مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر».. كيف يعيد رسم دور الجهاز في قيادة مشروعات التنمية والاستثمار؟
مع اتساع حجم المشروعات القومية وتنوعها خلال السنوات الأخيرة، برزت الحاجة إلى تطوير الأطر التشريعية التي تنظم الجهات المسؤولة عن تنفيذها وإدارتها، بما يتناسب مع طبيعة الأدوار الجديدة التي أصبحت تقوم بها. وفي هذا السياق، يأتي مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» ليضع لأول مرة إطارًا قانونيًا متكاملًا ينظم عمل الجهاز، بعد أن توسعت اختصاصاته من تنفيذ مشروعات زراعية إلى إدارة منظومات تنموية واستثمارية متكاملة في عدد كبير من القطاعات الحيوية.
ولا ينشئ مشروع القانون جهازًا جديدًا، وإنما يعيد تنظيم الجهاز القائم بالفعل، ويجمع في تشريع واحد جميع القواعد المنظمة لعمله، بما يشمل اختصاصاته، وهيكله المؤسسي، وآليات إدارة موارده واستثماراته، والعلاقة بينه وبين الشركات والكيانات التابعة له، في خطوة تستهدف تعزيز الكفاءة والحوكمة ورفع قدرة الجهاز على تنفيذ المشروعات الكبرى.
من قرار جمهوري إلى قانون متكامل
يستند جهاز «مستقبل مصر» حاليًا إلى قرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022، الذي نظم إنشاء الجهاز وحدد اختصاصاته الأساسية عند التأسيس.
ومع التطور الكبير الذي شهده نشاط الجهاز خلال السنوات الماضية، أصبح من الضروري إصدار قانون أكثر شمولًا ينظم مختلف الجوانب المؤسسية والإدارية والمالية، ويواكب حجم المسؤوليات التي بات يتولاها في إدارة وتنفيذ مشروعات التنمية.
ولهذا، لا يقتصر مشروع القانون على تحديث الإطار التشريعي، بل يؤسس لمنظومة قانونية متكاملة تحدد بوضوح طبيعة الجهاز، وآليات عمله، وهيكله الإداري، واختصاصات مجلس الإدارة، والكيانات التابعة له.
كيف تطور دور جهاز «مستقبل مصر»؟
عند تأسيسه، ارتبط نشاط الجهاز بتنفيذ عدد من المشروعات الزراعية ذات الأولوية، خاصة في مجالات استصلاح الأراضي وتعزيز الأمن الغذائي.
لكن مع مرور الوقت، اتسعت دائرة عمله بصورة كبيرة، وأصبح يشرف على منظومات تنموية متكاملة تشمل الزراعة، والتصنيع الزراعي والغذائي، والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والتنمية العمرانية، والتحول الرقمي، إلى جانب إدارة الأصول، وإنشاء الشركات، والدخول في شراكات استثمارية.
وهذا التوسع هو أحد أبرز الأسباب التي دفعت إلى إعداد مشروع القانون الجديد، ليعكس الواقع الحالي لاختصاصات الجهاز.
من إدارة المشروعات إلى إدارة منظومات متكاملة
أحد أهم المفاهيم التي يعكسها مشروع القانون هو الانتقال من إدارة المشروعات بصورة منفصلة إلى إدارة منظومات إنتاجية وتنموية متكاملة.
فالجهاز لم يعد مسؤولًا عن مرحلة الإنتاج فقط، بل أصبح يدير سلسلة القيمة بالكامل، بداية من استصلاح الأراضي والإنتاج، مرورًا بالتصنيع والتعبئة والتخزين، ثم النقل والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى التسويق وإدارة الاستثمارات المرتبطة بالمشروع.
ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق أعلى قيمة مضافة للمشروعات، وزيادة كفاءة استغلال الموارد، وتعظيم العائد الاقتصادي.
ما الذي ينظمه مشروع القانون؟
يتناول مشروع القانون جميع الجوانب المرتبطة بعمل الجهاز، وفي مقدمتها:
تحديد الطبيعة القانونية للجهاز.
تنظيم الهيكل المؤسسي والإداري.
اختصاصات مجلس الإدارة.
تنظيم الأجهزة التنفيذية.
