جريدة اخبارية شاملة
رئيس التحرير طارق شلتوت
بنك مصر داخل المقالة

د. حمادة جمال ناجي يكتب.. خمسون عاماً على حرب أكتوبر.. كيف نستعيد روحها للأجيال الحالية؟

خمسون عاماً على حرب أكتوبر.. كيف نستعيد روحها للأجيال الحالية
ليست الحروب مجرد اختباراً لشجاعة الشعوب فحسب بل هي بمثابة امتحان لتفكيرهم ومعنوياتهم وذكائهم وحضارتهم، ولقد كان العبور من الانكسار إلى الانتصار في حرب أكتوبر من أصعب الاختبارات التي مرت على مصر في تاريخها المعاصر، حيث اعتمدت مصر، في تحريرها لأراضيها، على مختلف وسائل النضال، سواء كان ذلك عن طريق الكفاح المسلح أو عن طريق الكفاح السياسي والدبلوماسي، ولقد تلخصت العبقرية المصرية في تلك الحرب عن طريق أربع ركائز أساسية، وهم “الإصرار على النصر، والتخطيط العلمي الاستراتيجي السليم، وترابط الشعب وتلاحمه مع الجيش، وقوة وعزيمة الجيش المصري الباسل”.
فبالنسبة للركيزة الأولى “الإصرار على النصر” فقد كان الإحساس بمرارة الهزيمة في حرب يونيو 1967م من أشد الدوافع التي جعلت الجيش المصري يُصر على مبدأه الغير مجزأ “إما النصر واستعادة الأرض، وإما الشهادة”، بل ظهرت مقولة أكثر شجاعة من ذلك رفعت شعار “النصر أو النصر”، وهذا الأمر جعل شهود العيان، من الضباط المصريين الذين حضروا تلك المعركة، يقولون أن حرب أكتوبر لم تعرف معنى المستحيل. فالإيمان الشديد بنصر الله جعل الجنود المصريين يستشعرون بروح غير عادية تخطت كل الصعاب والآلام.
وأما الركيزة الثانية “التخطيط الاستراتيجي العلمي السليم” فقد أثبت أن حرب أكتوبر لم تكن وليدة الصدفة، بل كان هناك خُطة مُحكمة اعتمدت على التخطيط السليم، والخداع الاستراتيجي، بهدف تحقيق النصر بأقل خسائر ممكنة، مع معدات وآلات حربية لم تصل بإمكانياتها إلى نصف معدات العدو، والمُدقق في المُخَطَّط العسكري المصري، لتلك الحرب، يُلاحظ أنه لم يكن تقليدياً بالمقارنة مع حروب القرن العشرين، حتى أنها خرجت عن المألوف، وحاولت تطوير الخطط العسكرية، وأكبر مثال على ذلك هو ميعاد ساعة الصفر، فمعظم الحروب تبدأ مع أول ضوء في النهار أو مع آخر ضوء، ولكن حرب أكتوبر ضربت في ذلك عرض الحائط، واشتعلت فتيلتها في منتصف النهار “الساعة الثانية ظهراً”، وهو أمر غير معتاد.
وأما الركيزة الثالثة “تلاحم الشعب مع الجيش” فقد انتشر في وسط المجتمع المدني ما يُمكن أن نُسميه بالوعي العسكري والحربي، لدرجة أن الشعب المصري كان يُتابع الالتحامات والاشتباكات بين الجيشين المصري والإسرائيلي على طول الخط، حتى في فترة اللاسلم واللاحرب التي انتظر فيها الانتصار بفارغ الصبر.
وأما بالنسبة للركيزة الرابعة “”قوة وعزيمة الجيش المصري” فيمكننا القول أن سبب انتصار القوات المسلحة في ملحمة أكتوبر لم يكن يعتمد على القوة الجسدية بقدر ما كان يعتمد على القوة الروحية التي بثها الله في نفوس الجنود المصريين آنذاك، لدرجة أن بعض شهود العيان الذين حضروا تلك الحرب كانوا يصفون بعض أفعالهم، أثناء ملحمة أكتوبر، بأوصاف هائلة، حتى أن الجند المصري أثناء العبور كان يحمل على ظهره الكثير من المعدات الحربية الثقيلة بروح معنوية عالية جعلته يتيقن بأن المستحيل مجرد كلمة فقط.
وإذا كان حديثنا عن روح أكتوبر؛ فكيف يمكننا استعادتها للأجيال الحالية؟
لكي نصل إلى إجابة نموذجية لهذا السؤال فلابد أن نؤكد أولاً على أن روح أكتوبر اعتمدت على المعنويات المرتفعة لدى الجيش المصري، وتلك المعنويات “قوة” ليست من اليسير أن تقوم، وإذا قامت ليس من السهل انهيارها، وهذا يعني أن قوة الذات يمكنها أن تحقق المستحيل حتى أن المؤرخين العسكريين أجمعوا على أن حرب أكتوبر كانت الحرب الأكبر بعد الحرب العالمية الثانية، لأنها قلبت موازيين القوى، وأبهرت العالم بعبقرية التخطيط حتى صارت معجزة القرن العشرين، وكبدت إسرائيل خسائر كثيرة عانت منها فترة زمنية طويلة.
بالإضافة إلى أن ملحمة أكتوبر كانت سبباً رئيسياً في تغيير مجرى التاريخ بالنسبة لمصر ومنطقة الشرق الأوسط بأثره، ومحت شعور الهوان عند العرب وجرحت كبرياء إسرائيل التي أذاعت أنها تمتلك جيشاً لا يُقهر، بل تسببت الحرب في كوارث اجتماعية كبيرة لدى الطوائف اليهودية، وأولها هو انهيار الجو النفسي لكل يهودي داخل إسرائيل، وظهرت مآسي اجتماعية ومشاكل نفسية لدى الكثير من اليهود دفعتهم إلى الهجرة المضادة، والهروب سراً من الأراضي المحتلة، بل زاد الشك والقلق بين الطوائف الصهيونية، وبدأ الجميع يتساءل “إلى متى تستمر الحرب؟، وهل يجب أن نموت من أجل الفكرة الصهيونية؟”، وفي المقابل أدرك المجتمع المصري أن ما قدمه من تضحيات تجاه وطنه الحبيب “مصر” كانت بمثابة خطوات نحو العزة والكرامة؛ فالأرض هي العِرض، واحساس المصري بأن أرضه، أو جزء منها، يتحكم فيها عنصر غريب “مُغتصب ومُحتل” جعلت الأسر المصرية تقدم أبنائها فداءً لتلك الأرض، وأوصت كل أم أبنها بأن يذهب ليستعيد أرضه، أو يموت عليها.

دكتور جامعي بقسم التاريخ- كلية الآداب- جامعة حلوان
كاتب سابق لدى العديد من الجرائد والمجلات الثقافية
إيميل / [email protected]