
قبل ثوانٍ من شعور بعض المصريين بالهزة الأرضية التي ضربت محيط السويس فجر الإثنين، ظهرت على شاشات عدد من هواتف أندرويد رسالة تحذيرية من زلزال قريب. مشهد أثار دهشة واسعة، وفتح باب التساؤلات: كيف عرف الهاتف أن زلزالًا وقع؟ وهل أصبح الموبايل قادرًا بالفعل على التنبؤ بالزلازل؟
الإجابة العلمية أكثر دقة من فكرة «التنبؤ». فالهاتف لا يعرف أن الزلزال سيقع قبل بدايته، ولا يحدد موعده مسبقًا، وإنما يرصد الاهتزازات فور انطلاقها، ثم يستفيد من الفارق الزمني بين الموجات الزلزالية المختلفة لإرسال تحذير إلى المناطق التي لم تصل إليها الموجات الأقوى بعد.
وهنا يظهر الدور الحاسم لمستشعر صغير موجود داخل معظم الهواتف الذكية يعرف باسم مقياس التسارع Accelerometer، إلى جانب خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تجمع إشارات عدد كبير من الأجهزة وتحللها خلال أجزاء من الثانية.
ما هو مقياس التسارع؟
مقياس التسارع هو المستشعر المسؤول عن رصد حركة الهاتف وتغير اتجاهه. ومن خلاله يعرف الجهاز مثلًا أن المستخدم أدار الشاشة من الوضع الرأسي إلى الأفقي، أو تحرك أثناء المشي والجري.
لكن المستشعر يستطيع أيضًا التقاط اهتزازات غير معتادة تحدث بصورة متزامنة في نطاق جغرافي واحد، وهي الخاصية التي تسمح باستخدام الهواتف كأدوات مساندة في رصد الزلازل.
فعندما يكون الهاتف ثابتًا، غالبًا أثناء الشحن أو موضوعًا على سطح، ويسجل اهتزازًا يشبه الحركة الناتجة عن الموجات الزلزالية، يرسل إشارة آلية إلى خوادم جوجل، تتضمن بيانات فنية وموقعًا تقريبيًا دون الكشف عن هوية المستخدم.
ولا تعتمد المنظومة على إشارة هاتف واحد؛ لأن سقوط جهاز أو تحركه بقوة قد ينتج اهتزازًا مشابهًا. لذلك تبدأ قيمة النظام الحقيقية عندما تصل إشارات متطابقة من عشرات أو مئات الهواتف الموجودة في المنطقة نفسها.
الذكاء الاصطناعي يفرّق بين سقوط الهاتف والزلزال
تتلقى خوادم جوجل البيانات الواردة من الأجهزة، ثم تستخدم خوارزميات متقدمة لتحليل نمط الاهتزاز، ومدته، واتجاهه، وتزامنه بين الهواتف المختلفة.
وإذا رصد النظام عددًا كبيرًا من الأجهزة يسجل حركة متقاربة في المكان والوقت نفسيهما، يستبعد أن يكون الأمر مجرد حوادث فردية، ويرجح وجود نشاط زلزالي فعلي.
بعد ذلك، يحدد النظام بصورة أولية موقع الهزة وقوتها، ويرسل تنبيهًا إلى المستخدمين الموجودين في المناطق المتوقع أن تصل إليها الموجات الأكثر تأثيرًا.
وبذلك، يتحول كل هاتف إلى نقطة استشعار صغيرة داخل شبكة ضخمة موزعة جغرافيًا، وهو ما جعل جوجل تصف منظومتها بأنها واحدة من أكبر شبكات رصد الزلازل الجماعية في العالم.
كيف يصل التحذير قبل الهزة؟
يكمن السر في اختلاف سرعة الموجات الناتجة عن الزلزال.
فعند حدوث الهزة، تنطلق أولًا ما يعرف بـ الموجات الأولية P-Waves، وهي الأسرع حركة والأقل تأثيرًا في العادة. تستطيع مستشعرات الهواتف ومحطات الرصد التقاط هذه الموجات مبكرًا.
ثم تصل بعدها الموجات الثانوية S-Waves، وهي أبطأ لكنها أكثر قوة وقدرة على إحداث الاهتزاز الذي يشعر به السكان.
وتنتقل المعلومات الرقمية عبر الإنترنت أسرع كثيرًا من انتقال الموجات الزلزالية داخل القشرة الأرضية، ولذلك يمكن للنظام أن يرصد الموجات الأولية، ويحللها، ثم يرسل تنبيهًا إلى مناطق أبعد قبل وصول الموجات الثانوية إليها.
ولا يعني ذلك أن المستخدم سيحصل دائمًا على دقائق للاستعداد؛ ففي كثير من الحالات لا يتجاوز الفارق عدة ثوانٍ، وقد يصل إلى عشرات الثواني عندما تكون المسافة بين مركز الزلزال والمستخدم كبيرة نسبيًا.
لكن هذه الثواني قد تكون كافية لإبعاد الشخص عن النوافذ، وإيقاف المصاعد، وإيقاف بعض المعدات الحساسة، أو الاحتماء في مكان آمن.
