جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

زلزال بقوة 8.5 ريختر.. لماذا تقاوم مباني العاصمة الإدارية الهزات المدمرة؟

كود مصري للأحمال الزلزالية ودراسات دقيقة للتربة والأساسات ونظم إنشائية مرنة تحمي الأبراج والمنشآت الحيوية من الانهيار

البحوث الفلكية: مباني العاصمة الإدارية قادرة على مواجهة زلازل شديدة وفق معايير التصميم المطبقة

- Advertisement -

الأساسات العميقة والقلوب الخرسانية تقاوم الحركة الجانبية وتوزع الأحمال على طبقات التربة الأكثر تماسكًا

الأمان لا يقاس برقم ريختر وحده.. موقع الزلزال وعمقه وطبيعة الأرض وجودة التنفيذ تحدد حجم التأثير

الطرق والكباري والمونوريل وشبكات المرافق تدخل ضمن منظومة متكاملة لحماية المدينة واستمرار تشغيلها وقت الأزمات

 

بعد الهزة الأرضية التي شعر بها سكان القاهرة الكبرى وعدد من المحافظات، لم تعد التساؤلات مقتصرة على قوة الزلزال أو احتمالات تكرار توابعه، بل انتقلت إلى ملف أكثر ارتباطًا بأمان المواطنين ومستقبل الاستثمار العمراني: هل تستطيع المدن الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الإدارية، الصمود أمام زلزال مدمر؟

هذا السؤال اكتسب زخمًا واسعًا بعد تأكيد الدكتور باسم نبوي، القائم بأعمال رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أن مباني العاصمة الإدارية الجديدة صُممت لتحمل زلازل تصل قوتها إلى 8.5 درجة، بينما تستطيع منشآت العلمين الجديدة والطرق والكباري والمونوريل مواجهة هزات تصل إلى نحو 8 درجات، وفقًا للمعايير الهندسية المطبقة في تصميمها وتنفيذها.

غير أن مقاومة المباني للزلازل لا تعتمد على رقم واحد مكتوب على مقياس ريختر، ولا تعني أن جميع المنشآت ستتعامل بالطريقة نفسها مع أي هزة تحمل القوة ذاتها. فالأمان الإنشائي يُبنى على منظومة تبدأ بدراسة موقع المشروع والتربة والنشاط الزلزالي المتوقع، وتمر باختيار الأساسات والنظام الإنشائي المناسب، ولا تنتهي إلا برقابة التنفيذ والصيانة طوال عمر المبنى.

كيف يتحول الزلزال إلى أحمال على المبنى؟

الزلزال لا يضرب المبنى من أعلى، وإنما يحرك الأرض التي يرتكز عليها. وعندما تتحرك الأساسات، تحاول كتلة المنشأة مقاومة الحركة، فتتولد قوى أفقية داخل الأعمدة والكمرات والحوائط والبلاطات.

وكلما ارتفع المبنى وزاد وزنه وتعقد شكله، أصبحت استجابته للحركة الأرضية أكثر حساسية، وهو ما يفسر خضوع الأبراج الشاهقة لتحليلات هندسية أكثر تعقيدًا من المباني منخفضة الارتفاع.

ولهذا لا يكتفي المصمم بمعرفة قوة الزلزال، وإنما يدرس أيضًا بعد مركزه عن المدينة، وعمق البؤرة، وطبيعة الفالق، ومدة الاهتزاز، وسرعة الموجات الزلزالية، ونوع التربة، والتردد الطبيعي للمنشأة.

فقد يكون زلزال قوي بعيدًا أقل تأثيرًا من هزة أضعف تقع بالقرب من المبنى وعلى عمق محدود. ومن ثم، فإن الرقم المتداول عند 8 أو 8.5 درجة يجب فهمه باعتباره تعبيرًا مبسطًا عن مستوى مرتفع من متطلبات التصميم، وليس ضمانًا مطلقًا منفصلًا عن موقع الهزة وخصائصها.

الكود المصري.. القاعدة التي يبدأ منها التصميم

تخضع المنشآت الحديثة في مصر إلى مجموعة متكاملة من الأكواد، أبرزها الكود المصري لحساب الأحمال والقوى في الأعمال الإنشائية وأعمال المباني، إلى جانب الكود المصري لتصميم وتنفيذ المنشآت الخرسانية المسلحة رقم 203، والكود المصري لميكانيكا التربة وتصميم وتنفيذ الأساسات.

ويضم كود الأحمال القواعد المستخدمة في حساب تأثير الزلازل والرياح على المنشآت، بينما يحدد كود الخرسانة المسلحة متطلبات تصميم الأعمدة والكمرات والحوائط والبلاطات وتفاصيل التسليح اللازمة لتحقيق القوة والمرونة. أما كود التربة والأساسات، فينظم عمليات دراسة الموقع واختيار نظام التأسيس المناسب.

