
دخل ملف إنشاء الاتحاد المصري للمطورين العقاريين مرحلة جديدة مع طرح مشروع القانون الخاص بالاتحاد، في وقت أصبحت فيه صناعة التطوير العقاري أحد المكونات الرئيسية للنشاط الاقتصادي في مصر، بالنظر إلى حجم الاستثمارات المرتبطة بها وتشابكها مع عشرات الصناعات والأنشطة ومئات الآلاف من فرص العمل.
وتكتسب خطوة تأسيس الاتحاد أهمية تتجاوز فكرة إنشاء كيان مهني يجمع الشركات، إذ تفتح الباب أمام وضع إطار مؤسسي أكثر وضوحًا للسوق، من خلال تصنيف المطورين، ورفع مستوى الشفافية، وتوفير بيانات أكثر دقة عن الشركات ومشروعاتها، بما قد ينعكس على قرارات العملاء والمستثمرين وعلى قدرة السوق على استقطاب استثمارات جديدة.
وقالت النائبة سهير كريم، عضو لجنة الإسكان والمرافق العامة والتعمير بمجلس النواب وأحد المطورين العقاريين البارزين في مصر، إن مشروع قانون إنشاء الاتحاد المصري للمطورين العقاريين يمثل خطوة مهمة نحو مرحلة جديدة من التنظيم المؤسسي للسوق، بما يتناسب مع حجم الطفرة العمرانية والاستثمارية التي مرت بها مصر خلال السنوات الماضية.
تنظيم صناعة كبرى يتجاوز فكرة الكيان المهني
ترى كريم أن أهمية القانون لا تتوقف عند إنشاء كيان يجمع المطورين، وإنما تمتد إلى تأسيس قواعد واضحة لصناعة أصبحت أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد المصري، وترتبط بها عشرات الصناعات والأنشطة ومئات الآلاف من فرص العمل.
وأكدت أن مصر نجحت في بناء سوق عقارية ضخمة، وأن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال هذا النمو من خلال منظومة مؤسسية حديثة تحافظ على استدامة السوق وتتعامل مع التوسع الكبير في حجم النشاط.
ويأتي إعلان الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عن المقترح الخاص بمشروع قانون إنشاء الاتحاد باعتباره مؤشرًا مهمًا بالنسبة إلى مجتمع التطوير العقاري، إذ يعكس إدراك الحكومة للثقل الاقتصادي والاستثماري للقطاع، ويضع تنظيم السوق ضمن مسار تطوير مناخ الاستثمار.
وقالت كريم إن اهتمام رئيس مجلس الوزراء بملف الاتحاد يمثل رسالة إلى القطاع بوجود إرادة للانتقال بالملف من سنوات الحوار والمناقشات إلى مرحلة التنفيذ، ووضع إطار تشريعي واضح لصناعة التطوير العقاري.
القطاع الخاص شريك رئيسي في الطفرة العمرانية
وأوضحت النائبة أن القطاع الخاص كان شريكًا رئيسيًا للدولة في تنفيذ الطفرة العمرانية وإنشاء جيل جديد من المدن والمجتمعات، وبالتالي فإن اتساع حجم النشاط العقاري يتطلب تطوير البيئة التشريعية والمؤسسية التي يعمل المطورون من خلالها.
ومن هذا المنطلق، ترى كريم أن الاتحاد المرتقب يجب ألا يكون مجرد تجمع مهني أو مظلة شكلية للشركات، وإنما جزءًا من عملية مأسسة صناعة التطوير العقاري في مصر، عبر وضع قواعد واضحة للممارسة، ورفع مستوى الشفافية والانضباط، وحماية مختلف أطراف السوق.
ويعني ذلك أن نجاح الاتحاد لن يقاس بمجرد تأسيسه، وإنما بقدرته على تقديم آليات عملية لتنظيم العلاقة بين المطور والدولة والعميل، مع الحفاظ على مساحة كافية للمنافسة والاستثمار.
