جريدة اخبارية شاملة
رئيسي وادي دجلة
رئيس التحرير طارق شلتوت
بنك مصر داخل المقالة

المهندس أحمد سعيد يكتب: العقار.. ذاكرة الأزمات ودليل النجاة

رحلة عبر أكثر من قرن من الأزمات الاقتصادية تكشف كيف حافظ العقار على مكانته بين الأصول الاستثمارية الأكثر قدرة على الصمود والتعافي

في عالم الاقتصاد، هناك قاعدة يعرفها المستثمرون جيدًا: من يقرأ التاريخ، يصبح أكثر قدرة على فهم المستقبل.

- Advertisement -

فالأسواق تتغير، والعملات ترتفع وتنخفض، والبورصات تشهد موجات متلاحقة من الصعود والهبوط، فيما تتبدل الظروف الاقتصادية وأسعار الفائدة ومعدلات التضخم. لكن وسط كل هذه التحولات يبقى السؤال الأهم: أي الأصول استطاعت الصمود عبر الزمن؟

الإجابة التي تقدمها قراءة التاريخ الاقتصادي تضع العقار في مقدمة هذه الأصول.

ليس لأن القطاع العقاري بمنأى عن الأزمات، أو لأن الاستثمار فيه يخلو من المخاطر، ولكن لأنه أثبت خلال أكثر من مائة عام قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات والتعافي منها واستعادة القيمة على المدى الطويل.

العقار عبر التاريخ.. قصة صمود أمام الأزمات

عندما نراجع التاريخ الاقتصادي العالمي، نجد أن القطاع العقاري واجه أزمات شديدة القسوة، بعضها تسبب في انهيارات حادة للأسعار وتوقف مشروعات وخروج شركات من السوق، ومع ذلك حافظ العقار على مكانته كأحد أهم الأصول الاستثمارية طويلة الأجل.

ولعل استعراض عدد من المحطات الكبرى يكشف الكثير.

الكساد العظيم 1929.. عندما اهتز الاقتصاد العالمي

عندما انهارت بورصة وول ستريت عام 1929، دخل العالم في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث.

تراجعت أسعار العقارات في الولايات المتحدة، وتباطأت عمليات البناء، وأفلست شركات عديدة، في ظل أزمة اقتصادية امتدت آثارها إلى قطاعات مختلفة.

لكن مع عودة النشاط الاقتصادي خلال العقود التالية، استعادت الأسواق العقارية نشاطها وقيمتها تدريجيًا، وتحولت مدن أمريكية كبرى مثل نيويورك وشيكاغو ولوس أنجلوس إلى أسواق عقارية عالمية ضخمة.

كانت الأزمة قاسية وطويلة، لكن العقار ظل جزءًا رئيسيًا من الثروة والنشاط الاقتصادي بعد انتهائها.

السبعينيات.. العقار في مواجهة التضخم

شهد العالم خلال سبعينيات القرن الماضي موجة تضخمية قوية بالتزامن مع أزمات النفط والاضطرابات الاقتصادية العالمية.

ومع تراجع القوة الشرائية للعملات، اتجه المستثمرون بصورة أكبر إلى الأصول الحقيقية، ومن بينها العقارات، باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن استخدامها للحفاظ على القيمة في مواجهة التضخم على المدى الطويل.

ويرتبط ذلك بطبيعة العقار نفسه؛ فهو أصل حقيقي تستند قيمته إلى الأرض والموقع والطلب والاستخدام، إلى جانب مجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والسوقية.

ومن هنا ترسخت مكانة العقارات داخل المحافظ الاستثمارية باعتبارها أحد الأصول التي يمكن أن توفر قدرًا من الحماية أمام تآكل القوة الشرائية للنقود.

أزمة 2008.. الاختبار الأصعب للعقار

ربما تمثل الأزمة المالية العالمية في 2008 أشهر اختبار تعرض له القطاع العقاري في العصر الحديث.

بدأت الأزمة من سوق الرهن العقاري الأمريكي، ثم امتدت تداعياتها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي. وانخفضت أسعار العقارات في العديد من الأسواق، وتوقفت مشروعات، وتعثر مطورون، وسقطت مؤسسات مالية كبرى.

لكن السؤال المهم هو: ماذا حدث بعد الأزمة؟

مع مرور السنوات، بدأت الأسواق تستعيد توازنها تدريجيًا، وعادت الأسعار إلى الارتفاع في العديد من المدن والأسواق الكبرى، متجاوزة لاحقًا مستويات ما قبل الأزمة.

والدرس هنا ليس أن العقار لا يتراجع، وإنما أن الاستثمار العقاري يجب أن يُقرأ بمنظور طويل الأجل، بعيدًا عن التقلبات المؤقتة ودورات السوق القصيرة.

كورونا 2020.. توقعات بالانهيار وعودة قوية للأسواق

عندما توقفت قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي خلال جائحة كورونا، توقع كثيرون أن يواجه القطاع العقاري أزمة طويلة.

وبالفعل، شهدت الأسواق حالة كبيرة من عدم اليقين في بداية الجائحة، لكن التطورات اللاحقة جاءت مختلفة في العديد من الدول.

عاد الطلب إلى عدد من الأسواق بقوة، وسجلت أسعار العقارات ارتفاعات كبيرة في مناطق مختلفة من العالم، مدفوعة بتغير أنماط السكن والعمل، وتراجع المعروض في بعض الأسواق، إلى جانب ارتفاع تكاليف البناء.

