لم يكن إعلان نتنياهو في 26 ديسمبر الماضي، بالاعتراف بمنطقة “أرض الصومال” الانفصالية كدولة مستقلة، سوى خرق فاضح للنظام الدولي القائم، ونموذج عملي لعالم آخذ في الانفلات من الضوابط المتعارف عليها، حيث تُستبدل الشرعية الدولية بصفقات تُقايض السيادة الوطنية للدول بحسابات أمنية غامضة المحتوى. وبحسب البيان الصادر عن نتنياهو، فإن هذا الاعتراف يدشّن إقامة مرحلة جديدة من إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين هرجيسا وتل أبيب، ويحدد أربع مجالات للتعاون في إطار ما وُصف بـ”تقديرات متبادلة” بين الطرفين، تتعلق بـ”محاربة الإرهاب وتعزيز السلام الإقليمي” بالنسبة لنتنياهو، وبـ”التزام” عِرو بـ”تعزيز السلام والاستقرار”، بما يتوافق مع “الاتفاقيات الإبراهيمية”.
إخراج استخباراتي وصفقات غامضة
ويشير البيان إلى أن الإعلان جاء استجابةً لطلب تقدّم به عِرو، واستنادًا إلى “القيم المشتركة” و”المصالح الاستراتيجية” و”روح الاحترام المتبادلة التي يشترك فيها الشعبان” وفق الصيغة المعتمدة. ويبدو أنّ الإعلان جاء نتاجَ عمليةٍ ذات طابعٍ استخباراتي، أُخرج بأسلوبٍ أقرب إلى المشهد السينمائي؛ إذ قُدِّم عبر مكالمةٍ مرئية بين الطرفين، وصيغ في أوراقٍ حُجبت أجزاؤها الجوهرية، ولم يُكشف منها سوى ذيلٍ موقَّعٍ بين نتنياهو ووزير خارجيته، وظلّ الثمن الحقيقي الذي وافقت إسرائيل بموجبه على منح هذا الاعتراف طيَّ الكتمان، فيما جاءت الزيارات المتبادلة التي تلته متخفّيةً من الجانبين. وبهذا الإخراج، يتشابه الإعلان سياسيًا مع منهج مذكرة التفاهم الموقَّعة بين آبي أحمد وموسى بيحي غرّة عام 2024.
تفخيخ قضية هرجيسا وإرباك القرن الإفريقي
ويبدو أن هذا الإعلان قد فخّخ قضية هرجيسا، وحوّلها من قضية محلية ذات جذور معروفة وأهداف مفهومة إلى حلقة ضمن مشروع دولي–إقليمي يهدف إلى تقويض سيادة الدول والقضاء على هوياتها المجتمعية. وأحدث الإعلان ارتباكًا جديدًا في منطقة القرن الإفريقي، لكنه في المقابل أسهم في توفير دعم غير مسبوق للصومال في مساعيه الدائمة للحفاظ على وحدة أراضيه، وكشف فشل النخبة السياسية في هرجيسا التي راهنت على الدعم الخارجي بدل بناء التوافق الداخلي.
الاتفاقيات الإبراهيمية وتجاوز القضية الفلسطينية
الاتفاقيات الإبراهيمية، التي أطلقتها الولايات المتحدة في عهد ترامب الأول، تهدف إلى تطبيع العلاقات بين دول عربية وإسلامية وإسرائيل، عبر تجاوز مركزية القضية الفلسطينية كمحدِّد أساسي في العلاقة مع إسرائيل. ويعني انخراط هرجيسا في هذا المسار مطالبتها بتناسي موقفها الأخلاقي والتاريخي من إسرائيل، مقابل مكاسب سياسية مشروطة، من بينها إعادة توطين مهجّري غزة قسرًا أو الدخول في ترتيبات عسكرية وأمنية باهظة الكلفة.
تشابه المسارات: إسرائيل وإثيوبيا
والقاسم المشترك بين الإعلان الحالي ومذكرة التفاهم الإثيوبية السابقة يتمثل في تجاهل السيادة الصومالية، والالتفاف على شرعيتها السياسية، واستهداف مياه خليج عدن، والقفز فوق المواثيق الدولية. كما يلتقي المساران على ثلاث ركائز استراتيجية: تفكيك الدول المجاورة، إنشاء قواعد بحرية في البحر الأحمر وخليج عدن، وتطويق الخصوم الإقليميين عبر الضغط الجيوسياسي غير المباشر.
جذور العلاقة الإسرائيلية بمنطقة القرن الإفريقي
يمثّل إعلان الاعتراف تتويجًا لمسار طويل من الاتصالات والعلاقات غير المعلنة. ويعود اهتمام إسرائيل بالمنطقة إلى القرن التاسع عشر، حين طُرحت شمال الصومال كأحد مواقع توطين اليهود. ولاحقًا دعمت إسرائيل الحركة الوطنية الصومالية SNM، وتعززت الاتصالات خلال فترتي حكم محمد حاجي إبراهيم عجال وطاهر ريالي، وصولًا إلى الإعلان الراهن.
الأهداف الإسرائيلية من الاعتراف
وبحسب الرئاسة الصومالية، تتمثل الأهداف الإسرائيلية في إنشاء موطئ قدم عسكري في خليج عدن، ودفع هرجيسا إلى القبول بتوطين فلسطينيي غزة المُهجَّرين قسرًا، وإدماجها ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية، فضلًا عن مراقبة الحوثيين وإيران وحركة تركيا في المنطقة.
ارتباك إقليمي ونتائج عكسية
وأسّس هذا الإعلان لحالة من الارتباك في التفاعلات السياسية والأمنية داخل دول القرن الإفريقي، لكنه جاء بنتائج عكسية على قضية هرجيسا نفسها، ومنح الصومال دعمًا إقليميًا ودوليًا غير مسبوق حول قضيتي الوحدة والسيادة الوطنية.
خلاصة المشهد
وتبقى الخلاصة أن اعتراف نتنياهو لا يمثل مسار تطبيع حقيقيًا، بل أداة لإعادة هندسة التوازنات الإقليمية خارج إطار القانون الدولي، وأن انخراط هرجيسا فيه يشكّل مخاطرة استراتيجية قد تزج بها في صراعات أكبر من قدراتها وطموحاتها، في وقت تحتاج فيه إلى حلول داخلية وتوافق وطني لا إلى رهانات خارجية مشروطة.
سيد عمر معلم عبد الله
مؤرخ ودبلوماسي صومالي









التعليقات مغلقة.