
يشهد اقتصاد المحتوى الرقمي عالميًا تحولًا غير مسبوق مع تسارع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يدفع الحكومات والمؤسسات الأكاديمية إلى إعادة تقييم الأطر التنظيمية لهذا القطاع الذي أصبح أحد أسرع قطاعات الاقتصاد الإبداعي نموًا. وفي مصر، يتزامن هذا التحول مع خطوات حكومية لدمج نشاط صناع المحتوى والمؤثرين ضمن الاقتصاد الرسمي، بما يفتح الباب أمام سوق أكثر تنظيمًا، ويعزز مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي، ويضع قواعد جديدة لصناعة باتت تؤثر في قرارات الشراء، وأنماط الاستهلاك، وثقافة الأجيال الجديدة.
في هذا السياق، شاركت الكاتبة والإعلامية والباحثة في علوم الاتصال الجماهيري، چرمين عامر، في فعاليات المؤتمر العلمي الخامس لكلية الإعلام واللغات التطبيقية بجامعة النهضة، ببحث علمي حمل عنوان “أثر المؤثرين الرقميين المدعومين بالذكاء الاصطناعي في تشكيل وعي جيل ألفا”، مقدمة قراءة أكاديمية لواحدة من أسرع الظواهر نموًا في الإعلام الرقمي وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي.
مؤتمر يناقش حوكمة الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي
انعقد المؤتمر تحت شعار “حوكمة الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي”، برعاية الأستاذ الدكتور حسام الملاحي رئيس جامعة النهضة، والأستاذة الدكتورة هبة الله السمري عميد كلية الإعلام واللغات التطبيقية، والدكتورة مها فتحي وكيل الكلية لشؤون الدراسات العليا والبحوث.
وشهدت فعاليات المؤتمر حضور نخبة من أساتذة الإعلام والاتصال الجماهيري من الجامعات المصرية والعربية، إلى جانب متخصصين في الإعلام الرقمي وصناعة المحتوى، في إطار مناقشة التحديات التي فرضها الذكاء الاصطناعي على بيئة الاتصال الحديثة.
وجاءت الورقة البحثية ضمن أعمال الجلسة البحثية الثالثة، التي ترأستها الأستاذة الدكتورة حنان جنيد، أستاذ الإعلام والعلاقات العامة والعميد الأسبق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة، والأستاذة الدكتورة سارة المغربي، عميدة كلية الإعلام بالجامعة المصرية الصينية، والأستاذة الدكتورة أماني فاروق عبد العزيز، مدرس الإعلام بالأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام ومديرة مركز التدريب والتطوير بمدينة الإنتاج الإعلامي.
اقتصاد جديد تقوده الشخصيات الرقمية
ينطلق البحث من ملاحظة التحولات المتسارعة في بيئة الإعلام الرقمي، بالتزامن مع التطور الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي أفرزت جيلًا جديدًا من المؤثرين الافتراضيين القادرين على إنتاج المحتوى والتفاعل مع الجمهور بصورة تحاكي السلوك البشري بدرجات متقدمة.
وترى الدراسة أن هذه الشخصيات لم تعد مجرد أدوات تسويقية، بل أصبحت فاعلًا اقتصاديًا وإعلاميًا يمتلك القدرة على التأثير في الاتجاهات والسلوكيات والقرارات الاستهلاكية، بما يفرض تحديات جديدة أمام الحكومات والمؤسسات التنظيمية بشأن آليات الحوكمة والرقابة.
جيل ألفا.. أول جمهور يولد داخل الخوارزميات
ركزت الدراسة على جيل ألفا، الذي يضم المواليد بين عامي 2012 و2024، باعتباره أول جيل ينشأ بالكامل داخل بيئة رقمية تعتمد على الخوارزميات والذكاء الاصطناعي منذ سنواته الأولى.
وأوضحت أن هذا الجيل يتميز بالاعتماد المكثف على المنصات الرقمية، وأنماط التعلم التفاعلي، والاستهلاك المستمر للمحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يجعله أكثر قابلية للتأثر بالمحتوى الذي تنتجه الشخصيات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
من الشخصيات الافتراضية إلى المؤثرين المدعومين بالذكاء الاصطناعي
استعرضت الورقة البحثية تطور المؤثرين الرقميين، بداية من الشخصيات الافتراضية المعتمدة على الرسوم الحاسوبية، وصولًا إلى الشخصيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي التوليدي، القادرة على إنتاج محتوى متجدد والتفاعل مع المستخدمين على مدار الساعة وبأكثر من لغة.
وتناول البحث عددًا من أبرز النماذج العالمية، من بينها Lil Miquela وNoonoouri وAitana López وShudu وLaila Kenza، باعتبارها نماذج تعكس مستقبل صناعة التأثير الرقمي عالميًا.
