جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

لماذا تلجأ البنوك إلى إغراء كبار العملاء بـ«شهادات المليونيرات»؟.. سباق جديد على السيولة يعيد رسم خريطة المنافسة المصرفية في مصر

تشهد السوق المصرفية المصرية تحولًا لافتًا في استراتيجيات جذب المدخرات، مع اتجاه عدد متزايد من البنوك إلى إطلاق شهادات ادخار مخصصة لأصحاب الثروات، بعوائد تفوق متوسطات السوق وحدود اكتتاب تبدأ من مليون جنيه وتصل إلى خمسة ملايين جنيه. ولا يعكس هذا التوجه مجرد منافسة على تقديم أعلى عائد، بقدر ما يكشف عن تغير أعمق في فلسفة إدارة السيولة داخل القطاع المصرفي، حيث أصبحت البنوك تبحث عن الودائع الكبيرة والمستقرة باعتبارها ركيزة أساسية لتمويل النمو وتعزيز قدرتها على التوسع في الإقراض.

وتأتي هذه التحركات في وقت حافظ فيه البنك المركزي المصري على أسعار الفائدة دون تغيير خلال ثلاثة اجتماعات متتالية للجنة السياسة النقدية، لتستقر عند 19% للإيداع و20% للإقراض، ما يؤكد أن المنافسة الحالية لا ترتبط فقط بقرارات السياسة النقدية، وإنما أيضًا بالاحتياجات التمويلية لكل بنك، وهيكل الودائع الذي يسعى إلى بنائه في ظل تنامي الطلب على الائتمان.

من سباق العائد إلى سباق جودة الودائع

لم تعد البنوك تتنافس فقط على جذب أكبر عدد من العملاء، بل انتقلت المنافسة إلى مرحلة أكثر دقة تستهدف استقطاب العملاء ذوي الملاءة المالية المرتفعة، الذين يمتلكون القدرة على ضخ سيولة كبيرة عبر عدد محدود من الحسابات.

وبحسب مسؤولين بقطاعي التجزئة المصرفية والخزانة في بنوك كبرى، فإن عدداً من المؤسسات المصرفية أعاد هيكلة منتجاته الادخارية خلال الفترة الأخيرة، عبر إطلاق شهادات بعوائد مرتفعة موجهة خصيصًا لهذه الشريحة، باعتبارها أحد أهم مصادر التمويل المستقرة وطويلة الأجل.

ويؤكد المسؤولون أن أهمية كبار العملاء لا تقتصر على حجم الودائع، وإنما تمتد إلى تعزيز ربحية البنك من خلال خدمات إدارة الثروات والاستثمارات والخدمات المصرفية الخاصة، بما يوفر مصادر دخل إضافية من العمولات والخدمات إلى جانب العائد التقليدي.

ضغوط السيولة وراء التحركات الجديدة

يرى مصرفيون أن إطلاق هذه الشهادات يأتي استجابة لمعادلة مالية جديدة فرضتها السوق، تتمثل في ارتفاع الطلب على التمويل من جانب الشركات والأفراد، بالتزامن مع استمرار العوائد الجاذبة على أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل، وهو ما زاد من الضغوط على السيولة لدى البنوك.

وفي هذا السياق، أصبح رفع تكلفة الأموال عبر شهادات ادخار موجهة لكبار العملاء خيارًا اقتصاديًا في كثير من الحالات، خاصة إذا كانت تكلفة هذه الودائع أقل من بدائل التمويل الأخرى، مثل الاقتراض من سوق الإنتربنك أو إصدار أدوات دين جديدة.

كما تمنح الودائع الكبيرة البنوك مرونة أكبر في التخطيط للتمويل طويل الأجل، مقارنة بالاعتماد على قاعدة واسعة من الودائع الصغيرة التي تتسم بحركة أكبر وتذبذب أعلى.

لماذا تفضل البنوك أصحاب الثروات؟

يؤكد خبراء مصرفيون أن استهداف كبار العملاء يحقق للبنوك عدة مزايا استراتيجية في وقت واحد.

فمن ناحية، توفر هذه الفئة سيولة كبيرة عبر عدد محدود من الحسابات، وهو ما يقلل التكلفة التشغيلية لإدارة الودائع مقارنة بإدارة آلاف الحسابات الصغيرة.

