
اعترافات المتهم بسرقة سيارة الرئيس جمال عبد الناصر.. كيف خرجت من الرئاسة إلى مزاد علني وكادت تتحول إلى خردة؟
تحولت محاولة سرقة سيارتين قديمتين من داخل مخزن بمنطقة العطارين في الإسكندرية إلى قضية تتجاوز حدود الحادث الجنائي التقليدي، بعدما تبين أن إحدى السيارتين تُنسب إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وأنها انتقلت إلى ملكية خاصة عبر مزاد علني قبل أكثر من أربعة عقود.
وبينما حسمت وزارة الداخلية ملابسات الواقعة الأمنية، مؤكدة أن المتهم ضُبط أثناء محاولته تقطيع أجزاء معدنية من السيارتين لبيعها لتجار الخردة، تفتح القضية بابًا أوسع للتساؤل: كيف تنتقل سيارة مرتبطة بتاريخ أحد رؤساء مصر من موكب رئاسي محتمل إلى مخزن خاص؟ ولماذا لا تخضع مثل هذه المقتنيات لنظام واضح للتوثيق والحماية حتى بعد بيعها للأفراد؟
ويكتسب السؤال أهميته من أن سيارات الرؤساء ليست مجرد وسائل انتقال قديمة، بل شواهد مادية على فترات سياسية ومناسبات تاريخية كبرى، وبعضها ارتبط بالحرب والسلام والاغتيالات ومحاولات استهداف رؤساء الدولة.
ماذا قالت وزارة الداخلية؟
بدأت الواقعة بعد تلقي قسم شرطة العطارين بالإسكندرية، يوم 19 من الشهر الجاري، بلاغًا من أحد المواطنين يفيد بتمكن الأهالي من ضبط شخص أثناء دخوله مخزنًا خاصًا بوالده والشروع في سرقة سيارتين ملاكي قديمتين محفوظتين باعتبارهما من المقتنيات «الأنتيك».
وكشف الفحص أن المتهم حاول تقطيع أجزاء معدنية من السيارتين باستخدام صاروخ يدوي ومنشار حدادي ومفكين، تمهيدًا للتصرف فيها بالبيع لتجار الخردة، قبل ضبطه والأدوات المستخدمة.
وأوضحت الداخلية أن والد صاحب البلاغ كان قد اشترى السيارة محل الجدل من مزاد علني عام 1981، ثم سلّم لوحاتها إلى إدارة المرور عام 1995 بعد الاستغناء عن صفتها الترخيصية.
واتُخذت الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق، وقررت حبس المتهم على ذمة التحقيقات.
هل سُرقت سيارة جمال عبد الناصر بالفعل؟
الدقة تقتضي التفرقة بين أمرين: السيارة لم تُسرق من الرئيس جمال عبد الناصر أو من مؤسسة الرئاسة، ولم تكن مملوكة للدولة وقت الواقعة، بل كانت داخل مخزن خاص بعد بيعها في مزاد علني عام 1981.
أما نسبتها إلى عبد الناصر، فقد وردت في أقوال مالك السيارة ومحاميه وتغطيات القضية، التي أشارت إلى أن السيارة من طراز «كاديلاك»، بينما لم يتضمن النص المنشور لبيان وزارة الداخلية اسم الرئيس السابق أو الطراز التفصيلي للسيارة. لذلك فإن الوصف الأكثر انضباطًا هو: سيارة تاريخية ينسبها مالكها إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وانتقلت إلى ملكية أسرته عبر مزاد علني.
وهذا الفارق لا يقلل من القيمة الخبرية أو التاريخية المحتملة للسيارة، لكنه يمنع تقديم النسبة باعتبارها حقيقة موثقة نهائيًا قبل مطابقة رقم الهيكل ومستندات المزاد وسجلات رئاسة الجمهورية أو الجهات التي كانت تملك السيارة.
كاديلاك قديمة.. لكن أي سيارة لعبد الناصر؟
تحدثت بعض التغطيات عن أن السيارة المضبوطة في الواقعة «كاديلاك موديل 1961»، لكن هذه المعلومة لم ترد في بيان الداخلية الذي جرى تداوله، وتحتاج إلى توثيق من مستندات الملكية أو تقارير الخبراء.
