
يشهد ملف المدن الجديدة في مصر مرحلة انتقالية تتجاوز فكرة التوسع العمراني إلى بناء مراكز اقتصادية متكاملة قادرة على جذب الاستثمار وتوفير بيئات أعمال تنافسية إقليميًا ودوليًا. وفي هذا الإطار، ناقش منتدى العاصمة 2026 مستقبل العاصمة الإدارية الجديدة خلال السنوات العشر المقبلة، ورؤيتها للتحول إلى مدينة ذكية تقود مسار الاستثمار والتنمية، عبر الاعتماد على التكنولوجيا، والاستدامة، والخدمات الذكية، وجذب الشركات العالمية.
وخلال جلسة حملت عنوان “العاصمة الجديدة 2036 مدينة ذكية تقود مستقبل الاستثمار والتنمية”، أدار الكاتب الصحفي بدوي السيد نجيلة النقاش حول مستقبل العاصمة الجديدة باعتبارها أحد أكبر المشروعات العمرانية في تاريخ مصر الحديث، بمشاركة عدد من قيادات القطاع العقاري والاستشاري، من بينهم المهندس محمد البستاني رئيس جمعية المطورين العقاريين، والمهندس محمد الأحول الرئيس التنفيذي لشركة إيجي هولدينج، والمهندس محمد طلعت رئيس مجلس إدارة شركة إم تي إي للاستشارات، والدكتور باسم الشربيني رئيس لجنة العاصمة الإدارية بجمعية المطورين العقاريين، والدكتور جرجس لاوندي رئيس مجلس إدارة إيفوريا جروب.
العاصمة الجديدة امتداد لمسيرة المدن العمرانية منذ السبعينيات
أكد المهندس محمد البستاني أن تجربة المدن الجديدة في مصر بدأت منذ إنشاء هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة عام 1979 خلال عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات والمهندس حسب الله الكفراوي، وزير الإسكان الأسبق، حيث انطلقت آنذاك مرحلة الجيل الأول من المدن الجديدة، ومنها مدينة العاشر من رمضان ومدينة السادس من أكتوبر ومدينة السادات.
وأوضح أن هذه التجربة تطورت عبر أجيال متتالية من المدن العمرانية، وصولًا إلى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي شهد توسعًا كبيرًا في إنشاء مدن جديدة، حتى وصل عددها إلى نحو 40 مدينة، من بينها مدن ذكية ومستدامة تستهدف توفير فرص سكن وتنمية للأجيال المقبلة.
وأشار إلى أن العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة تأتي ضمن أبرز نماذج المدن الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا والاستدامة، وتستهدف تقديم نموذج عمراني مختلف يجمع بين جودة الحياة والنشاط الاقتصادي.
الاستقرار السياسي عامل جذب للاستثمارات العقارية
وأشار البستاني إلى أن المستثمرين يبحثون في المقام الأول عن الأمان والاستقرار السياسي باعتباره أحد أهم عناصر اتخاذ القرار الاستثماري، موضحًا أن مصر تمتلك هذه المقومات، وهو ما يجعل السوق العقارية المصرية بيئة جاذبة للفرص.
ولفت إلى أن الفترة الأخيرة شهدت تدفقات استثمارية كبيرة، مستشهدًا بصفقة الاستثمار الكبرى في رأس الحكمة، مؤكدًا أن مصر تمتلك فرصًا واسعة في المدن الساحلية، إلى جانب تنوع أنماط السياحة التي تفتح مجالات جديدة أمام الاستثمار العقاري.
القطاعات الطبية والإدارية الأكثر جذبًا في العاصمة الجديدة
من جانبه، دعا المهندس محمد الأحول المطورين الراغبين في الاستثمار بالعاصمة الإدارية الجديدة إلى النظر إليها باعتبارها فرصة استثمارية طويلة الأجل، في ظل النمو المتزايد للقطاعات المختلفة داخل المدينة.
وأوضح أن العاصمة تشهد توسعًا في القطاعات الاستثمارية وجذبًا لاستثمارات من الخارج، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد زيادة في تشغيل المشروعات، خاصة بعد اكتمال تشغيل الحي الحكومي بالكامل.
وأشار إلى أن القطاعين الطبي والإداري يمثلان من أفضل الفرص الاستثمارية داخل العاصمة الجديدة خلال الفترة المقبلة، بينما يأتي القطاعان التجاري والخدمي في المرتبة التالية من حيث العائد المتوقع.
وأكد أن نجاح أي مشروع عقاري يبدأ من اختيار الموقع المناسب، سواء كان المشروع سكنيًا أو إداريًا أو تجاريًا أو فندقيًا، باعتبار الموقع أحد أهم محددات القيمة الاستثمارية.
العاصمة الجديدة نموذج عمراني قابل للتصدير
وقال المهندس محمد طلعت إن تنظيم منتدى العاصمة يمثل إنجازًا يعكس أهمية المشروع القومي للعاصمة الجديدة، مشيرًا إلى فخره بالمشاركة منذ عام 2016 في تصميم عدد كبير من مشروعات العاصمة بالتعاون مع مجموعة من أبرز المصممين والاستشاريين في مصر.