ومن ناحية أخرى، يمثل هؤلاء العملاء الشريحة الأكثر طلبًا للخدمات المصرفية الخاصة، وإدارة المحافظ الاستثمارية، والتمويل الشخصي والاستثماري، وهو ما يرفع متوسط العائد الذي يحققه البنك من كل عميل.

كما أن استقرار هذه الودائع يمنح البنوك قدرة أكبر على التوسع في منح الائتمان، وتحسين إدارة الأصول والخصوم، والحفاظ على مؤشرات السيولة المطلوبة رقابيًا.

خريطة «شهادات المليونيرات» في السوق المصرية

أطلقت عدة بنوك خلال الفترة الأخيرة شهادات ادخار مخصصة لكبار العملاء بعوائد تنافسية، من أبرزها:

بنك القاهرة

طرح حزمة شهادات “بريمو Affluent” لمدة ثلاث سنوات، بحد أدنى للاكتتاب يبلغ مليون جنيه، وتشمل:

عائد ثابت 18.5% يصرف سنويًا.

عائد ثابت 17.5% يصرف كل ثلاثة أشهر.

عائد ثابت 17.25% يصرف شهريًا.

بنك قناة السويس

قدم شهادة “إنفينتي” ذات العائد المتغير لمدة ثلاث سنوات، بعائد حالي 19% يصرف يوميًا، مع حد أدنى للاكتتاب 5 ملايين جنيه، إلى جانب شهادة “إيليت ستار” بعائد ثابت 17.5% يصرف شهريًا وبالحد الأدنى نفسه.

البنك المصري الخليجي

يتيح شهادة “البريميوم” لمدة ثلاث سنوات، بعائد ثابت 17.25% يصرف شهريًا، وبحد أدنى للاكتتاب مليون جنيه.

البنك التجاري الدولي (CIB)

يطرح شهادة “بريميوم” لأجل ثلاث سنوات، بعائد ثابت 17.25% يصرف شهريًا، وحد أدنى للاكتتاب مليون جنيه.

البنك العربي الأفريقي الدولي

أطلق شهادة “Floating Plus” لمدة ثلاث سنوات، بعائد متغير مرتبط بسعر الإيداع لدى البنك المركزي المصري، ويصرف شهريًا بواقع سعر الكوريدور للإيداع مضافًا إليه 0.25%، ليصل العائد الحالي إلى 19.25% سنويًا، مع حد أدنى للاكتتاب مليون جنيه، وتقتصر الشهادة على الأفراد الطبيعيين.

مصرف أبوظبي الإسلامي – مصر

يقدم مجموعة من الأوعية الادخارية المخصصة لعملاء الثروات، تشمل:

صك الغنى الثلاثي بحد أدنى 2.5 مليون جنيه، بعائد يتراوح بين 17.5% و19% وفق دورية الصرف.

صك الثروة الثلاثي بحد أدنى مليوني جنيه، بعائد 16%.

الصك الماسي الثلاثي بحد أدنى مليون جنيه، بعائد يتراوح بين 14.2% و15.25% وفق دورية صرف العائد.

المنافسة لم تعد على عدد العملاء

يرى الخبراء أن القطاع المصرفي يشهد تحولًا واضحًا في أولوياته، حيث لم يعد الهدف الأساسي هو زيادة عدد العملاء أو تضخيم حجم الودائع فقط، وإنما التركيز على الودائع المستقرة وعالية القيمة التي تمنح البنوك مرونة أكبر في إدارة السيولة، ودعم التوسع الائتماني، وتحسين الربحية.

كما أن تقديم عوائد تتراوح بين 18% و19.25% على بعض شهادات كبار العملاء قد يكون أقل تكلفة من الاعتماد على مصادر تمويل بديلة، خاصة في ظل استمرار الطلب القوي على التمويل من مختلف القطاعات الاقتصادية.

هل تمتد المنافسة إلى شرائح جديدة؟

تشير المؤشرات الحالية إلى أن المنافسة بين البنوك مرشحة لمزيد من التطور خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمر نمو الطلب على الائتمان أو شهدت السوق تغيرات في اتجاهات السياسة النقدية.

وقد يدفع ذلك بعض البنوك إلى إطلاق منتجات ادخارية أكثر تخصصًا تستهدف شرائح مختلفة من العملاء، مع توسيع نطاق خدمات إدارة الثروات والاستثمار، بما يحول العلاقة مع العميل من مجرد مودع إلى شريك مصرفي طويل الأجل.