جريدة اخبارية شاملة
رئيسي وادي دجلة
رئيس التحرير طارق شلتوت
بنك مصر داخل المقالة

منجم السكري بعد حادث العمال.. قصة «جبل الذهب» الذي ينتج نصف مليون أوقية سنويًا ويقود طموحات التعدين في مصر

 

وفاة عامل وإصابة 5 آخرين إثر سقوط صخرة داخل أحد الأنفاق تحت سطح الأرض تعيد منجم السكري إلى الواجهة

- Advertisement -

دخل الإنتاج التجاري عام 2009 وتحول إلى أكبر وأول منجم ذهب حديث في مصر وأحد أهم الأصول التعدينية بالصحراء الشرقية

500 ألف أوقية إنتاجًا خلال 2025.. والاحتياطيات الممتدة تفتح الباب أمام سنوات جديدة من استخراج الذهب

استحواذ «أنجلو جولد أشانتي» على «سنتامين» كشف القيمة العالمية للمنجم دون المساس بحقوق مصر أو إيراداتها

نحو 4900 عامل وموظف ومقاول ضمن منظومة التشغيل.. واستثمارات رأسمالية مستمرة لتطوير أحد أكبر المشروعات التعدينية في البلاد

مناطق استكشاف جديدة حول السكري.. والرهان يتجاوز منجمًا واحدًا إلى بناء صناعة ذهب متكاملة في الصحراء الشرقية

أعاد حادث مؤلم وقع داخل منطقة الأعمال تحت سطح الأرض في منجم السكري للذهب بالصحراء الشرقية، اليوم الأحد، واحدًا من أهم الأصول التعدينية في مصر إلى صدارة الاهتمام.

وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية وفاة العامل عبد الرحمن نبيل محمود وإصابة خمسة آخرين، إثر سقوط صخرة داخل أحد الأنفاق بمنطقة الأعمال تحت سطح الأرض في المنجم.

ووفق التقرير المبدئي الذي أعلنته الوزارة، جرى نقل المصابين على الفور إلى مستشفى جراحات اليوم الواحد بمدينة مرسى علم لتلقي الرعاية الطبية اللازمة، فيما أفادت التقارير الطبية الأولية بأن حالاتهم مستقرة.

ويعيد حادث عمال منجم السكري بطبيعة الحال ملف السلامة والصحة المهنية داخل أعمال التعدين تحت سطح الأرض إلى الواجهة، لكن اسم المنجم نفسه يفتح في الوقت ذاته ملفًا اقتصاديًا أكبر حول أحد أهم المشروعات التعدينية في تاريخ مصر الحديث.

فماذا يمثل منجم السكري للاقتصاد المصري؟ وكم ينتج من الذهب؟ وما حجم احتياطياته؟ ومن يديره؟ وكيف أصبحت قيمته محور صفقة استحواذ عالمية بمليارات الدولارات؟ وهل يمكن أن تتحول تجربة السكري من قصة نجاح لمنجم منفرد إلى قاعدة لصناعة ذهب أوسع في الصحراء الشرقية؟

منجم السكري.. «جبل الذهب» في قلب الصحراء الشرقية

يقع منجم السكري بالقرب من مدينة مرسى علم في الصحراء الشرقية، في منطقة ارتبط تاريخها بالبحث عن الذهب منذ عصور قديمة.

لكن الأهمية الحديثة للسكري بدأت مع تطويره وفق نموذج التعدين الصناعي واسع النطاق، ليصبح أكبر وأول منجم ذهب حديث في مصر.

ودخل المنجم مرحلة الإنتاج التجاري عام 2009، ومنذ ذلك الحين تحول تدريجيًا إلى مجمع تعديني متكامل، يجمع بين استخراج الخام من المنجم المكشوف والتعدين تحت سطح الأرض، إلى جانب منشآت معالجة الخام واستخلاص الذهب.

وهذه الطبيعة المركبة لعمليات التشغيل تفسر وجود شبكة من الأنفاق والأعمال التعدينية في باطن الأرض، وهي المنطقة التي شهدت حادث العمال الأخير.

500 ألف أوقية.. ماذا ينتج السكري الآن؟

تكشف أحدث بيانات التشغيل حجم المنجم بصورة أكثر وضوحًا.