إدارة الأصول والمشروعات.
الشركات والكيانات التابعة.
الصندوق السيادي والصندوق الخدمي.
الموارد المالية والإدارة المالية.
الرقابة والحوكمة.
اللوائح التنفيذية وآليات اتخاذ القرار.
وبذلك يصبح القانون المرجعية الرئيسية المنظمة لجميع أعمال الجهاز.
اختصاصات تمتد إلى قطاعات متعددة
لا يقتصر نشاط الجهاز على القطاع الزراعي، رغم أنه يمثل أحد أهم محاور عمله، وإنما ينظم مشروع القانون اختصاصاته في عدد كبير من المجالات، تشمل:
استصلاح الأراضي والإنتاج الزراعي.
التصنيع الزراعي والغذائي.
الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية.
الخدمات اللوجستية.
الطاقة.
التعدين.
التنمية العمرانية.
التحول الرقمي.
إدارة الأصول.
إنشاء الشركات والمساهمة فيها.
تنفيذ الشراكات الاستثمارية.
ويعكس هذا التنوع طبيعة الدور الذي أصبح يؤديه الجهاز في دعم خطط التنمية المستدامة.
هيكل مؤسسي أكثر وضوحًا
ويضع مشروع القانون تنظيمًا تفصيليًا للهيكل المؤسسي للجهاز، من خلال تحديد اختصاصات مجلس الإدارة، ودور الأجهزة التنفيذية، والعلاقة بين القطاعات المختلفة والكيانات التابعة.
كما يحدد آليات اتخاذ القرار، ويوزع المسؤوليات بصورة واضحة، بما يعزز كفاءة الإدارة ويواكب اتساع حجم المشروعات التي يشرف عليها الجهاز.
تنظيم الشركات والصناديق التابعة
ومن أبرز ما يتضمنه المشروع تنظيم العلاقة بين الجهاز والشركات والكيانات التابعة له.
وينص المشروع على إنشاء صندوق سيادي وصندوق خدمي يتبعان الجهاز، كما ينظم القواعد العامة الخاصة بتأسيس الشركات أو المساهمة فيها، وآليات إدارتها والإشراف عليها، باعتبارها أدوات رئيسية لتنفيذ الأنشطة التي تدخل ضمن اختصاصات الجهاز.
إدارة الاستثمار والأصول
ويخصص مشروع القانون أحكامًا تنظم إدارة الأصول والاستثمارات التابعة للجهاز، من خلال تحديد الجهات المختصة بالإدارة والإشراف، وتنظيم الموارد المالية، وأوجه استخدامها، وآليات المساهمة في الشركات، وإبرام الشراكات الاستثمارية.
ويهدف ذلك إلى توفير إطار قانوني واضح لإدارة الاستثمارات المرتبطة بالمشروعات التي يشرف عليها الجهاز.
تعزيز الحوكمة والرقابة
ويولي مشروع القانون أهمية كبيرة للحوكمة والإدارة الرشيدة، إذ يتضمن بابًا خاصًا بالأحكام المالية، ينظم إعداد الموازنات، وإدارة الموارد، والحسابات، وآليات الإنفاق.
كما يحدد قواعد الرقابة المالية والإدارية، وتوزيع الاختصاصات، وآليات اتخاذ القرار، بما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة الأداء داخل الجهاز والكيانات التابعة له.
ماذا يعني مشروع القانون للاقتصاد؟
يعكس مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر» مرحلة جديدة في تطوير المؤسسات التي تدير المشروعات القومية، من خلال توفير إطار تشريعي موحد يواكب التوسع الكبير في اختصاصات الجهاز، ويمنحه تنظيمًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا في إدارة المشروعات والاستثمارات والأصول.
كما يؤكد المشروع توجه الدولة نحو بناء كيانات أكثر كفاءة وقدرة على إدارة منظومات التنمية المتكاملة، بما يدعم الأمن الغذائي، ويعزز الاستثمار، ويرفع كفاءة إدارة الموارد، ويسهم في تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة، مع ترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية داخل واحدة من أهم الجهات المنوط بها تنفيذ وإدارة عدد من المشروعات الاستراتيجية في مصر.



