جريدة اخبارية شاملة
رئيس التحرير طارق شلتوت

طارق الحوسني رئيس مجلس إدارة مجموعة زيرو جرافيتي ـ أبوظبي يكتب: السباق على الكهرباء: لماذا تستحوذ جوجل على شركة كهرباء بصفقة مليارية ضخمة..؟!

كلنا يعلم أنّ الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج، بل هو قوّة استراتيجية تحرّكها الكهرباء، ومن يمتلك الكهرباء يمتلك العالم، أو على الأقل مفاتيح تشغيله. لذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروع خوارزميات بقدر ما أصبح مشروع طاقة. فورا وراء الواجهات البرمجية والنماذج الذكية التي تُحاكي العقل البشري، تقبع أزمة أكثر صمتاً وخطورة: أزمة الكهرباء التي لا تكفي لضخّ البيانات وتخزينها، خاصة مع تزايد الطلب المتسارع من الشركات الكبرى على الكهرباء ووجود شبكات تقليدية متهالكة.

السباق الحقيقي على الكهرباء وليس البرمجة

- Advertisement -

هنا يبدأ السباق الحقيقي، لا على الذكاء، ولا على الكود المُبتكر، وإنما على من يملك مفاتيح تشغيله. وتشير الوقائع إلى تحوّل استراتيجي واضح لدى عمالقة التكنولوجيا نحو السباق المحموم لضمان طاقة مستدامة لمراكز البيانات.

فالشركة العملاقة “إيتون” تستحوذ على “فايبر بوند” لتأمين البنى التحتية الكهربائية، وشركة “ميتا” توقّع عقود شراء طاقة طويلة الأجل لتغذية مراكز بياناتها، بينما تعتمد “أوبن آي” نموذج الشراكات واستئجار القدرة والطاقة معاً، مراهنة على تحمّل الشركاء عبء الشبكات والقيود التنظيمية.

أما “ألفابت”، الشركة الأم لجوجل، فقد اختارت الحل الجذري، بالاستحواذ على شركة الطاقة “إنترسيكت” مقابل 4.75 مليار دولار نقداً مع تحمّل ديونها، في خطوة تتجاوز البرمجة إلى امتلاك المصدر بشكل كامل.

صفقات الطاقة كإقرار بأزمة الشبكات الحالية

هذه الصفقة لا يمكن قراءتها كتوسّع مالي فحسب، بل كإقرار ضمني بأن الشبكات الحالية لم تعد قادرة على حماية ثورة الذكاء الاصطناعي. فالخوارزمية قد خسرت حقاً أمام الفيزياء، ولا معنى لوجودها من دون كهرباء، لأن من يملك المحوّلات الكهربائية ويؤمن الطاقة المستدامة هو من يقرر من سيعمل غداً ومن سيصمد.

التحدي الاستراتيجي أمام عمالقة التكنولوجيا

وعلى هذه الشركات العملاقة أن تكون حامية لثورة الذكاء الاصطناعي التي أوجدتها، وهي الثورة التي لا غنى لها عن الفيزياء مهما قدّمت من اختراعات مبتكرة. ومع عام 2026، يبدو أننا أمام صفقات استحواذ كبرى قادمة، يفرضها الواقع الجيوسياسي والحاجة إلى استدامة الطاقة.

الصفقات الرسمية وروايات حماية المستقبل

تتحدث الرواية الرسمية لجوجل عن “تأمين المستقبل” وبناء محطات توليد موازية لمراكز البيانات ضمن نموذج اندماج رأسي يحمي المستخدمين من تقلّبات الأسعار. لكن هذا المنطق يكشف عن أزمة أعمق: الاستقلال الحقيقي لا يُشترى بالأصول، بل يُبنى بالتصميم، ومن يملك الرؤية يمكنه تغيير قواعد اللعبة بابتكار حلول مختلفة بدلًا من الاستسلام للمال والديون.

السؤال الجوهري: لماذا لا تبتكر شركات الذكاء الاصطناعي حلول طاقية؟

يطرح السؤال الجوهري: لماذا تعجز شركات تقود الذكاء الاصطناعي عن ابتكار حلول طاقية مستدامة رغم امتلاكها رأس المال والبيانات والعقول؟ خمسة مليارات دولار كانت كفيلة بإشعال ثورة في كفاءة الحوسبة أو تخزين الطاقة، أو ابتكار حلول استباقية للاستهلاك الذاتي للذكاء الاصطناعي، لكن الخيار الأسهل كان شراء أصول مادية مثقلة بالديون.

التحوّل من البرمجيات إلى تشغيل مرافق الكهرباء

المال لا يعالج مشاكل الرؤية، بل يؤجل انفجارها. بعض الشركات أجلّت ملف الكهرباء بالدَّين لأنها لم توفق في حلّه بالابتكار أو الاستثمار، وهذا ليس نجاحاً، وإنما استسلام أو كسل تقني لصالح القرار الاستراتيجي. جوجل تتحول من عملاق برمجيات وبيانات إلى مشغّل مرافق كهرباء، حيث كل دولار يُنفق على الأسلاك والتوربينات هو دولار لم يُستثمر في مختبرات البحث والتطوير، حيث كان يمكن توليد الحل الجذري لحماية الذكاء بالذكاء نفسه.

الخلاصة: سباق الكهرباء يتقدّم على سباق الخوارزميات

في النهاية، نحن لا أمام سباق خوارزميات فقط، بل أمام سباق محموم على امتلاك الكهرباء. الفارق بين القادة والمُلّاك بسيط وخطير: القائد يعيد تعريف المشكلة، أما المال فيشتريها. يبقى السؤال مفتوحاً: هل تحمي هذه الصفقات الذكاء الاصطناعي من الفشل، أم تكشف حدود التوقعات المبنية حوله؟

وأخيراً، الذكاء لم يُخلق لتجاوز قوانين الفيزياء، بل ليعمل ضمنها وبأقصى كفاءة ممكنة.

التعليقات مغلقة.