
الذهب في مصر يربح 160 جنيهًا خلال أسبوع ويسجل أعلى مستوى في 7 أسابيع
قفزة الأوقية العالمية بـ7.3% تدفع المعدن الأصفر إلى اختراق مستويات مقاومة مهمة
تعافي الجنيه أمام الدولار يحد من انتقال كامل الصعود العالمي إلى السوق المصرية
احتياطي النقد الأجنبي يتجاوز 56 مليار دولار لأول مرة وقيمة ذهب المركزي ترتفع إلى 17.14 مليار دولار
البنوك المركزية وصناديق الاستثمار تعود بقوة إلى شراء الذهب وسط تغير توقعات الفائدة الأمريكية
عاد الذهب ليفرض نفسه بقوة على المشهد الاقتصادي في مصر، لكن هذه المرة من بوابة مستوى ظل يمثل حاجزًا نفسيًا مهمًا للمواطنين والمتعاملين في سوق الصاغة.
فبعد أسابيع من التحركات المحدودة، تمكن عيار 21 من تجاوز مستوى الـ6000 جنيه، قبل أن يصل سعر الجرام إلى 6100 جنيه، في تحرك يعيد السؤال الأهم إلى الواجهة: هل كان ما حدث مجرد قفزة مؤقتة أم أن سوق الذهب بدأ بالفعل موجة صعود جديدة؟
المفارقة أن هذا الصعود الكبير جاء في الوقت الذي تحسن فيه الجنيه المصري أمام الدولار، وهو عامل يفترض نظريًا أن يحد من ارتفاع أسعار المعدن الأصفر محليًا، ما يكشف عن قوة الدفع التي تلقاها الذهب من الأسواق العالمية خلال الأسبوع الماضي.
ووفق التحليل الفني الصادر عن منصة «جولد بيليون»، ارتفع الذهب في مصر بنسبة 2.7% خلال الأسبوع الماضي، ليضيف نحو 160 جنيهًا إلى سعر الجرام، ويسجل أعلى مستوى له في نحو 7 أسابيع عند 6100 جنيه، بعدما بدأ تعاملات الأسبوع عند مستوى 5935 جنيهًا.
عيار 21 يخترق حاجزًا نفسيًا مهمًا
تمكن الذهب في السوق المحلية من الخروج من نطاق التحركات العرضية الذي سيطر على الأسعار لنحو شهرين، بعدما نجح في تجاوز المستوى النفسي البالغ 6000 جنيه للجرام.
ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة من الناحية الفنية، لأن السوق لم يكتف بملامسة المستوى وإنما نجح في إنهاء الأسبوع أعلى منه، وهو ما قد يدعم سيناريو استمرار الزخم الصعودي إذا ظلت العوامل العالمية والمحلية المساندة قائمة.
وبحسب «جولد بيليون»، استجمع الذهب خلال الفترة الأخيرة الزخم الكافي لاختراق منطقة المقاومة التي حدت من حركته لفترة طويلة، ليبدأ السوق اختبار مستويات سعرية جديدة.
غير أن استمرار الصعود لن يعتمد على حركة الذهب وحدها، إذ تبقى العلاقة بين سعر الأوقية عالميًا وسعر الدولار أمام الجنيه هي المعادلة الأساسية التي تحكم اتجاه أسعار الذهب في مصر.
لماذا ارتفع الذهب في مصر؟
يرجع العامل الرئيسي وراء القفزة الأخيرة في أسعار الذهب المحلية إلى الارتفاع الكبير الذي سجلته أونصة الذهب في الأسواق العالمية.
ويمثل السعر العالمي أحد المكونات الرئيسية لتسعير الذهب في السوق المصرية، إلى جانب سعر صرف الدولار أمام الجنيه وعوامل العرض والطلب وحركة السوق المحلية.
لكن اللافت أن الارتفاع في مصر جاء أقل بكثير من القفزة العالمية؛ فالذهب المحلي ارتفع بنحو 2.7% خلال الأسبوع، في حين قفزت الأوقية عالميًا بنسبة 7.3%.
والسبب وراء هذه الفجوة كان تحسن أداء الجنيه المصري أمام الدولار.
تعافي الجنيه يخفف صدمة الذهب
شهد سعر الدولار مقابل الجنيه تراجعًا ملحوظًا خلال الأسبوع الماضي، ليتحرك في اتجاه معاكس لصعود الذهب العالمي.
