، ومن تصويب قانوني إلى مادة للتشهير.
لماذا تُقال الكلمة الآن؟
لأن الإنصاف قيمة لا ترتبط بتوقيت.
ولأن التاريخ لا يُكتب بالمنشورات المبتورة، بل بالحقائق الكاملة.
ولأن النقد حق، لكن التشهير دون إلمام بحقائق الأمور ظلم.
هذه شهادة حق للتاريخ، لا دفاعًا عن شخص بقدر ما هي دفاع عن مبدأ: أن تُعرض الوقائع كما جرت، لا كما يُراد لها أن تُفهم.
في زمن التريند، تبقى الحقيقة أهدأ… لكنها أبقى.
والله من وراء القصد.