التأثير يتجاوز التسويق إلى تشكيل الوعي
أبرزت الدراسة أن دور المؤثرين الرقميين لم يعد مقتصرًا على الحملات الإعلانية والتسويق، وإنما امتد إلى التأثير في الوعي التعليمي والبيئي والاجتماعي والاستهلاكي والسياسي، إلى جانب نشر الثقافة الصحية وتعزيز مفاهيم الاستدامة بين أفراد جيل ألفا.
ويعكس هذا التوسع، بحسب الدراسة، انتقال صناعة المحتوى من كونها نشاطًا ترفيهيًا إلى قطاع اقتصادي وإعلامي مؤثر في تشكيل الرأي العام، وهو ما يرفع من أهمية تنظيمه وفق معايير مهنية واضحة.
تحديات تنظيمية ومخاطر اقتصادية
في المقابل، حذرت الدراسة من عدد من المخاطر المصاحبة لهذا التحول، وفي مقدمتها انتشار المعلومات المضللة، والتحيز الخوارزمي، وضعف الشفافية، ومخاطر انتهاك خصوصية الأطفال، وهي تحديات قد تؤثر على الثقة في الاقتصاد الرقمي إذا لم يتم التعامل معها عبر تشريعات فعالة.
وانتهت الدراسة إلى أن المؤثرين الرقميين يمثلون أحد أبرز التحولات المستقبلية في مجال الاتصال الرقمي، مؤكدة ضرورة وضع أطر تشريعية وأخلاقية واضحة، وتعزيز الثقافة الرقمية لدى الأطفال وأولياء الأمور، والالتزام بالمعايير الدولية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
چرمين عامر: تنظيم القطاع استثمار في القوة الناعمة المصرية
وقالت چرمين عامر إن مشاركتها في المؤتمر تأتي في إطار اهتمامها بدراسة العلاقة بين الإعلام وآليات الذكاء الاصطناعي وصناعة التأثير الرقمي، بما يسهم في فهم التحولات التي يشهدها الاتصال الجماهيري، ويدعم تطوير المعرفة الأكاديمية وصياغة سياسات إعلامية تواكب التحديات الرقمية الراهنة والمستقبلية.
وأكدت أن توقيت الدراسة يتزامن مع توجه الدولة نحو تنظيم هذا القطاع الاقتصادي الحيوي، مشيرة إلى أن إخضاع إيرادات المؤثرين وصناع المحتوى للمنظومة الضريبية يمثل بداية حقيقية لتنظيم مهنة صناعة التأثير الرقمي، وترسيخ مبادئ العدالة الاقتصادية، ودمج الاقتصاد الرقمي في الاقتصاد الرسمي.
وأضافت أن المؤثرين وصناع المحتوى أصبحوا أحد العناصر المؤثرة في تشكيل قرارات الشراء، وأنماط الاستهلاك، والثقافة العامة، ووعي الأجيال الجديدة، وهو ما يمنح هذه الصناعة أبعادًا اقتصادية تتجاوز حدود وسائل التواصل الاجتماعي.
مصر ومركز إقليمي لصناعة المحتوى
وأوضحت أن مصر تمتلك المقومات التي تؤهلها لتصبح مركزًا إقليميًا لصناعة المحتوى الرقمي، إذا توافرت منظومة تشريعية ومهنية تحقق التوازن بين حرية الإبداع، والمسؤولية المجتمعية، والاستدامة الاقتصادية.
وشددت على أهمية إعداد ميثاق شرف مهني وأخلاقي للمؤثرين وصناع المحتوى، يحدد مسؤولياتهم تجاه المجتمع، ويعزز مبادئ الشفافية والإفصاح عن المحتوى الإعلاني، واحترام الخصوصية، وحماية الأطفال، ومواجهة المعلومات المضللة، والالتزام بالاستخدام المسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
كما دعت إلى إنشاء كيان وطني يتولى تنظيم وتطوير مهنة التأثير الرقمي، ووضع معايير مهنية معتمدة، وتقديم برامج تدريب واعتماد مهني، والدفاع عن حقوق المبدعين، والتنسيق مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص، بما يعظم مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الاقتصاد القومي.
قراءة مستقبلية
تعكس نتائج الدراسة أن صناعة المؤثرين الرقميين لم تعد مجرد نشاط مرتبط بمنصات التواصل الاجتماعي، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رقمي عالمي تتزايد مساهمته في الاستثمار والإعلان والتجارة الإلكترونية. ومع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء منظومة تشريعية متوازنة تحمي المجتمع دون إعاقة الابتكار، وهو ما قد يمنح مصر فرصة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي لإنتاج المحتوى الرقمي وجذب الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الإبداعي، إذا نجحت في تحقيق التوازن بين التنظيم، والابتكار، والاستدامة.