وفقد الدولار نحو 2.7% من قيمته أمام الجنيه، بما يعادل قرابة 1.40 جنيه، لينهي الأسبوع دون مستوى 50 جنيهًا للدولار.
وبالتالي تحركت أسعار الذهب المحلية بين قوتين متعارضتين: صعود عالمي قوي يدفع السعر إلى أعلى، وتحسن في قيمة الجنيه يقلل من حجم انتقال هذه الزيادة إلى السوق المصرية.
ولو لم يشهد الجنيه هذا التحسن، كان من الممكن أن يكون أثر الارتفاع العالمي على سعر عيار 21 أكبر من المستويات التي سجلها بالفعل.
احتياطي مصر من النقد الأجنبي يسجل مستوى تاريخيًا
جاء تحسن الجنيه بالتزامن مع بيانات إيجابية بشأن احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري.
وأعلن البنك المركزي ارتفاع الاحتياطي بنهاية يوليو إلى 56.29 مليار دولار، متجاوزًا مستوى 56 مليار دولار للمرة الأولى تاريخيًا، بعد زيادة بلغت نحو 1.22 مليار دولار.
وبذلك واصل الاحتياطي النقدي ارتفاعه للشهر الـ47 على التوالي، مدعومًا بنمو رصيد العملات الأجنبية إلى جانب زيادة قيمة الذهب المدرج ضمن الاحتياطيات.
وارتفعت قيمة احتياطي الذهب لدى البنك المركزي المصري إلى نحو 17.14 مليار دولار بنهاية يوليو، مقابل نحو 16.8 مليار دولار في يونيو السابق.
في الوقت نفسه، استقر رصيد الذهب الفعلي لدى البنك المركزي عند نحو 4.169 مليون أوقية.
الذهب العالمي يسجل أسبوعًا استثنائيًا
وعلى المستوى العالمي، سجل الذهب واحدًا من أقوى أسابيعه منذ بداية العام، محققًا أكبر ارتفاع أسبوعي منذ يناير الماضي.
وقفز سعر أونصة الذهب بنسبة 7.3% خلال أسبوع واحد، ووصل إلى أعلى مستوى له في نحو 7 أسابيع عند 4371 دولارًا للأوقية.
وكانت الأونصة قد بدأت تعاملات الأسبوع عند نحو 4075 دولارًا، قبل أن تنهي التداولات قرب مستوى 4341 دولارًا.
ولم يكن الصعود مجرد تحرك سعري عابر، إذ تمكن الذهب من اختراق خط الاتجاه الهابط متوسط الأجل، وهو ما عزز الزخم الشرائي بشكل واضح.
كما نجح المعدن الأصفر في تجاوز مستوى المقاومة المهم عند 4200 دولار للأوقية، قبل أن يتحرك نحو منطقة المقاومة الجديدة قرب مستوى 4340 دولارًا.
الفيدرالي الأمريكي يعيد تشكيل حسابات الأسواق
ارتبطت القفزة الأخيرة في الذهب بتغير واضح في توقعات الأسواق بشأن مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية.
فمع هدوء التوترات الجيوسياسية وتراجع أسعار النفط الخام بنسبة تقترب من 9.5% خلال الأسبوع الماضي، انخفضت حدة المخاوف المرتبطة بعودة الضغوط التضخمية.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات الوظائف الأمريكية علامات تباطؤ واضحة، وعلى رأسها تقرير الوظائف غير الزراعية، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن احتمالات ضعف وتيرة النمو في الاقتصاد الأمريكي.
ودفعت هذه التطورات المستثمرين إلى إعادة تقييم سيناريوهات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وتراجعت التوقعات التي كانت تراهن على احتمال رفع أسعار الفائدة خلال سبتمبر، بالتزامن مع تراجع مستويات الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياتها في نحو 7 أسابيع.
كما انخفضت عوائد السندات الحكومية الأمريكية، وهو عامل يصب عادة في مصلحة الذهب باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا.
لماذا يستفيد الذهب من تراجع الدولار والفائدة؟
كلما انخفضت توقعات رفع أسعار الفائدة أو تراجعت عوائد السندات، تصبح تكلفة الاحتفاظ بالذهب أقل نسبيًا بالنسبة إلى المستثمرين.