فقد بلغ إنتاج السكري خلال عام 2025 نحو 500 ألف أوقية من الذهب، وفق البيانات الرسمية لشركة «أنجلو جولد أشانتي».

نصف مليون أوقية في عام واحد تضع السكري في موقع مختلف عن مجرد اكتشاف ذهبي أو مشروع تعدين ينتظر التطوير.

نحن أمام أصل إنتاجي قائم يمتلك بنية تحتية ومصانع معالجة وعمليات تعدين مكشوفة وتحت سطح الأرض، ويضخ مئات الآلاف من أوقيات الذهب سنويًا.

ولهذا لا تقاس أهمية السكري فقط بسعر الذهب الذي ينتجه، وإنما بما يرتبط بهذا الإنتاج من استثمارات وتشغيل وصادرات وتدفقات نقدية وعوائد تحصل عليها الدولة المصرية وفق الاتفاقيات المنظمة للمشروع.

ملايين الأوقيات ما زالت تحت الأرض

لكن قصة «جبل الذهب» لا تتوقف عند ما يخرج منه سنويًا.

وتشير أحدث بيانات «أنجلو جولد أشانتي» إلى أن الاحتياطيات المعدنية من الذهب المنسوبة إلى حصة الشركة في السكري بلغت نحو 2.36 مليون أوقية بنهاية 2025.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة؛ لأن الرقم يتعلق بالاحتياطيات المنسوبة إلى حصة الشركة الاقتصادية، وليس إجمالي احتياطيات المنجم.

وفي صناعة التعدين، لا تحدد قيمة المنجم بما ينتجه في عام واحد فقط، وإنما بحجم احتياطياته وموارده وقدرته على استمرار الإنتاج وتعويض الكميات المستخرجة باكتشافات واحتياطيات جديدة.

ومن هنا يستمر العمل في السكري بالتوازي على مسارين: استخراج الذهب اليوم، والبحث عن ذهب الغد.

تكلفة الأوقية.. الوجه الآخر لاقتصاد المنجم

إنتاج نصف مليون أوقية رقم ضخم، لكنه لا يكفي وحده للحكم على الأداء الاقتصادي لمنجم ذهب.

ففي صناعة التعدين العالمية، يمثل تكلفة إنتاج الأوقية أحد المؤشرات الرئيسية لتقييم كفاءة المنجم وقدرته على تحقيق عوائد في ظل تغير أسعار الذهب.

وبلغت التكلفة الشاملة المستدامة للإنتاج في السكري خلال 2025 نحو 1094 دولارًا للأوقية، وفق أحدث بيانات الشركة.

كما بلغت النفقات الرأسمالية للمنجم خلال العام نحو 262 مليون دولار بخلاف الإنفاق على المشروعات.

وهذه الأرقام تكشف أن تشغيل السكري ليس عملية استخراج مستمرة للذهب فحسب، وإنما نشاط يحتاج إلى إنفاق رأسمالي متواصل على المعدات والبنية التحتية وتطوير مناطق التعدين والحفاظ على قدرة المنجم الإنتاجية.

قرابة 4900 شخص وراء إنتاج الذهب

وراء سبائك الذهب والأرقام المالية مجتمع عمل كبير.

فوفق بيانات 2025، بلغ إجمالي العاملين والمقاولين المرتبطين بعمليات السكري نحو 4893 شخصًا.

وهذا الرقم يضع حادث العمال الأخير في سياق أكثر اتساعًا.

فالسكري ليس جبلًا يحتوي على الذهب فقط، وإنما منشأة صناعية وتعدينية ضخمة يعمل داخلها آلاف الأشخاص، موزعين بين التعدين المكشوف والعمل تحت سطح الأرض ومصانع المعالجة والأعمال الهندسية والفنية واللوجستية والخدمات.

ولهذا تصبح السلامة والصحة المهنية عنصرًا أساسيًا في استدامة المشروع، بنفس أهمية الإنتاج والتكاليف والاحتياطيات.

من يملك منجم السكري؟

كلما تصدر السكري الأخبار يعود السؤال نفسه: من يملك المنجم؟

ووفق الهيكل الاقتصادي المعلن للمشروع، تقوم الشراكة على حصة اقتصادية بنسبة 50% للشركة و50% للهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية والصناعات التعدينية، في إطار الاتفاقيات القانونية المنظمة لتنمية واستغلال الذهب في منطقة السكري.

