جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

“435 طنًا من الذهب خارج القنوات الرسمية.. “مرصد الذهب” يكشف خريطة التهريب في أفريقيا وقيمة تتجاوز 30 مليار دولار

يشكل ملف تجارة الذهب غير الرسمية في أفريقيا أحد أكثر الملفات تعقيدًا في أسواق المعادن العالمية، مع ارتفاع قيمة المعدن النفيس إلى مستويات قياسية وتزايد أهمية الذهب كمصدر للعملة الأجنبية في الدول المنتجة. وفي الوقت الذي تتوسع فيه محاولات بعض الشبكات للاستفادة من الفجوات الرقابية ومسارات التجارة الإقليمية، تتحرك مصر لتعزيز الرقابة على حدودها الجنوبية ومواجهة أي محاولات لاستغلال أراضيها ضمن شبكات تهريب الذهب العابرة للحدود.

وتشير تقديرات دولية إلى أن كميات كبيرة من الذهب الأفريقي تغادر الدول المنتجة خارج القنوات الرسمية، ما يحرم الحكومات من عائدات ضريبية وتصديرية ضخمة، بينما تدفع الاضطرابات السياسية والنزاعات المسلحة في بعض الدول، وعلى رأسها السودان، نحو زيادة تعقيد حركة المعدن النفيس بين مناطق الإنتاج والأسواق العالمية.

مصر في مواجهة محاولات استغلال الحدود الجنوبية

كشف «مرصد الذهب» أن بعض الدراسات والتقارير الدولية تضع دول الجوار السوداني، ومن بينها مصر، ضمن المسارات التي قد تحاول شبكات غير رسمية استخدامها لنقل جزء من الذهب المنتج خارج القنوات الرسمية، مستفيدة من اتساع الحدود الصحراوية وتعدد المسارات غير الرسمية.

وأوضح المرصد أن ورود اسم مصر ضمن مسارات العبور المحتملة لا يعني وجود سياسة مصرية تسمح بتهريب الذهب، ولا يثبت تورط المؤسسات الرسمية أو السوق المصرية في إعادة تصدير كميات محددة، خاصة مع عدم وجود بيانات معلنة ودقيقة تحدد حجم الذهب السوداني الذي دخل مصر بصورة غير قانونية.

وفي المقابل، تعكس البيانات الرسمية المصرية تحركات أمنية متزايدة لمواجهة التنقيب العشوائي والتهريب على الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي خلال عام 2026.

ففي بيان صادر في 23 يونيو 2026، أعلنت قوات حرس الحدود، بالتنسيق مع القوات المسلحة، ضبط 58 واقعة تنقيب عشوائي عن خام الذهب، ومصادرة 20 جهاز كشف عن المعادن، و200 آلة حفر كهربائية، و118 مولدًا كهربائيًا، إلى جانب نحو 86 طنًا من الأحجار المخلوطة بخام الذهب، ضمن عمليات أوسع شملت أيضًا ضبط قضايا اتجار في السلاح والمخدرات والهجرة غير النظامية.

وسبق ذلك في يونيو 2026 تنفيذ عملية أمنية موسعة على الحدود مع السودان أسفرت عن احتجاز مئات الأشخاص، من بينهم رعايا أجانب، على خلفية اتهامات بالتنقيب غير المشروع والتهريب، بعد ضربات استهدفت مجموعات سودانية متورطة في هذه الأنشطة عقب تجاوزها الحدود المصرية.

وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب» للدراسات الاقتصادية، إن التعامل مع الملف يجب أن يكون من زاوية أمنية واقتصادية متكاملة، مشيرًا إلى أن مصر تتعامل مع التنقيب غير المشروع والتهريب باعتبارهما نشاطين مخالفين للقانون، بينما تعمل على حماية حدودها الجنوبية وتوسيع نطاق الاستكشاف الرسمي للذهب.

وفي هذا السياق، تعتزم هيئة الثروة المعدنية طرح 3 مناطق استثمار جديدة للبحث عن الذهب في الصحراء الشرقية خلال النصف الثاني من 2026، ضمن توجه لزيادة مشاركة القطاع الرسمي في نشاط التعدين.