ولا يطبق الكود قيمة واحدة على جميع المباني، بل يربط الأحمال الزلزالية بعدة عوامل، تشمل المنطقة التي يقع فيها المشروع، وطبيعة التربة، وارتفاع المنشأة ووزنها، واستخدامها، وأهميتها، ونوع النظام الإنشائي وقدرته على امتصاص الطاقة.

ولهذا تحصل المستشفيات ومراكز التحكم والمنشآت السيادية والمباني الحيوية على اشتراطات أمان أعلى من المنشآت التقليدية؛ لأن المطلوب منها لا يقتصر على حماية الموجودين داخلها، بل يشمل استمرار قدرتها على العمل بعد انتهاء الهزة.

دراسة التربة.. أول خطوط الحماية

قبل وضع التصميم النهائي لأي برج أو منشأة كبرى، تُجرى دراسات جيولوجية وجيوتقنية لمعرفة سمك طبقات التربة، وقدرتها على تحمل الأحمال، ومستوى المياه الجوفية، واحتمالات الهبوط، ومدى استجابتها للاهتزازات.

وتكتسب هذه الدراسات أهمية خاصة في مقاومة الزلازل؛ لأن التربة الرخوة قد تضخم الحركة الأرضية، بينما تتصرف الطبقات الصخرية والمتماسكة بطريقة مختلفة عند مرور الموجات الزلزالية.

ويجري المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء اختبارات حقلية ومعملية لقياس الخصائص الديناميكية للتربة وسرعة الموجات القصية، وهي بيانات تدخل مباشرة في حسابات تصميم المنشآت المقاومة للزلازل وتقييم مخاطر سيولة التربة أو هبوطها.

وبناء على نتائج هذه الدراسات، يحدد المصمم نوع الأساسات، سواء كانت لبشة خرسانية، أو خوازيق عميقة، أو نظامًا يجمع بين الاثنين، بما يضمن نقل الأحمال إلى طبقات أكثر تماسكًا وتقليل احتمالات الهبوط غير المتساوي.

الأساسات العميقة تثبت الأبراج

في الأبراج المرتفعة، لا تحمل الأساسات وزن المنشأة فقط، بل تقاوم أيضًا القوى الجانبية والعزوم الناتجة عن الزلازل والرياح.

وتساعد الخوازيق العميقة على نقل الأحمال إلى طبقات قوية تحت سطح الأرض، بينما تعمل اللبشة الخرسانية السميكة على توزيع وزن المبنى والقوى المؤثرة فيه على مساحة كبيرة.

كما تخضع الخوازيق لاختبارات للتأكد من سلامتها وجودة تنفيذها، إذ يوضح مركز بحوث الإسكان والبناء أن اختبارات سلامة جسم الخازوق تساعد في كشف أي انفصال أو اختناق أو عيوب قد تؤثر في أدائه.

ولا تهدف هذه المنظومة إلى منع حركة المبنى نهائيًا، بل إلى إبقائها داخل حدود محسوبة لا تعرض المنشأة لفقدان الاتزان أو الانهيار.

القلب الخرساني.. العمود الفقري للأبراج

تعتمد الأبراج الحديثة على قلب خرساني مركزي يضم غالبًا المصاعد والسلالم وممرات الخدمات، لكنه يؤدي في الوقت ذاته وظيفة إنشائية رئيسية، تتمثل في مقاومة القوى الأفقية الناتجة عن الرياح والزلازل.

ويتكامل القلب الخرساني مع حوائط القص والأعمدة والكمرات والبلاطات لتكوين هيكل ينقل القوى تدريجيًا إلى الأساسات.

وفي الأبراج الأعلى، قد تُستخدم عناصر إنشائية إضافية لربط القلب المركزي بالأعمدة الخارجية، بما يرفع صلابة المبنى ويقلل مقدار انحرافه الجانبي.

ويخضع هذا النظام لنماذج حاسوبية ثلاثية الأبعاد تحاكي حركة المبنى عند تعرضه لسيناريوهات مختلفة من الزلازل، وتكشف نقاط الضعف المحتملة قبل بدء التنفيذ.

لماذا تتحرك الأبراج ولا تنهار؟

قد يشعر الموجودون في الأدوار العليا باهتزاز أو حركة أكبر من الطوابق المنخفضة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود خطر.

فالمبنى المقاوم للزلازل لا يُصمم ليظل جامدًا تمامًا، وإنما ليتمتع بدرجة من المطيلية؛ أي القدرة على التشكل وامتصاص طاقة الهزة دون انهيار مفاجئ.

وتتحقق هذه الخاصية من خلال تفاصيل دقيقة في تسليح الخرسانة، وزيادة الكانات في المناطق الحرجة، وتقوية نقاط اتصال الأعمدة بالكمرات، ومنع وقوع انهيارات هشة أو متتابعة.

ويجري معمل اختبارات الخرسانة التابع لمركز بحوث الإسكان والبناء اختبارات على الأعمدة والحوائط المسلحة تحت تأثير الأحمال الرأسية والأفقية، وهي من الأدوات المستخدمة لتقييم أداء العناصر الإنشائية في الظروف الشديدة.

