
دخلت أسعار الكهرباء في مصر مرحلة جديدة، بعدما أعلنت وزارة الكهرباء تعديل التعريفة المحاسبية لشرائح الاستهلاك المنزلي بمتوسط عام يبلغ نحو 12%، مع تثبيت سعر الشريحة الأولى دون تغيير، في محاولة للجمع بين حماية محدودي الاستهلاك وتقليص الفجوة المتزايدة بين تكلفة إنتاج الكهرباء وما يسدده المواطن.
ويأتي القرار في توقيت شديد الحساسية، بالتزامن مع ارتفاع استهلاك المنازل خلال فصل الصيف، ما يعني أن زيادة الفاتورة قد لا تنتج عن تعديل التعريفة فقط، وإنما أيضًا عن زيادة عدد الكيلووات المستهلكة والانتقال إلى شريحة محاسبية أعلى.
لماذا رفعت الحكومة أسعار الكهرباء؟
تستند الحكومة في تبرير الزيادة إلى ارتفاع تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، خصوصًا مع زيادة أسعار الوقود المستخدم في محطات التوليد، إلى جانب تكاليف التشغيل والصيانة وتطوير الشبكات.
وبحسب البيانات المعلنة، تتحمل الدولة نحو 100 مليار جنيه سنويًا تمثل الفارق بين التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء والتعريفة التي يدفعها المشتركون، ما يعني أن تعديل الأسعار لا يلغي الدعم، وإنما يقلص جانبًا من هذه الفجوة.
وتؤكد منظومة التسعير أن التعريفة الجديدة جاءت بعد دراسات فنية ومالية، مع مراعاة البعد الاجتماعي وتوجيه الجزء الأكبر من الدعم إلى أصحاب الاستهلاك المنخفض.
تثبيت الشريحة الأولى لحماية الأقل استهلاكًا
يمثل الإبقاء على سعر الشريحة الأولى دون تغيير الرسالة الاجتماعية الأبرز في القرار، إذ تستهدف الحكومة حماية الأسر التي تستهلك كميات محدودة من الكهرباء.
وتوضح الأرقام الحكومية أن المواطن عند استهلاك 50 كيلووات ساعة يسدد نحو 25% فقط من التكلفة، بينما تتحمل الدولة قرابة 103 جنيهات. وعند استهلاك 100 كيلووات، يدفع المشترك نحو 30%، مقابل تحمل الدولة 191 جنيهًا.
لكن تثبيت أول شريحة لا يعني بالضرورة ثبات الفاتورة لجميع الأسر محدودة الدخل؛ إذ إن تجاوز حد الاستهلاك المقرر ينقل المشترك إلى شرائح أعلى تخضع للتعريفة الجديدة.
كلما ارتفع الاستهلاك انخفض الدعم
تعتمد السياسة الجديدة على تخفيض الدعم تدريجيًا كلما زاد استهلاك المنزل.
فعند استهلاك 200 كيلووات ساعة، يتحمل المواطن نحو 42% من التكلفة، بينما تدعم الدولة الفاتورة بنحو 318 جنيهًا. وعند استهلاك 300 كيلووات، ترتفع مساهمة المواطن إلى 49%، مقابل تحمل الخزانة 419 جنيهًا.
وفي فاتورة استهلاك 400 كيلووات، يدفع المشترك نحو 54% من التكلفة الفعلية، بينما تتحمل الدولة 500 جنيه، وترتفع مساهمته إلى 59% عند استهلاك 500 كيلووات، مقابل دعم يبلغ 560 جنيهًا.
أما عند استهلاك 600 كيلووات، فيتحمل المواطن 62%، وتدعم الدولة الفاتورة بنحو 620 جنيهًا. ومن يستهلك بين 700 وألف كيلووات يتحمل قرابة 88% من التكلفة، في حين يسدد مستهلك 2000 كيلووات كامل قيمة التكلفة دون دعم.
وتعني هذه المعادلة أن الأسر ذات الاستخدام المرتفع للتكييفات والسخانات والأجهزة كثيفة الاستهلاك ستكون الأكثر تأثرًا بالقرار.
هل ترتفع كل الفواتير بنسبة 12%؟
لا يعني متوسط الزيادة المعلن أن فاتورة كل منزل سترتفع بالنسبة نفسها.
فالزيادة الفعلية تتحدد وفق حجم الاستهلاك، والشريحة التي يقع فيها المشترك، ومدى انتقاله بين الشرائح، إلى جانب الرسوم وطريقة المحاسبة.