لماذا لا يصل التنبيه إلى الجميع؟
لا يتلقى جميع المستخدمين التحذير في الوقت نفسه، وقد لا يصل إلى بعضهم مطلقًا، بسبب عدة عوامل، منها قرب الشخص الشديد من مركز الزلزال؛ إذ قد تصل الهزة قبل أن تتمكن المنظومة من تحليل البيانات وإرسال الإشعار.
كما يتأثر التنبيه باتصال الهاتف بالإنترنت، وتفعيل خدمات الموقع وتنبيهات الزلازل، ونوع الجهاز وإصدار نظام أندرويد، بالإضافة إلى مدى توافر عدد كافٍ من الهواتف القادرة على رصد الحركة في المنطقة المحيطة بمركز الهزة.
ويختلف وقت وصول التنبيه أيضًا باختلاف المسافة؛ فالمستخدم الموجود بعيدًا عن المركز قد يحصل على مهلة أطول من شخص يقيم بالقرب منه.
هل يتنبأ الهاتف بموعد الزلزال؟
علميًا، الإجابة هي لا.
فحتى الآن لا توجد تقنية تستطيع تحديد موعد ومكان وقوة زلزال مستقبلي بدقة قبل وقوعه. وما تفعله هواتف أندرويد يندرج تحت مفهوم الإنذار المبكر، وليس التنبؤ.
الفارق جوهري؛ فالتنبؤ يعني معرفة الحدث قبل أن يبدأ، أما الإنذار المبكر فيعني اكتشافه بعد بدايته مباشرة، وقبل وصول أخطر موجاته إلى مناطق أخرى.
ولهذا، فإن الصياغة الأدق ليست: «كيف يتنبأ الموبايل بالزلزال؟»، بل: كيف يحذر الهاتف من الهزة قبل أن تشعر بها؟
شبكة مساندة وليست بديلًا للرصد الرسمي
رغم التطور الكبير الذي تمثله هذه التقنية، فإنها لا تغني عن الشبكات القومية ومحطات الرصد الزلزالي المتخصصة.
فالمحطات العلمية تملك أجهزة أكثر دقة، وتستطيع تسجيل تفاصيل النشاط الزلزالي وتحليل قوته وعمقه وموقعه بصورة موثوقة. أما الهواتف، فتؤدي دورًا مساعدًا في توسيع نطاق الرصد وتسريع إيصال التحذير إلى الجمهور.
وتبرز أهمية شبكة الهواتف خصوصًا في المناطق التي لا تضم عددًا كافيًا من محطات الرصد التقليدية؛ إذ يمكن للانتشار الواسع للأجهزة أن يعوض جزئيًا نقص البنية التحتية.
الذكاء الاصطناعي يدخل إدارة الكوارث
تعكس تقنية إنذار الزلازل اتجاهًا أوسع لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مواجهة الكوارث الطبيعية.
فبدل انتظار التقارير اليدوية، تستطيع الخوارزميات تحليل ملايين الإشارات في الوقت الفعلي، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، وتقدير المناطق المعرضة للخطر، وإرسال رسائل مخصصة إلى المستخدمين.
كما يمكن دمج هذه الأنظمة مستقبلًا مع شبكات النقل والمصانع والمستشفيات، بحيث تتخذ إجراءات تلقائية، مثل إبطاء القطارات، أو وقف خطوط الغاز، أو فتح أبواب الطوارئ، قبل وصول الموجات القوية.
لكن كفاءة هذه المنظومات تظل مرتبطة بسرعة الاتصال، ودقة البيانات، وانتشار الأجهزة، ووجود خطط واضحة للاستجابة بعد وصول التحذير.
ماذا تفعل عند وصول التنبيه؟
عند تلقي تحذير بزلزال قريب، ينبغي الابتعاد فورًا عن النوافذ والأرفف والأجسام القابلة للسقوط، وعدم استخدام المصاعد، والاحتماء أسفل طاولة متينة أو بجوار جدار داخلي إذا كان الشخص داخل مبنى.
أما في الخارج، فيفضل الابتعاد عن الواجهات الزجاجية وأعمدة الكهرباء، بينما ينبغي لقائد السيارة التوقف في مكان آمن بعيدًا عن الكباري والأنفاق.
فالهدف من الرسالة ليس إثارة الذعر، بل استغلال الثواني المحدودة لاتخاذ خطوة تقلل احتمالات الإصابة.
الخلاصة
لم يتحول الهاتف إلى جهاز يتنبأ بالمستقبل، لكنه أصبح جزءًا من منظومة ذكية تستطيع التقاط الزلزال لحظة بدايته، وتحليل إشارات آلاف الأجهزة، ثم تحذير مناطق لم تصل إليها الموجات القوية بعد.
وبفضل مقياس التسارع والذكاء الاصطناعي وسرعة الإنترنت، تحولت هواتف أندرويد من أدوات اتصال إلى شبكة رصد موزعة قد تمنح المستخدم ثواني ثمينة قبل الهزة.
إنها مهلة قصيرة، لكنها في إدارة الكوارث قد تصنع فارقًا كبيرًا بين المفاجأة والاستعداد.