وهذه النقطة أصبحت أكثر أهمية بعد الصفقة العالمية التي شهدها المنجم بصورة غير مباشرة في 2024.

فعندما استحوذت شركة «أنجلو جولد أشانتي» على شركة «سنتامين»، أكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية أن الصفقة لا تمس حقوق الدولة المصرية في منجم السكري أو إيراداتها منه، وأن اتفاقية الالتزام المنظمة للاستغلال تظل قائمة.

بمعنى آخر، ما انتقل في الصفقة كان ملكية الشركة، وليس ملكية حقوق مصر في المنجم.

لماذا دفعت شركة عالمية مليارات الدولارات للوصول إلى السكري؟

في سبتمبر 2024، أعلنت «أنجلو جولد أشانتي» اتفاقًا للاستحواذ على «سنتامين» في صفقة قُدرت عند الإعلان بنحو 2.5 مليار دولار من الأسهم والنقد.

واكتملت عملية الاستحواذ في نوفمبر من العام نفسه.

وكان منجم السكري هو الأصل الأبرز في محفظة سنتامين.

وتكفي هذه الحقيقة لفهم جزء كبير من القيمة الاقتصادية التي وصل إليها المنجم المصري عالميًا.

فإحدى كبريات شركات تعدين الذهب في العالم لم تكن تشتري بضعة تراخيص استكشاف، وإنما تدخل إلى أصل منتج بالفعل يمتلك احتياطيات وبنية تشغيلية وخبرة متراكمة وقدرة على إنتاج مئات الآلاف من الأوقيات.

وبعد إتمام الصفقة، أصبح السكري جزءًا من محفظة «أنجلو جولد أشانتي» العالمية، وتصنفه الشركة ضمن أصولها من المستوى الأول «Tier 1».

السكري.. أكثر من ذهب يخرج من الأرض

بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، لا تتوقف قيمة السكري عند عدد الأوقيات.

فالمنجم يعني استثمارات أجنبية وتشغيلًا وصادرات وتدفقات دولارية وأعمالًا للمقاولين والموردين ونقلًا للخبرات والتكنولوجيا في صناعة تحتاج إلى مستويات مرتفعة من المعرفة الفنية ورأس المال.

كما يمثل وجود أصل بهذا الحجم ورقة مهمة لمصر عند الترويج لقطاع التعدين أمام الشركات العالمية.

فالمستثمر لا يبحث فقط عن خرائط جيولوجية تقول إن الأرض تحتوي على الذهب؛ وإنما يبحث عن دليل على إمكانية تحويل الاكتشاف إلى منجم اقتصادي يعمل ويستمر ويحقق عائدًا.

والسكري يقدم هذا الدليل على الأرض منذ سنوات.

لماذا يمثل السكري نموذجًا مهمًا للدولة؟

تسعى مصر خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد وجذب استثمارات عالمية إلى البحث عن الذهب والمعادن.

وهنا يمثل السكري حالة عملية شديدة الأهمية.

فالمنجم بدأ كاستثمار في منطقة صحراوية، ثم تحول إلى أصل إنتاجي عالمي، وأصبح لاحقًا أحد أهم دوافع صفقة استحواذ بمليارات الدولارات.

ولهذا فإن نجاح مصر في تكرار النموذج عبر اكتشافات جديدة يمكن أن ينقل قطاع الذهب من الاعتماد الكبير على منجم واحد إلى صناعة تعدين متعددة المناجم والمستثمرين.

أنجلو جولد تبحث عن ذهب جديد حول السكري

وهنا تبدأ القصة الأكثر أهمية لمستقبل المنجم.

فـ«أنجلو جولد أشانتي» لا تنظر إلى السكري باعتباره حدود استثماراتها في مصر.

وتمتلك الشركة منطقتي استكشاف في الصحراء الشرقية بإجمالي مساحة يبلغ نحو 1389 كيلومترًا مربعًا، إحداهما تحيط بامتياز السكري.

وتكمن الأهمية الاقتصادية لذلك في إمكانية الاستفادة من البنية التحتية والخبرات ومنشآت المعالجة الموجودة بالفعل إذا أسفرت عمليات البحث القريبة عن اكتشافات تجارية جديدة.