435 طنًا من الذهب الأفريقي خرجت خارج القنوات الرسمية

أظهر تقرير صادر عن منظمة SWISSAID أن تجارة الذهب غير الرسمية أصبحت من أكبر التحديات التي تواجه قطاع التعدين في القارة الأفريقية، بعدما خرج ما لا يقل عن 435 طنًا من الذهب الأفريقي خارج القنوات الرسمية خلال عام 2022.

وقدرت المنظمة الإنتاج غير المعلن من التعدين الأهلي بين 321 و474 طنًا سنويًا، بما يعكس اتساع الاقتصاد غير الرسمي داخل قطاع الذهب، خاصة أن التعدين الأهلي يمثل المصدر الرئيسي للإنتاج في عدد كبير من الدول الأفريقية.

ورغم أن هذه التقديرات تعود إلى عام 2022، فإن تطورات عامي 2025 و2026، خاصة في السودان وغانا، تشير إلى استمرار الظاهرة مع تغير بعض مسارات التجارة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب عالميًا.

وأوضح فاروق أن القيمة الاقتصادية للذهب غير الرسمي ارتفعت بصورة كبيرة مع صعود الأسعار العالمية، مشيرًا إلى أن سعر الأوقية تجاوز 4000 دولار في نهاية يوليو 2026، مقارنة بنحو 2300 دولار وقت إعداد تقديرات عام 2022.

وأضاف أن ارتفاع الأسعار يعني أن الخسائر الاقتصادية الحالية للدول المنتجة أصبحت أكبر بكثير من التقديرات السابقة، حتى في حال ثبات حجم الذهب الخارج عن القنوات الرسمية.

الإمارات مركز رئيسي في تجارة الذهب الأفريقي

وفقًا لدراسة SWISSAID، كانت الإمارات الوجهة الرئيسية للذهب الأفريقي غير المعلن خلال عام 2022، بعدما استقبلت نحو 405 أطنان من إجمالي الفجوة المقدرة بـ435 طنًا.

كما تشير بيانات الدراسة إلى أن الإمارات استوردت خلال الفترة من 2012 إلى 2022 نحو 2,569 طنًا من الذهب الأفريقي لم يظهر في بيانات التصدير الرسمية للدول الأفريقية، بقيمة تجاوزت 115 مليار دولار.

وأكد «مرصد الذهب» أن الإمارات أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكبر مراكز تجارة الذهب عالميًا، بفضل موقعها الجغرافي القريب من أفريقيا، وتطور بنيتها اللوجستية، ووجود مصافٍ وأسواق نشطة للذهب، إضافة إلى دورها في إعادة التصدير إلى أسواق مثل سويسرا والهند وهونغ كونغ.

وأشار التقرير إلى أن نحو 80% من إنتاج التعدين الأهلي في غانا كان يُكرر في دبي، قبل أن تدفع اضطرابات حركة الطيران السلطات الغانية إلى دراسة مسارات بديلة عبر الهند والصين.

وفي المقابل، تؤكد الإمارات أنها طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وطبقت قواعد أكثر صرامة للعناية الواجبة في تجارة الذهب، من بينها القرار الوزاري رقم 68 لسنة 2024 الخاص بالتزام مصافي الذهب بسياسة العناية الواجبة، إضافة إلى قانون جديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أُقر عام 2025.

ويرى «مرصد الذهب» أن تقييم هذه الإجراءات يعتمد على نتائج التطبيق الفعلي، ومستوى الإفصاح عن بلد الاستخراج الأصلي، وعدد المخالفات والعقوبات، وليس فقط على وجود التشريعات.

السودان.. الذهب في قلب اقتصاد الحرب

يمثل السودان أحد أبرز الأمثلة على تعقيدات تجارة الذهب في القارة الأفريقية، إذ أصبح المعدن النفيس عنصرًا رئيسيًا في اقتصاد البلاد خلال فترة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

ووفق بيانات بنك السودان المركزي ووزارة المعادن السودانية، بلغ إنتاج الذهب في السودان نحو 70 طنًا خلال عام 2025، بزيادة 13% عن المستهدف، وهو أعلى مستوى للإنتاج منذ اندلاع الحرب.