وقد ترتفع فاتورة أحد المنازل بأكثر من 12% إذا زاد استهلاكه بالتزامن مع تطبيق التعريفة الجديدة، بينما يكون الأثر محدودًا على منزل آخر يحافظ على استهلاك منخفض.
كما أن عدم إعلان جدول تفصيلي كامل لسعر الكيلووات داخل كل شريحة يجعل من الصعب حساب قيمة الفاتورة الجديدة بدقة اعتمادًا على المتوسط العام وحده.
من الأكثر تأثرًا؟
يمكن تقسيم المشتركين إلى ثلاث فئات رئيسية:
محدودو الاستهلاك: يحصلون على أكبر قدر من الحماية مع تثبيت الشريحة الأولى واستمرار الدعم الحكومي المرتفع.
متوسطو الاستهلاك: وهم الأكثر عرضة لزيادة ملموسة، خصوصًا الأسر التي يتراوح استهلاكها بين 200 و600 كيلووات شهريًا.
مرتفِعو الاستهلاك: يتحملون النسبة الأكبر من التكلفة، ويقترب الدعم الموجه إليهم من التلاشي مع الوصول إلى مستويات الاستهلاك العليا.
الصيف يضاعف أثر القرار
تزامن تعديل الأسعار مع ذروة الأحمال الصيفية يزيد حساسية القرار، إذ يرتفع تشغيل أجهزة التكييف والمراوح والثلاجات والمجمدات خلال موجات الحرارة.
ولهذا، قد يشعر المواطن بأن الفاتورة ارتفعت بصورة أكبر من متوسط الزيادة المعلن، لأن التعريفة الجديدة ستطبق على استهلاك صيفي مرتفع بالفعل.
ويصبح ضبط التكييف عند درجات معتدلة، وتنظيف الفلاتر، وإيقاف السخانات عند عدم الحاجة، وفصل الأجهزة من وضع الاستعداد، وسائل مهمة لتجنب تجاوز حدود الشرائح الأعلى.
أثر محتمل على التضخم
رغم أن القرار المعلن يركز على الاستخدام المنزلي، فإن الكهرباء تمثل عنصرًا أساسيًا في تكلفة إنتاج وتشغيل العديد من الأنشطة الاقتصادية.
وأي زيادات تمتد إلى الاستخدامات التجارية أو الصناعية قد تنعكس على تكلفة تشغيل المحال والمصانع ومخازن التبريد والخدمات، ثم تنتقل جزئيًا إلى أسعار السلع.
ويتوقف حجم هذا التأثير على نسبة الكهرباء داخل تكلفة كل نشاط، وقدرة المنتجين والتجار على امتصاص الزيادة بدلًا من تحميلها كاملة للمستهلك.
هل تكفي زيادة الأسعار لحل أزمة القطاع؟
توفر التعريفة الجديدة إيرادات إضافية لشركات الكهرباء، لكنها لا تمثل حلًا منفردًا لجميع التحديات المالية التي تواجه المنظومة.
فخفض الفجوة يحتاج بالتوازي إلى تقليل الفاقد الفني والتجاري، وتحسين التحصيل، ومواجهة سرقات التيار، ورفع كفاءة محطات الإنتاج، والتوسع في الطاقة المتجددة وتطوير شبكات النقل والتوزيع.
كما أن تحميل المواطن جزءًا أكبر من التكلفة يجب أن يقابله تحسن واضح في استقرار التيار، وجودة الخدمة، ودقة العدادات، وسرعة التعامل مع الأعطال والشكاوى.
لماذا قررت الحكومة زيادة أسعار الكهرباء
تحاول الحكومة من خلال زيادة أسعار الكهرباء بمتوسط 12% تحقيق توازن بين الحفاظ على دعم أصحاب الاستهلاك المنخفض وتقليل الأعباء المالية المتزايدة على قطاع الكهرباء.
لكن التأثير الحقيقي للقرار لن يتضح من النسبة العامة وحدها، بل من قيمة الفاتورة التي تصل إلى كل منزل، خصوصًا خلال أشهر الصيف. وسيظل الاختبار الأساسي هو مدى نجاح تثبيت الشريحة الأولى في حماية محدودي الاستهلاك، وقدرة الأسر المتوسطة على تجنب الانتقال إلى شرائح أعلى، مقابل تحسن ملموس في كفاءة الخدمة واستدامة منظومة الكهرباء.





