
أثارت أزمة سحب أراضي النرجس الجديدة بالتجمع الخامس حالة واسعة من الجدل والقلق بين مئات الأسر والمستثمرين، بعد ظهور لافتات تفيد بدخول بعض قطع الأراضي في حيازة جهاز المدينة، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول أسباب اتخاذ هذه الإجراءات، ومدى تأثيرها على حقوق المشترين الذين استثمروا مدخراتهم في تلك المشروعات.
وفي هذا السياق، ناقشت حلقة جديدة من برنامج “حكاية عقار” المذاع عبر قناة النهار، والذي يقدمه الإعلامي محمود البسطي، أبعاد الأزمة القانونية والتنظيمية، من خلال حوار موسع مع الدكتور إبراهيم أبو حسين، المحامي بالنقض، الذي استعرض الأسس القانونية لقرارات سحب الأراضي والحلول المتاحة لحماية حقوق المواطنين.
لماذا يتم سحب الأراضي؟
أكد الدكتور إبراهيم أبو حسين أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تستند في إجراءاتها إلى أحكام القانون رقم 59 لسنة 1979 واللائحة العقارية المنظمة لتخصيص الأراضي، والتي تحدد بشكل واضح الحالات التي يجوز فيها إلغاء التخصيص وسحب الأراضي.
وأوضح أن أبرز هذه الحالات تشمل عدم سداد قسطين متتاليين، أو عدم إثبات الجدية في التنفيذ خلال الفترات الزمنية المحددة، فضلًا عن تغيير النشاط المخصص للأرض أو الوحدة بالمخالفة لشروط التخصيص المعتمدة.
وأشار إلى أن هذه الالتزامات تكون منصوصًا عليها بشكل صريح داخل كراسة الشروط الخاصة بكل مشروع، وهو ما يعني أن المطور العقاري يكون على دراية كاملة بحقوقه والتزاماته منذ توقيع عقد التخصيص.
أزمة الدولار وراء تعثر بعض المشروعات
وخلال الحلقة، تطرق الحوار إلى أزمة أراضي “بيت الوطن” و”النرجس الجديدة”، موضحًا أن هذه الأراضي تم تخصيصها في الأساس للمصريين بالخارج، مع ربط الأقساط بالدولار الأمريكي.
وأشار أبو حسين إلى أن الأزمة الحالية ترتبط بخلاف حول آلية احتساب الأقساط المتأخرة بعد القفزات الكبيرة التي شهدها سعر صرف الدولار خلال السنوات الأخيرة، حيث تطالب الجهات المختصة بعض المطورين بالسداد وفق الأسعار الحالية للعملة، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في قيمة الالتزامات المالية المطلوبة.
وأوضح أن هذا الوضع تسبب في تعثر بعض الشركات والمطورين عن السداد، سواء بسبب الخلافات القانونية المتعلقة بطريقة الحساب أو نتيجة ارتفاع تكاليف التنفيذ والضغوط الاقتصادية التي واجهها القطاع خلال الفترة الماضية.
السداد مع التحفظ.. الحل القانوني الأول
وحول المسارات القانونية المتاحة، أوصى الخبير القانوني المطورين باتباع مبدأ “السداد مع التحفظ”، وذلك من خلال سداد المبالغ المطلوبة أولًا ثم اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن على المبالغ التي يرون أنها تم تحصيلها دون سند قانوني.
وأكد أن هذا الإجراء يحافظ على المراكز القانونية للمطورين ويجنبهم مخاطر سحب الأراضي، مع الاحتفاظ بحقهم في استرداد أي مبالغ قد تقضي المحاكم بعدم أحقيتها مستقبلًا.
كيف يحمي المشترون وحداتهم السكنية؟
وشدد أبو حسين على ضرورة تحقيق التوازن بين حق الدولة في الحفاظ على المال العام وضمان تحصيل مستحقاتها، وبين حماية المواطنين الذين اشتروا وحداتهم السكنية بحسن نية ولم يكونوا طرفًا في النزاعات القائمة بين المطورين والجهات الإدارية.
وأوضح أن قطعة الأرض الواحدة في النرجس الجديدة تضم في كثير من الأحيان عددًا كبيرًا من الأسر التي قد تتعرض لخسائر مباشرة نتيجة قرارات السحب، رغم التزامها بسداد كامل التزاماتها المالية للمطور العقاري.
حق قانوني للسكان في سداد المديونيات
وكشف المحامي بالنقض عن وجود سند قانوني يمنح المشترين وسيلة فعالة لحماية حقوقهم، موضحًا أن القانون المدني يجيز لكل ذي مصلحة أن يقوم بسداد الدين نيابة عن المدين.
وأضاف أن هذا النص القانوني يتيح لسكان المشروعات المتضررة توجيه إنذار رسمي للمطور العقاري للمطالبة بالسداد، وفي حال امتناعه يمكنهم تجميع المبالغ المستحقة وسدادها مباشرة للجهة الإدارية المختصة، حفاظًا على وحداتهم وممتلكاتهم.
وأكد أن السكان يحتفظون بعد ذلك بحقهم الكامل في الرجوع على المطور قضائيًا للمطالبة باسترداد المبالغ التي قاموا بسدادها، بالإضافة إلى المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم نتيجة هذا الوضع.
حلول مطروحة لتجاوز الأزمة
ورأى أبو حسين أن الحل الأمثل يتمثل في منح المطورين فرصة لسداد الأقساط المتأخرة محملة بالفوائد القانونية المقررة، بدلًا من اللجوء مباشرة إلى إجراءات سحب الأراضي، بما يحقق مصلحة الدولة ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق المشترين واستقرار الأوضاع السكنية.
واختتمت الحلقة بالتأكيد على أهمية التوصل إلى حلول قانونية وعملية متوازنة تضمن حقوق جميع الأطراف، وتحافظ على الثروة العقارية المصرية، وتجنب مئات الأسر تداعيات أزمة لم تكن طرفًا فيها، بما يدعم استقرار السوق العقاري ويعزز الثقة في منظومة الاستثمار والتطوير العمراني في مصر..