تصنيف المطورين العقاريين في قلب القانون
وتضع كريم تصنيف المطورين العقاريين ضمن أهم المحاور التي يجب أن يتناولها القانون، على أن يعتمد التصنيف على معايير موضوعية وقابلة للقياس.
وتشمل هذه المعايير الملاءة المالية، والخبرات الفنية، وسابقة الأعمال، والقدرة التنفيذية، وحجم المشروعات المنفذة، ومدى الالتزام تجاه العملاء.
ولا تستهدف فكرة التصنيف، بحسب كريم، فرض قيود على الشركات الجديدة أو الصغيرة، وإنما تحقيق تناسب بين قدرات المطور وحجم المشروعات التي يتولى تنفيذها، بما يقلل مخاطر التعثر ويحمي العملاء، وفي الوقت نفسه يمنح الشركات الجادة صاحبة الخبرة والملاءة فرصة أفضل للنمو.
وقالت: «نريد سوقًا مفتوحة أمام الاستثمار والمنافسة، لكن وفق قواعد تضمن أن من يحصل على مشروع يمتلك القدرة الحقيقية على تنفيذه والوفاء بالتزاماته».
ويمثل هذا التصور أحد المحاور الأكثر ارتباطًا بحماية السوق، خاصة أن التوسع في حجم المشروعات العقارية يرفع أهمية قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها المالية والتنفيذية خلال المدد المتفق عليها.
قاعدة بيانات موحدة لزيادة شفافية السوق
وطالبت النائبة سهير كريم بأن يتزامن إنشاء الاتحاد مع تأسيس قاعدة بيانات موحدة للمطورين العقاريين، تتضمن تصنيفات الشركات وسابقة أعمالها والمشروعات التي تتولى تنفيذها.
ومن شأن وجود قاعدة بيانات واضحة أن يمنح المواطنين والمستثمرين والجهات المعنية قدرة أكبر على تقييم الشركات قبل اتخاذ قرارات مرتبطة بالشراء أو الاستثمار، بدلًا من الاعتماد فقط على الحملات التسويقية أو المعلومات المتاحة بصورة متفرقة.
وترى كريم أن حماية العميل يجب أن تبدأ قبل توقيع عقد شراء الوحدة، وليس بعد ظهور المشكلة، وذلك من خلال تمكينه من معرفة تاريخ المطور وخبراته وقدراته وسابقة أعماله.
وأكدت أن زيادة الشفافية تحقق مصلحة مشتركة للعميل والمطور الجاد، لأنها تمنح الشركات ذات الأداء القوي فرصة لإبراز سجلها أمام السوق، وتوفر للمشتري معلومات تساعده على اتخاذ قرار أكثر وعيًا.
التنظيم دون زيادة الأعباء على الشركات
في المقابل، حذرت كريم من أن يتحول القانون إلى مصدر جديد للأعباء والرسوم والإجراءات البيروقراطية، مؤكدة أن الهدف الأساسي يجب أن يتمثل في تنظيم السوق وتسهيل عمل المطور الملتزم، وليس تعقيد دورة الاستثمار.
وقالت: «المطور الجاد يجب أن يشعر بأن الاتحاد يوفر له سوقًا أكثر عدالة ووضوحًا، وليس أنه أصبح أمام جهة بيروقراطية إضافية، وبالتالي يجب أن يحقق القانون توازنًا دقيقًا بين التنظيم وتشجيع الاستثمار».
ويكتسب هذا التوازن أهمية خاصة في ظل حاجة السوق العقارية إلى استمرار تدفق الاستثمارات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قواعد تحمي العملاء وتحد من المخاطر الناتجة عن ضعف الملاءة أو القدرة التنفيذية لبعض الشركات.
تسريع الإجراءات وحل النزاعات
وترى النائبة سهير كريم أن الاتحاد يمكن أن يؤدي دورًا مهنيًا في تطوير آليات أكثر سرعة وفاعلية للتعامل مع النزاعات التي قد تنشأ داخل السوق، قبل تحولها إلى أزمات ممتدة.