وأوضح أن التطوير الذي شهدته العاصمة الجديدة يمثل تجربة عمرانية كبيرة تضاف إلى سجل مصر في تنفيذ المشروعات القومية، مؤكدًا أن المشروع يعكس قدرة الدولة على تنفيذ نموذج عمراني حديث يمكن أن يمثل مصدر إلهام لدول أخرى.
وأضاف أنه شارك كاستشاري في تصميم أكثر من 100 مشروع داخل العاصمة الجديدة، ساهمت في إحداث نقلة في مجال العمارة والتصميم، مشيرًا إلى أن المدينة بنيت وفق رؤية ذكية ومستدامة تستند إلى التوازن البيئي والاستفادة من الهوية الحضارية المصرية.
وأكد أن العاصمة الجديدة راعت الأكواد العالمية في البناء والتخطيط والتصميم، مع الاهتمام بالهوية البصرية واختيار الطرز المعمارية التي تعبر عن تاريخ مصر وحضارتها، وهو ما يظهر في مباني الحي الحكومي، ومسجد مصر الكبير، وكاتدرائية السيد المسيح، ومدينة الثقافة والفنون، إلى جانب المشروعات العقارية بالأحياء السكنية.
400 مطور عقاري شاركوا في بناء العاصمة وتحول عمراني غير مسبوق
وقال الدكتور باسم الشربيني، رئيس لجنة العاصمة الإدارية بجمعية المطورين العقاريين، إن العاصمة الجديدة تعد أكبر مشروع قومي في تاريخ مصر الحديث، موضحًا أن أكثر من 400 مطور عقاري شاركوا في تطويرها خلال 10 سنوات، وسط دعم كبير من القيادة السياسية.
وأضاف أن المطورين العقاريين أسهموا في نقل الرقعة العمرانية المصرية من 7% إلى 14% خلال السنوات العشر الماضية، وهو ما انعكس على توفير فرص عمل جديدة، وخفض معدلات البطالة من 13% إلى 7%، فضلًا عن دعم مسار التنمية الشاملة.
وأوضح أن مساحة العاصمة الجديدة تبلغ 220 ألف فدان، بينما بلغت مساحة المرحلة الأولى 40 ألف فدان، وأصبحت المدينة مؤهلة للحياة بعد الطفرة التي شهدتها في الخدمات والجامعات ووجود مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تسويق العاصمة الجديدة عالميًا، وتحويلها إلى وجهة استثمارية قادرة على جذب الشركات والمستثمرين الدوليين.
البنية الذكية والنقل الجماعي تحددان مستقبل العاصمة خلال العقد المقبل
من جانبه، قال المهندس حسام عبد الغني إن قرار تنفيذ العاصمة الجديدة جاء ضمن خطة التنمية الشاملة التي تبنتها الدولة المصرية بعد عام 2016، موضحًا أن المشروع شهد طفرة كبيرة في الطرق والمحاور والبنية التحتية الذكية والمساحات الخضراء والمباني الحكومية والسكنية والبنوك وناطحات السحاب.
وأوضح أن نجاح المدن الجديدة عادة ما يحتاج إلى فترة تتراوح بين 10 و15 عامًا، إلا أن العاصمة الإدارية الجديدة استطاعت خلال نحو 10 سنوات الوصول إلى مرحلة التشغيل الفعلي، بعد تشغيل الحي الحكومي بالكامل، وبدء إشغال عدد من الوحدات السكنية.
وأشار إلى نقل أكثر من 50 ألف موظف من خلال منظومة نقل ذكي، معتبرًا أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف الجهود في ملف تصدير العقار المصري، والترويج للعاصمة الجديدة عالميًا باعتبارها إحدى بوابات الجمهورية الجديدة للاستثمار.
من مشروع عمراني إلى منصة اقتصادية عالمية
تكشف المناقشات حول مستقبل العاصمة الإدارية الجديدة أن الرهان خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط على استكمال الإنشاءات، وإنما على تحويل المدينة إلى مركز متكامل للأعمال والاستثمار والابتكار.
ويعتمد نجاح هذا التحول على مجموعة من العوامل، أبرزها زيادة معدلات الإشغال، جذب الشركات العالمية، تطوير منظومة النقل الذكي، تقديم حوافز استثمارية أكثر تنافسية، وتعزيز التسويق الدولي للمدينة.
ومع اكتمال مراحل التشغيل وتوسع الأنشطة الاقتصادية، تملك العاصمة الجديدة فرصة للانتقال من كونها مشروعًا عمرانيًا ضخمًا إلى مركز إقليمي يجمع بين الإدارة الحكومية، والخدمات المالية، والتكنولوجيا، والاستثمار العقاري، بما يتماشى مع توجهات المدن الذكية عالميًا.





