تشهد السوق العقارية في مصر مرحلة دقيقة تتطلب إعادة ضبط العلاقة بين العميل والمطوّر، بعد سنوات من التقلبات الاقتصادية وارتفاع تكاليف التنفيذ وظهور أنماط جديدة من المطورين غير المؤهلين، وهي عوامل أدت إلى تآكل الثقة تدريجيًا بين الطرفين. وتكشف متابعة حركة السوق أن حجم الاحتياج الفعلي للوحدات لا يزال كبيرًا، وأن الطلب الحقيقي لم يتراجع، وإنما الثقة هي التي تراجعت بسبب غياب الشفافية، وتفاوت جودة التنفيذ، وتغيرات الأسعار المفاجئة، وهو ما خلق فجوة واضحة بين توقعات العملاء وما تقدمه بعض الشركات على أرض الواقع.
التأخير في التسليم وأثره على الثقة
لا شك أن أكبر سبب لاهتزاز الثقة يعود إلى التأخير المتكرر في مواعيد التسليم نتيجة ارتفاع تكاليف البناء بصورة غير مسبوقة، وهو ما وضع الشركات تحت ضغوط مالية لم تسمح بتنفيذ الجداول الزمنية المتفق عليها. وفي المقابل، يرى العملاء أن التغيرات الاقتصادية ليست مبررًا دائمًا، وأن غياب التواصل المباشر من جانب الشركات وعدم شرح أسباب التأخير هو ما صنع حالة القلق. كما مثّل اختلاف مواصفات التسليم عن المواد التسويقية أزمة أخرى ساهمت في توتير العلاقة، إذ يشعر العميل في بعض الأحيان أن المعلن لا يتطابق مع المنفذ، مما يفقده الإحساس بالجودة ويُضعف الانطباع العام عن المشروع.
سياسات التسعير والزيادات غير المبررة
يظهر عامل آخر يتعلق بسياسات التسعير، حيث أدّت الزيادات المتسارعة وغير المبررة أحيانًا إلى حالة ارتباك في السوق، خاصة عند العملاء الذين تعاقدوا في مراحل سابقة بأسعار مختلفة تمامًا. ويؤكد محللون أن غياب آليات واضحة لتحديد سعر الوحدة جعل السوق عرضة للتكهنات وأفقد العملاء الشعور بالاستقرار، بينما ساعد دخول ما يُعرف بـ «المطور الورقي» — الذي يبيع وحدات دون بنية مالية أو هندسية قوية — في زيادة تعقيد المشهد بعد تعثر العديد من المشروعات التي لم تتجاوز مرحلة الإعلان.
الشفافية والتواصل المباشر لحل الفجوة
وبرغم هذه التحديات، إلا أن الطريق لاستعادة الثقة لا يزال واضحًا، ويبدأ بالشفافية الكاملة في التواصل وإعلان نسب الإنجاز الفعلية، وإشراك العميل في تطورات المشروع بشكل دوري، بحيث يتلقى معلومات موثقة تؤكد التقدم الفعلي في مراحل التنفيذ. كما تعتمد استعادة الثقة على التزام الشركات بمعايير الجودة المتفق عليها وتطبيق سياسات رقابية داخلية صارمة تمنع أي تغيير في المواصفات دون موافقة مسبقة من العميل، وهو ما يعزز الشعور بالاحترافية ويلغي مساحة الشك.
تسعير مدروس وخدمة ما بعد البيع
تبرز هنا أهمية تبني الشركات لسياسات تسعير مدروسة تعتمد على بيانات التكلفة الحقيقية وليس على توقعات السوق أو المنافسين، مع توضيح أسباب أي زيادة بطريقة موضوعية ومنطقية. ويساعد هذا النهج في تهدئة مخاوف العملاء ويوضح لهم أن الأسعار تستند إلى معادلات واضحة وليست قرارات عشوائية. بالمقابل، تشكّل خدمة ما بعد البيع أحد أهم عناصر ترميم الثقة، إذ يرتبط تقييم العميل بالشركة بما يحدث بعد التسليم أكثر مما يحدث قبله، لذلك فإن الاستثمار في إدارة المشروعات والخدمات والصيانة يعزز القيمة المضافة ويحوّل العميل من مجرّد مشترٍ إلى شريك دائم يدافع عن المشروع.
استراتيجيات تعزيز الثقة وطرق التمويل
ومن بين السيناريوهات المطروحة لدعم الثقة، تبرز فكرة الاعتماد على التمويل البنكي في جزء من التنفيذ لتقليل الفجوة بين التدفقات النقدية والمصروفات الفعلية، كما يساهم نظام التسليم الجزئي المتدرج في إثبات الجدية وطمأنة العملاء بأن المشروع يتحرك فعليًا على الأرض. وفي المقابل، يمكن لمنظومة تصنيف المطورين التي بدأت الدولة في العمل عليها أن تلعب دورًا محوريًا في تقليل حالة الفوضى، عبر منح العميل صورة واضحة عن الملاءة المالية وسجل المشروعات السابقة لكل شركة.
الثقة رأس المال الحقيقي للمطورين
وتبقى الحقيقة الأساسية التي يتفق عليها الجميع أن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مطور عقاري، وأن استعادتها لا تتم بالشعارات أو الحملات التسويقية، وإنما بممارسات واقعية تعتمد على الوضوح والالتزام والانضباط. فالسوق المصرية تملك قدرة هائلة على النمو، والطلب الفعلي ثابت، ولكن النجاح خلال المرحلة القادمة سيكون من نصيب الشركات القادرة على التعامل مع العميل كشريك، واستبدال الوعود الكبيرة بسياسات تنفيذ واقعية ومستقرة ومستدامة.










التعليقات مغلقة.