
لم يكن المؤتمر الصحفي لإطلاق مشروع “سيتادل بلازا” مجرد إعلان عن مشروع عقاري جديد يضاف إلى خريطة الاستثمار والسياحة في مصر، بل بدا أقرب إلى لحظة إنسانية تختلط فيها مشاعر الوفاء بالحلم، وتلتقي فيها الذاكرة بالمستقبل، بينما يقف المهندس خالد نصير متحدثًا عن مشروع بدأه والده الراحل محمد نصير قبل أكثر من عشرين عامًا، ليعود اليوم إلى الحياة بصورة أكبر وأكثر نضجًا وطموحًا.
كان واضحًا في كلمات خالد نصير أن “سيتادل بلازا” بالنسبة له ليس مجرد استثمار بقيمة 11 مليار جنيه، أو مشروع سياحي ضخم يقام أمام قلعة صلاح الدين، وإنما حكاية طويلة بدأت بفكرة آمن بها والده مبكرًا، حين رأى أن القاهرة التاريخية تستحق أن تعود إلى قلب الحياة من جديد.
في حديثه، لم يتعامل خالد نصير مع المشروع باعتباره مجموعة مبانٍ وفنادق ومطاعم، بل كرسالة تقدير لمدينة تحمل ذاكرة المصريين، ومحاولة لإعادة الروح إلى منطقة ظلت لسنوات طويلة تحمل من الجمال والتاريخ أكثر مما تحمله من الحياة.
البداية.. سؤال غيّر مصير المكان
تعود الحكاية — كما يرويها خالد نصير — إلى ملاحظة بسيطة طرحها أحد الخبراء الأجانب المقيمين في القاهرة، والذي كان يقطع يوميًا الطريق بين المعادي ومصر الجديدة، قبل أن يتوقف يومًا أمام قطعة الأرض المقابلة للقلعة متسائلًا: كيف يبقى هذا المكان بكل هذه القيمة بلا روح؟
كان الرد وقتها أن الأرض مخصصة لنقل المكاتب فقط، لكن الرجل لم يقتنع. رأى أن الموقع ليس مجرد قطعة أرض، بل نقطة تتوسط القاهرة الكبرى كلها، وأنه يستحق مشروعًا يعيد اكتشاف المنطقة بالكامل، لا مجرد استخدام إداري تقليدي.
ربما بدت الفكرة وقتها بعيدة أو حالمة، لكنها وجدت من يؤمن بها داخل عائلة محمد نصير، لتبدأ رحلة طويلة من التفكير والتخطيط والتحديات، استمرت أكثر من عقدين كاملين، حتى وصلت اليوم إلى صورتها الحالية.
حين يتحول الاستثمار إلى حنين
في كل مرة كان خالد نصير يتحدث عن القاهرة التاريخية، بدا الأمر وكأنه حديث شخصي للغاية، أقرب إلى علاقة وجدانية مع المكان، لا مجرد رؤية استثمارية.
كان يتحدث عن الحنين المتزايد لدى الأجيال الجديدة تجاه الهوية المصرية، وعن شغف العالم بالتجارب التراثية الحقيقية، في زمن أصبحت فيه المدن الحديثة متشابهة، والواجهات الزجاجية متكررة، والروح غائبة.
ولهذا، لم يكن الهدف من “سيتادل بلازا” إنشاء مشروع فندقي فقط، بل تقديم تجربة كاملة تعيد الزائر إلى قلب القاهرة القديمة، إلى الحكايات والعمارة والحرف والذاكرة.
مشروع يطل على التاريخ
يقع “سيتادل بلازا” على مساحة 60 ألف متر مربع أمام قلعة صلاح الدين، في واحد من أكثر المواقع حساسية وقيمة في القاهرة التاريخية.
ورغم ضخامة المشروع، كان التحدي الأكبر هو كيفية بناء مشروع حديث دون أن يفقد المكان روحه أو يعتدي على هويته البصرية والتاريخية.
لهذا جاء التعاون مع اللجنة القومية لحماية وتطوير القاهرة التاريخية، والالتزام بالمعايير المرتبطة بإرشادات منظمة اليونسكو، ليصبح المشروع محاولة لتحقيق معادلة صعبة: أن تبني للمستقبل دون أن تهدم الماضي.
550 غرفة فندقية.. لكن الحكاية أكبر من الأرقام
سيضيف المشروع نحو 550 غرفة فندقية و70 شقة فندقية متكاملة الخدمات، وهي أرقام تعكس حجم المشروع وأثره المتوقع على القطاع السياحي، لكن خالد نصير بدا حريصًا على التأكيد أن قيمة “سيتادل بلازا” لا تُقاس بعدد الغرف فقط.
بالنسبة له، المشروع منصة لإحياء التراث المصري، ومساحة مفتوحة للحرف التقليدية والصناعات اليدوية والثقافة المحلية، ومحاولة لإعادة تقديم الهوية المصرية بصورة تليق بها أمام العالم.
حتى فكرته عن “السياحة التجريبية” لم تكن مجرد مصطلح تسويقي، بل فلسفة قائمة على أن السائح لم يعد يبحث فقط عن مكان يقيم فيه، وإنما عن تجربة يشعر فيها بروح المدينة وثقافتها وتفاصيلها الإنسانية.
«هذا ليس مشروعًا فقط»
في لحظات كثيرة بدا خالد نصير وكأنه يتحدث عن مسؤولية أكثر من حديثه عن مشروع استثماري.
قال إن البعض رأى أن الفكرة ليست اقتصادية بما يكفي، وربما لا تحقق عوائد مباشرة، لكنه كان يرى الأمر بصورة مختلفة تمامًا.
كان يرى أن الحفاظ على التراث وإحياء الحرف والثقافة المصرية لا يقل أهمية عن بناء مستشفى أو مدرسة، وأن القيمة الحقيقية لبعض المشروعات لا تُقاس فقط بالأرباح، وإنما بالأثر الذي تتركه في وجدان الناس وفي صورة المدينة نفسها.
رحلة طويلة حتى الميلاد
لم تكن رحلة “سيتادل بلازا” سهلة.
المشروع مر بمراحل طويلة من إعادة التصميم والتطوير، وتأثر بتغيرات السوق والاشتراطات الخاصة بالمناطق التراثية والحاجة إلى التوافق مع معايير دقيقة مرتبطة بالقاهرة التاريخية.
لكن ربما لهذا السبب تحديدًا بدا إطلاق المشروع وكأنه نهاية فصل طويل من الانتظار، وبداية فصل جديد تحاول فيه القاهرة القديمة أن تستعيد مكانتها داخل خريطة السياحة العالمية.
رسالة وفاء
في النهاية، بدا “سيتادل بلازا” أكثر من مجرد مشروع عقاري أو سياحي.
كان أقرب إلى رسالة وفاء يوجهها الابن إلى والده، ومحاولة لإكمال حلم قديم ظل معلقًا لسنوات طويلة حتى وجد من يعيده إلى الحياة.
ولهذا ربما كان العنوان الأكثر صدقًا للمشروع هو نفسه الحكاية:
«سيتادل بلازا».. الحلم الذي بدأه محمد نصير قبل 20 عامًا يكتمل اليوم على يد نجله خالد نصير