وتزداد أهمية التحقق لأن الرئيس جمال عبد الناصر استخدم خلال فترة حكمه أكثر من سيارة رئاسية، ولم ترتبط صورته بطراز واحد فقط.
فمتحف مركبات قصر القبة يضم عدة سيارات موثقة استخدمها عبد الناصر، من بينها سيارة «زيل ماستر» موديل 1964، وسيارة «كاديلاك كابورليه» موديل 1966، وسيارة «مرسيدس 600» نصف كابورليه موديل 1967.
وبالتالي، فإن مجرد كون السيارة «كاديلاك» لا يكفي وحده لإثبات أنها سيارة رئاسية، بل ينبغي ربطها بوثائق تسليم وبيع رسمية، وأرقام هيكل ومحرك، وسجل استخدام يحدد الفترة والمناسبات التي ظهرت خلالها.
أبرز سيارات جمال عبد الناصر المحفوظة رسميًا
تكشف مقتنيات متحف مركبات قصر القبة أن أسطول عبد الناصر الرئاسي جمع بين السيارات الأمريكية والألمانية والسوفيتية، وهو تنوع يعكس طبيعة العلاقات الدولية للدولة المصرية في الستينيات.
كاديلاك كابورليه موديل 1966
استخدم الرئيس جمال عبد الناصر هذه السيارة من 29 يونيو 1966 وحتى وفاته في 28 سبتمبر 1970.
وهي سيارة مكشوفة ذات سقف متحرك، مزودة بمحرك ثماني الأسطوانات، وناقل حركة هيدروماتيك، وزجاج كهربائي، ونظام توجيه معزز، وفاصل داخلي. ويبلغ طولها نحو 6.2 متر، بما يعكس طبيعتها البروتوكولية المخصصة للمواكب والاستقبالات الرسمية.
مرسيدس 600 نصف كابورليه موديل 1967
تُعد مرسيدس 600 من أشهر السيارات الرسمية في العالم خلال تلك المرحلة، واستخدمتها قصور الحكم وقادة دول عديدون. ويضم متحف قصر القبة نسخة نصف مكشوفة استخدمها عبد الناصر ضمن سيارات الرئاسة.
زيل ماستر موديل 1964
يمتلك المتحف كذلك سيارة «زيل ماستر» سوفيتية الصنع استخدمها عبد الناصر، مزودة بمحرك ثماني الأسطوانات، وتكييف، وزجاج كهربائي، وفاصل داخلي، ومقاعد خلفية متحركة.
ويبلغ طولها نحو 6.05 متر، وكانت طبيعة تصميمها تتلاءم مع الاستخدام الرسمي والمواكب الرئاسية.
ا
ولا تعني هذه القائمة أنها تضم جميع السيارات التي استخدمها عبد الناصر، لكنها تمثل النماذج الموثقة والمعروضة ضمن مقتنيات الرئاسة.
كيف انتقلت السيارة محل الواقعة إلى ملكية خاصة؟
وفق بيان الداخلية، اشترى والد صاحب المخزن السيارة من مزاد علني عام 1981، أي بعد وفاة عبد الناصر بأكثر من عشر سنوات، وفي العام نفسه الذي شهد اغتيال الرئيس أنور السادات.
والبيع في مزاد علني يعني – من حيث الأصل – أن السيارة خرجت بصورة قانونية من ملكية الجهة التي طرحتها، وانتقلت إلى مشترٍ خاص. لكن القيمة التاريخية للسيارة قد تبقى قائمة حتى بعد انتقال الملكية.
وهنا تظهر فجوة مهمة: فالملكية الخاصة تمنح صاحب السيارة حقوق التصرف فيها وفق القانون، لكن ارتباط المركبة بشخصية تاريخية أو حدث وطني يطرح ضرورة وجود نظام منفصل لتسجيلها بوصفها مقتنى تراثيًا، دون نزع ملكيتها من صاحبها.
وكان مالك السيارة قد سلّم لوحاتها إلى المرور عام 1995، ما أنهى وضعها كمركبة مرخصة للسير، لكنه لا يحسم وضعها كمقتنى تاريخي محتمل.