ويستهدف هذا المسار الحفاظ على حقوق مختلف الأطراف وتقليل زمن النزاعات، بما يحافظ على ثقة العملاء والمستثمرين في القطاع، ويمنح الشركات آلية أكثر تنظيمًا للتعامل مع الخلافات التي قد تظهر خلال تنفيذ المشروعات أو التعاملات التجارية.
كما أشادت كريم بالدور الذي تقوم به المهندسة راندة المنشاوي في دفع ملف اتحاد المطورين العقاريين وتسريع التنسيق بين الأطراف والجهات المعنية، معتبرة أن الوصول إلى صيغة تشريعية واقعية وقابلة للتطبيق يتطلب جهدًا مؤسسيًا واستيعابًا لرؤى الحكومة والبرلمان والعاملين في الصناعة.
الاستثمار الأجنبي يراقب شكل السوق العقارية
ولا تقتصر أهمية الاتحاد على السوق المحلية، إذ تربط كريم بين تنظيم صناعة التطوير العقاري وقدرة مصر على جذب المزيد من الاستثمارات العربية والأجنبية.
فالمستثمر المؤسسي يبحث عادة عن أسواق تمتلك قواعد واضحة وبيانات موثوقة وشركات مصنفة ومنظومة مستقرة تحمي الاستثمارات، وهي عناصر يمكن أن يوفرها الإطار المؤسسي المنظم إذا جاءت قواعد الاتحاد واضحة وقابلة للتطبيق.
ومن هذه الزاوية، فإن تأسيس اتحاد فعال قد يتحول إلى إحدى أدوات رفع درجة وضوح السوق أمام المستثمر الخارجي، خصوصًا مع اتساع حجم المشروعات العقارية وتنوع الشركات العاملة في القطاع.
البرلمان أمام اختبار صياغة قانون متوازن
وأكدت النائبة سهير كريم أن لجنة الإسكان بمجلس النواب ستكون حريصة، عند مناقشة مشروع القانون، على الوصول إلى تشريع متوازن وقابل للتطبيق، يستطيع مواكبة التطورات المتسارعة في السوق.
وتكتسب مرحلة مناقشة القانون أهمية خاصة، إذ سيكون مطلوبًا تحقيق معادلة تجمع بين حماية العميل، ومنح المطور الجاد مساحة للنمو، والحفاظ على قدرة السوق على جذب الاستثمارات، دون تحويل التنظيم إلى إجراءات تعطل دورة الاستثمار.
كما شددت كريم على أهمية استمرار الحوار مع المطورين خلال إعداد الصيغة النهائية للقانون، حتى يعالج التشريع التحديات الفعلية التي تواجه الصناعة، ولا يقتصر على وضع إطار نظري بعيد عن طبيعة السوق.
اتحاد المطورين واختبار الثقة
أعادت التحركات الأخيرة ملف اتحاد المطورين العقاريين إلى مقدمة أولويات تنظيم السوق، في وقت تحتاج فيه الصناعة إلى قواعد أكثر وضوحًا تتناسب مع حجمها الاقتصادي والاستثماري.
وتتمثل أهمية المرحلة المقبلة في تحويل فكرة الاتحاد من إطار تشريعي إلى منظومة عملية تمتلك أدوات للتصنيف والبيانات وحماية العملاء وتسوية النزاعات، مع الحفاظ على سهولة ممارسة الأعمال وتشجيع المنافسة.
واختتمت النائبة سهير كريم تصريحاتها بالتأكيد على أن مصر تمتلك سوقًا عقارية كبيرة ومطورين لديهم خبرات قوية ومدنًا جديدة غيرت خريطة العمران في البلاد، وأن المطلوب حاليًا هو استكمال هذه المنظومة بإطار مؤسسي يتناسب مع حجم الصناعة، ويحقق معادلة واضحة تقوم على حصول الدولة على حقوقها، وقدرة المطور الجاد على النمو، وتمتع العميل بالحماية والشفافية، وامتلاك السوق العقارية المصرية قدرة أكبر على جذب الاستثمار والمنافسة إقليميًا.