وكان ذلك اختبارًا جديدًا لقدرة القطاع على التكيف مع الأزمات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

وماذا عن العقار في مصر؟

إذا انتقلنا من التجربة العالمية إلى السوق المصرية، سنجد أن العقار مر بدوره بمحطات اقتصادية وسياسية شديدة الصعوبة.

شهدت مصر أحداث عام 2011، ثم برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحرير سعر الصرف في 2016، ثم جائحة كورونا، وصولًا إلى موجات التضخم العالمية وتحركات أسعار الصرف وارتفاع تكاليف الإنشاء خلال السنوات الأخيرة.

وفي كل محطة تقريبًا، ظهرت توقعات بشأن دخول السوق العقارية في موجة تراجع حادة.

لكن السوق واصلت نشاطها، واستمرت حركة التطوير العمراني، بينما ارتفعت أسعار العقارات على المدى الطويل مدفوعة بمجموعة من العوامل الأساسية، من بينها:

– النمو السكاني وزيادة الطلب على السكن.
– التوسع العمراني وإنشاء المدن والمجتمعات الجديدة.
– ارتفاع تكاليف مواد البناء والتنفيذ.
– زيادة أسعار الأراضي.
– التوسع في مشروعات البنية التحتية.
– استمرار الطلب على العقار باعتباره أصلًا للاستخدام وحفظ القيمة والاستثمار.

هذه العوامل ساعدت السوق العقارية المصرية على التعامل مع الكثير من المتغيرات الاقتصادية، وإن ظلت مستويات الطلب والسيولة والقدرة الشرائية تختلف من مرحلة إلى أخرى.

لماذا يحتفظ العقار بجاذبيته الاستثمارية؟

الاختلاف الأساسي بين العقار والعديد من الأصول الأخرى هو أنه ليس مجرد رقم يتحرك على شاشة.

العقار أصل حقيقي يمكن استخدامه، أو تأجيره، أو إعادة بيعه، كما يمكن أن يوفر دخلًا دوريًا، وترتفع قيمته على المدى الطويل وفقًا للموقع وحركة الطلب والتطور العمراني وظروف السوق.

ولهذا يحتفظ الاستثمار العقاري بمكانة مهمة داخل استراتيجيات تنويع المحافظ الاستثمارية، خاصة بالنسبة إلى المستثمر الذي يبحث عن بناء قيمة على المدى الطويل وليس تحقيق مكاسب سريعة فقط.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن كل عقار يمثل استثمارًا ناجحًا؛ فاختيار الموقع، والمطور، والسعر، وجودة التنفيذ، وتوقيت الشراء، ومستوى الطلب الحقيقي، كلها عوامل تحدد نجاح الاستثمار من عدمه.

التاريخ يكرر الدرس.. ولكن الفرصة تحتاج إلى الاختيار الصحيح

تكشف الأزمات الاقتصادية المتعاقبة درسًا مهمًا: الأسواق لا تتحرك في اتجاه واحد.

قد يتباطأ الطلب، وتتراجع المبيعات، وتتغير الأسعار، وتتعرض بعض الشركات والمشروعات لضغوط، لكن الأصول العقارية الجيدة تستطيع استعادة جاذبيتها مع تحسن الظروف الاقتصادية وعودة الطلب.

ولذلك بُني جانب من الثروات العقارية الكبرى خلال الفترات التي أعقبت الأزمات، عندما استطاع مستثمرون يمتلكون السيولة والرؤية طويلة الأجل اقتناص أصول جيدة بأسعار وفرص مختلفة.

ومن هنا تأتي واحدة من أهم قواعد الاستثمار العقاري:

لا تنظر فقط إلى سعر العقار اليوم.. بل إلى القيمة التي يمكن أن يصنعها خلال السنوات المقبلة.

الاستثمار الحقيقي هو استثمار الزمن

في شركة سعيد عيد للتطوير العقاري، لا ننظر إلى العقار باعتباره مجرد وحدة يتم بيعها، وإنما باعتباره أصلًا يمكن أن يساهم في بناء الثروة وحماية رأس المال عبر الزمن.

ونؤمن بأن المستثمر الناجح ليس فقط من يبحث عن الربح السريع، وإنما من يستطيع اختيار الأصل الصحيح، في الموقع الصحيح، وبالقيمة المناسبة، مع امتلاك رؤية تتجاوز تقلبات السوق قصيرة الأجل.

فالتاريخ الاقتصادي لا يجامل أحدًا.

عملات تغيرت قيمتها، وأسواق تعرضت لانهيارات، وشركات كبرى اختفت، بينما بقيت الأرض أصلًا محدودًا، واستطاعت الأسواق العقارية تجاوز أزمات كبرى والعودة إلى النمو من جديد.

ولهذا سيظل العقار أحد أهم الخيارات أمام الباحثين عن حماية القيمة وبناء الثروة على المدى الطويل، ليس لأنه يخلو من التحديات أو المخاطر، وإنما لأن التجارب التاريخية أثبتت قدرته على التكيف معها وتجاوز الكثير منها.

وفي النهاية، ربما تلخص العبارة التالية فلسفة الاستثمار العقاري طويل الأجل:

«قد تمر الأزمات على العقار، لكنها لا تدوم.. أما الأرض، فتبقى أصلًا يصنع قيمته الزمن والموقع والطلب»