البنية التحتية جزء من منظومة الأمان

لا يمكن اعتبار المدينة آمنة إذا ظلت مبانيها قائمة بينما تعطلت شبكات المياه والكهرباء والاتصالات والطرق.

ولهذا يمتد مفهوم مقاومة الزلازل إلى الكباري والمونوريل ومحطات الكهرباء وخطوط المياه والصرف ومراكز التحكم.

وفي الكباري، تُصمم الأعمدة والركائز وأجهزة الارتكاز والوصلات للسماح بحركة محدودة ومحسوبة دون سقوط أجزاء المنشأ. كما تُراجع أعمدة وكمرات المونوريل وفق حالات تحميل تشمل الوزن والحركة والرياح والزلازل.

وأكد رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية أن الطرق والكباري والمونوريل في المدن الجديدة أُنشئت وفق معايير تسمح لها بمقاومة هزات قوية، بما يضع البنية الأساسية في قلب منظومة الأمان، وليس على هامشها.

أما شبكات المرافق، فتُخطط بحيث يمكن عزل الجزء المتضرر وتقليل امتداد الأعطال، مع توفير مراكز للتحكم والمتابعة تساعد في اكتشاف المشكلات والتدخل السريع عند الطوارئ.

موقع العاصمة تحت الرصد العلمي

تقع العاصمة الإدارية بالقرب من نطاق القاهرة–السويس، الذي سجل نشاطًا زلزاليًا محدودًا ومتوسطًا في فترات سابقة.

وسجلت دراسة علمية زلزالًا وقع في ديسمبر 2018 قرب العاصمة تحت الإنشاء، وبلغت قوته المحلية 4.3 درجة، وربطت آليته بالحركة الجيولوجية الممتدة من نظام خليج السويس. غير أن وجود نشاط زلزالي محتمل لا يعني عدم صلاحية المنطقة للبناء، وإنما يستلزم إدخاله ضمن دراسات التصميم والمخاطر، وهو ما تفعله الأكواد الهندسية الحديثة.

التنفيذ هو الاختبار الحاسم

يمكن إعداد تصميمات متقدمة، لكن أداء المبنى وقت الزلزال يظل مرتبطًا بدرجة كبيرة بجودة التنفيذ.

وتشمل عناصر الأمان مطابقة الخرسانة والحديد للمواصفات، وتنفيذ تفاصيل التسليح بدقة، وجودة الصب والمعالجة، واختبار الأساسات والخامات، والالتزام بالرسومات المعتمدة دون تعديلات عشوائية.

كما تمتد المسؤولية إلى مرحلة التشغيل؛ إذ قد يؤدي تغيير استخدام المبنى، أو إزالة عناصر دون دراسة، أو زيادة الأحمال، أو إهمال الصيانة، إلى الإضرار بسلامته مهما كانت جودة التصميم الأصلي.

هل العاصمة محصنة تمامًا؟

لا توجد مدينة في العالم يمكن وصفها بأنها محصنة بنسبة 100% ضد جميع الكوارث الطبيعية، لكن التصميم وفق كود زلزالي حديث ودراسات دقيقة للتربة وأنظمة إنشائية مرنة يقلل بدرجة كبيرة مخاطر الانهيار والخسائر البشرية.

وتتمثل فلسفة التصميم الزلزالي في حماية الأرواح، ومنع الانهيار المفاجئ، والحفاظ على المنشآت الحيوية قابلة للعمل أو الإصلاح بعد الهزة، وليس ضمان عدم حدوث أي شروخ أو أضرار سطحية.

ومن هذه الزاوية، تمثل العاصمة الإدارية نموذجًا لمدينة بُنيت من البداية وفق تخطيط حديث، ما أتاح دمج اشتراطات الأمان والبنية الذكية وإدارة المرافق ومقاومة الزلازل منذ المراحل الأولى للتصميم.

منظومة حماية العاصمة الإدارية 

تكشف منظومة حماية العاصمة الإدارية من الزلازل أن الأمان لا يقوم على سماكة الخرسانة وحدها، وإنما على سلسلة مترابطة تبدأ بدراسة النشاط الزلزالي والتربة، وتمر بتطبيق الأكواد واختيار الأساسات والنظام الإنشائي، وتنتهي بجودة التنفيذ والصيانة وإدارة الطوارئ.

فالخوازيق واللبشة تثبت الأبراج، والقلوب وحوائط القص تقاوم الحركة الجانبية، والمطيلية تسمح للمنشأ بامتصاص الطاقة، بينما تحافظ شبكات المرافق والطرق والمنشآت الحيوية على قدرة المدينة على الاستمرار.

وبذلك، لا يكمن الإنجاز الحقيقي في بناء أبراج شاهقة فقط، بل في إنشاء مدينة تستطيع مواجهة اللحظات الأصعب، وحماية سكانها واستثماراتها، والعودة إلى العمل بأسرع وقت ممكن بعد انتهاء الخطر.