كما أن تراجع الدولار الأمريكي يجعل الذهب المقوم بالعملة الأمريكية أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ما يدعم الطلب العالمي عليه.
وهذه العوامل مجتمعة ساهمت في إنهاء سلسلة الخسائر التي كان الذهب قد دخل فيها منذ نهاية يناير، وأعادت المعدن الأصفر مجددًا إلى صدارة الأصول التي يراقبها المستثمرون.
البنوك المركزية تواصل شراء الذهب
لم تقتصر العوامل الداعمة للذهب على تحركات الدولار وأسعار الفائدة، إذ واصلت البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطياتها من المعدن الأصفر.
ووفق بيانات مجلس الذهب العالمي الواردة في تحليل «جولد بيليون»، سجلت البنوك المركزية مشتريات من الذهب بلغت نحو 51 طنًا خلال يونيو.
وجاء البنك المركزي البولندي في مقدمة المشترين بنحو 19 طنًا، بينما اشترى البنك المركزي الصيني نحو 15 طنًا.
وتعكس هذه المشتريات استمرار اهتمام المؤسسات النقدية الكبرى بالذهب كأحد مكونات الاحتياطيات وأداة للتحوط من التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
3 مليارات دولار تتجه إلى صناديق الذهب
كما أظهرت حركة صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب عودة شهية المستثمرين تجاه المعدن النفيس.
وسجلت الصناديق تدفقات نقدية داخلة بقيمة تقارب 3 مليارات دولار خلال يوليو، بعد شهرين متتاليين من خروج الاستثمارات.
وجاءت التدفقات الجديدة بقيادة صناديق الذهب الأوروبية، فيما ارتفعت قيمة الأصول المدارة بواسطة هذه الصناديق بنسبة 1% إلى نحو 530 مليار دولار.
كما زادت حيازات الصناديق من الذهب بنحو 23.5 طن، لتصل إلى حوالي 4068 طنًا.
هل بدأت موجة صعود جديدة لأسعار الذهب؟
يبقى هذا هو السؤال الأصعب في السوق حاليًا.
فمن الناحية الفنية، تجاوز عيار 21 مستوى الـ6000 جنيه وإنهاء الأسبوع أعلى هذا الحاجز يمنح الذهب المحلي إشارة إيجابية، خاصة بعد فترة طويلة من التحركات المحدودة.
لكن المشهد لا يزال مرتبطًا بعدة متغيرات سريعة الحركة.
فاستمرار ارتفاع الأوقية عالميًا يمكن أن يدفع أسعار الذهب في مصر إلى مستويات جديدة، بينما قد يؤدي استمرار تعافي الجنيه أمام الدولار إلى امتصاص جزء من هذه الارتفاعات.
أما السيناريو الأكثر تأثيرًا على الأسعار محليًا، فيتمثل في تزامن ارتفاع الذهب العالمي مع عودة الدولار إلى الصعود أمام الجنيه، إذ يمكن حينها أن تتلقى الأسعار المحلية دفعة مزدوجة.
وفي المقابل، فإن تراجع الأوقية أو استمرار قوة الجنيه قد يدفع السوق إلى التهدئة وإعادة اختبار المستويات التي تم اختراقها مؤخرًا.
عيار 21 يدخل أسبوعًا حاسمًا
وهكذا يدخل الذهب في مصر مرحلة أكثر حساسية بعد أن تغيرت خريطة الأسعار خلال أسبوع واحد.
عيار 21 تجاوز حاجز الـ6000 جنيه، والأوقية العالمية كسرت مستويات مقاومة مهمة، والدولار تراجع أمام الجنيه، في وقت عادت فيه البنوك المركزية وصناديق الاستثمار إلى تعزيز مشترياتها من الذهب.
وبين هذه العوامل المتشابكة، لم يعد السؤال مقتصرًا على سعر الذهب اليوم، وإنما بات يدور حول ما إذا كانت الأسواق أمام بداية موجة صعود جديدة أم مجرد إعادة تسعير مؤقتة بعد أسبوع استثنائي للمعدن الأصفر.
وتظل تحركات الأوقية العالمية وسعر الدولار أمام الجنيه وقرارات الفيدرالي الأمريكي هي المفاتيح الثلاثة الأهم التي سيترقبها المتعاملون لتحديد الوجهة القادمة لأسعار الذهب في مصر.