أي أن قيمة السكري مستقبلًا قد لا تكون فقط في الذهب الموجود داخل حدود المنجم الحالي، وإنما في قدرته على أن يصبح قاعدة تشغيلية لمجموعة أوسع من الاكتشافات في الصحراء الشرقية.

من منجم واحد إلى مركز لصناعة الذهب؟

هذا الاحتمال يغير طريقة النظر إلى «جبل الذهب».

فالسكري يمتلك اليوم منشآت تعدين ومعالجة، وخبرات بشرية وفنية تراكمت على مدار سنوات، وشركة عالمية كبيرة تدير العمليات، فيما تستمر أعمال الاستكشاف في مناطق أخرى بالصحراء الشرقية.

وإذا تحولت بعض هذه المناطق إلى اكتشافات اقتصادية قابلة للإنتاج، فقد يصبح السؤال خلال السنوات المقبلة ليس: «كم ينتج منجم السكري؟»، وإنما:

هل يتحول السكري إلى مركز تعديني تنطلق منه صناعة ذهب أوسع في المنطقة؟

وهو تحول ستكون قيمته للاقتصاد المصري أكبر بكثير من زيادة إنتاج منجم منفرد.

حادث العمال.. السلامة قبل أرقام الإنتاج

وسط كل هذه الأرقام، يظل حادث الأحد تذكيرًا بأن صناعة التعدين ليست أوقيات واحتياطيات واستثمارات فقط.

وفاة عامل وإصابة خمسة من زملائه إثر سقوط صخرة داخل أحد الأنفاق تضع السلامة المهنية داخل المناجم في مقدمة الملفات.

فالعمل تحت سطح الأرض من أكثر الأنشطة الصناعية تعقيدًا، ويحتاج إلى أنظمة صارمة لمراقبة الصخور وتأمين الأنفاق والتهوية والتعامل مع المخاطر الجيولوجية، إلى جانب التدريب المستمر للعاملين وخطط الطوارئ.

ومن هنا ستكون نتائج الفحص والتحقيق الفني في أسباب الحادث مهمة، ليس فقط لمعرفة ما جرى، وإنما لاستخلاص الإجراءات التي تحول دون تكراره.

فالاستثمار الحقيقي في منجم بهذا الحجم لا يقاس فقط بعدد الأوقيات التي يتم إنتاجها، وإنما أيضًا بقدرته على حماية آلاف الأشخاص الذين يصنعون هذا الإنتاج.

منجم السكري.. «جبل الذهب» ومستقبل التعدين في مصر

منذ بدء الإنتاج التجاري عام 2009، تغيرت خريطة السكري كثيرًا.

توسعت عمليات التعدين، وامتدت الأعمال إلى تحت سطح الأرض، وتغيرت الشركة العالمية التي تقف خلف الاستثمار بعد استحواذ «أنجلو جولد أشانتي» على «سنتامين»، بينما استمرت الدولة المصرية شريكًا بحقوقها التي تحكمها الاتفاقيات المنظمة للمشروع.

واليوم ينتج السكري نحو نصف مليون أوقية سنويًا، ويعمل في منظومته قرابة 4900 شخص، وتستمر الاستثمارات في تطويره بالتزامن مع البحث عن اكتشافات جديدة حوله.

ولهذا فإن قيمة السكري لم تعد فقط في كمية الذهب التي يحملها الجبل.

قيمته الأكبر أنه أصبح اختبارًا حيًا لقدرة مصر على بناء صناعة تعدين حديثة قادرة على جذب رؤوس الأموال العالمية وتحويل الثروات الموجودة تحت الأرض إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل وعوائد للاقتصاد.

حادث العمال أعاد منجم السكري إلى صدارة الاهتمام من باب مؤلم، وسيظل الجانب الإنساني وما ستكشفه التحقيقات في أسباب الحادث أولوية.

لكن وراء أنفاق المنجم قصة اقتصادية تمتد منذ سنوات، وقد يكون فصلها الأهم لم يُكتب بعد.

فبعد أكثر من 17 عامًا من بدء الإنتاج التجاري، لم يعد السؤال فقط: كم تبقى من الذهب في السكري؟

السؤال الأكبر أصبح:

هل تستطيع مصر أن تجعل «جبل الذهب» نقطة انطلاق من منجم ناجح واحد إلى صناعة ذهب متكاملة في الصحراء الشرقية؟