
أكد د. م. محمد طلعت أن المرحلة الحالية التي يشهدها قطاع العمارة والتطوير العمراني في المنطقة العربية تتطلب إعادة صياغة مفهوم العمارة الحديثة، بحيث لا تقتصر على تقديم مبانٍ ذات حضور بصري لافت، وإنما تمتد لتوفير حلول عمرانية أكثر تأثيرًا في جودة الحياة والهوية والاستدامة الاقتصادية.
العمارة الاستعراضية لم تعد كافية
وقال طلعت، على هامش مشاركته في مؤتمر عمان الدولي للعمارة، إن المشهد المعماري العربي خلال السنوات الماضية انشغل بصورة كبيرة بفكرة “العمارة الاستعراضية” القائمة على الواجهات المبهرة والكتل الضخمة، في وقت تتجه فيه المدارس المعمارية العالمية الحديثة إلى مفاهيم أكثر عمقًا ترتبط بكفاءة التشغيل ومرونة الاستخدام وخلق تجربة إنسانية متكاملة داخل المشروع.
وأضاف أن دور المعماري لم يعد يقتصر على تصميم مبنى جميل فقط، بل أصبح مسؤولًا عن بناء علاقة متوازنة بين الإنسان والمكان، مشيرًا إلى أن نجاح أي مشروع لم يعد يقاس بسرعة بيعه أو فخامة تصميمه، وإنما بقدرته على الحفاظ على قيمته الوظيفية والبصرية والاستثمارية لسنوات طويلة.
فرصة تاريخية أمام المدن العربية
وأوضح طلعت أن المدن العربية، خاصة المدن الجديدة في مصر ودول الخليج، تمتلك فرصة تاريخية لتقديم نموذج عمراني مختلف، في ظل الاستثمارات الضخمة التي يتم ضخها في البنية التحتية والتوسع العمراني.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الإنفاق أو سرعة البناء، بل في كيفية استثمار هذه الطفرة لإنتاج بيئات معمارية تحمل هوية محلية معاصرة، بعيدًا عن استنساخ نماذج عالمية لا تعكس طبيعة المجتمعات العربية أو احتياجاتها المناخية والثقافية.
أزمة “الهوية المرنة” في العمارة الحديثة
وأكد أن أحد أبرز التحديات التي تواجه العمارة الحديثة في المنطقة يتمثل في غياب ما وصفه بـ”الهوية المرنة”، موضحًا أن العديد من المشروعات تقع بين اتجاهين متناقضين؛ الأول يعتمد على تقليد الطرز الغربية بصورة كاملة، والثاني يتمسك بالتراث بشكل حرفي دون تطوير.
وشدد على أن المعادلة الحقيقية تكمن في إنتاج عمارة معاصرة تستلهم البيئة والثقافة المحلية، دون أن تنفصل عن متطلبات العصر والتكنولوجيا الحديثة.
التصميم الداخلي يتجه نحو البساطة الذكية
وفيما يتعلق بالتصميم الداخلي، أوضح طلعت أن المفهوم التقليدي للفخامة بدأ يتراجع لصالح مساحات أكثر هدوءًا وذكاءً ومرونة، تتماشى مع أنماط الحياة الحديثة ومتغيرات الاستخدام اليومي.
وأضاف أن العميل أصبح أكثر وعيًا بالجوانب النفسية والوظيفية داخل الفراغات المعمارية، ولم يعد اهتمامه مقتصرًا على الشكل العام أو التفاصيل البصرية فقط.
“العمارة الهادئة” تتصدر المشهد مستقبلًا
وتوقع طلعت أن تشهد السنوات المقبلة صعودًا واضحًا لما وصفه بـ”العمارة الهادئة”، وهي العمارة التي تعتمد على الراحة البصرية وكفاءة الطاقة والتفاعل الطبيعي مع الضوء والتهوية والخامات، معتبرًا أن هذا الاتجاه أكثر قدرة على الاستدامة والبقاء مقارنة بالمشروعات التي تعتمد فقط على الإبهار المؤقت.
رؤية طويلة المدى لمستقبل العمارة العربية
وأكد أن العمارة العربية تمتلك إمكانيات كبيرة تؤهلها للمنافسة عالميًا، خاصة مع ظهور جيل جديد من المعماريين يمتلك أدوات معرفية وتكنولوجية متطورة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التحدي الحقيقي يتعلق بامتلاك رؤية معمارية طويلة المدى تحقق التوازن بين الاقتصاد والجمال والإنسان.
واختتم طلعت تصريحاته بالتأكيد على أن العمارة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الأبراج أو ضخامة الكتل الخرسانية، وإنما بقدرتها على صناعة ذاكرة بصرية وإنسانية مستدامة، موضحًا أن المشروع الناجح هو الذي يظل صالحًا للحياة بعد سنوات طويلة من تنفيذه، وليس فقط صالحًا للتسويق عند إطلاقه.