وكان الإنتاج قد تراجع إلى نحو طنين فقط عقب اندلاع الحرب، قبل أن يرتفع تدريجيًا إلى 64 طنًا خلال عام 2024.

ورغم ارتفاع الإنتاج، اقتصرت الصادرات الرسمية خلال عام 2025 على نحو 14.7 طن فقط بقيمة بلغت حوالي 1.536 مليار دولار، ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الإنتاج المعلن والصادرات الرسمية.

ولا يمكن اعتبار كامل هذه الفجوة ذهبًا مهربًا، إذ قد تشمل مخزونًا سابقًا أو استهلاكًا محليًا أو فروقًا زمنية بين الإنتاج والتصدير، إلى جانب الكميات التي تخرج خارج القنوات الرسمية.

وتزداد أهمية هذه الفجوة مع سيطرة التعدين التقليدي على أكثر من 80% من إنتاج الذهب السوداني، مع انخفاض عدد الولايات المنتجة من 14 ولاية قبل الحرب إلى 6 ولايات فقط خلال الفترة الحالية.

وتقدر SWISSAID أن ما بين 50% و70% من إنتاج الذهب السوداني يخرج سنويًا خارج القنوات الرسمية، كما تشير إلى تهريب ما لا يقل عن 400 طن من الذهب السوداني خلال الفترة بين 2012 و2024.

عقوبات دولية على تجارة ذهب السودان

في يوليو 2026، صعّد الاتحاد الأوروبي الإجراءات المتعلقة بتجارة الذهب السوداني، حيث قرر في 13 يوليو حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني داخل دول الاتحاد.

كما حظر تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما من المواد المستخدمة في استخلاص الذهب، بهدف تقليص استخدام عائدات المعدن في تمويل النزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.

وبعد ثلاثة أيام، أعلنت المملكة المتحدة في 16 يوليو حزمة عقوبات جديدة استهدفت 11 فردًا وكيانًا متهمين باستخدام تجارة الذهب في تمويل الحرب، من بينهم ثلاث شركات تعدين حكومية سودانية، إلى جانب شركات واجهة تنشط في أسواق الذهب بدبي وهونغ كونغ.

ويرى «مرصد الذهب» أن العقوبات قد تقلل من قدرة بعض الشبكات على العمل، لكنها لا توقف التدفقات تلقائيًا، بسبب إمكانية إعادة تكرير الذهب أو تصديره عبر دول ثالثة.

غانا تقدم نموذجًا مختلفًا لتنظيم التعدين الأهلي

على الجانب الآخر، تقدم غانا تجربة مختلفة في التعامل مع الذهب غير الرسمي، بعدما تحولت من خسائر التهريب إلى محاولة دمج التعدين الأهلي داخل الاقتصاد الرسمي.

ووفق تحقيقات نقلها مسؤولون غانيون، خسرت البلاد نحو 11.4 مليار دولار خلال الفترة بين 2019 و2023 بسبب الفجوة بين صادرات الذهب وواردات الدول الشريكة.

ودفعت هذه الخسائر إلى إنشاء مجلس الذهب الغاني “GoldBod”، ومنحه حق شراء وتصدير ذهب التعدين الأهلي حصريًا، مع إلغاء ضريبة كانت تشجع المنتجين على البيع خارج القنوات الرسمية.

وسجل إنتاج التعدين الأهلي والصغير في غانا مستوى قياسيًا بلغ 104 أطنان خلال 2025، متجاوزًا إنتاج الشركات الكبرى لأول مرة، وحقق القطاع نحو 11 مليار دولار من عائدات النقد الأجنبي مقابل نحو 9 مليارات دولار من شركات التعدين الكبرى.

وبحسب بيانات قدمها نائب وزير المالية الغاني للبرلمان في يونيو 2026، اشترى المجلس 135.843 طنًا من الذهب بين يناير 2025 ومايو 2026، منها 135.221 طنًا من قطاع التعدين الأهلي، بإنفاق إجمالي بلغ 16.11 مليار دولار.

مستقبل تجارة الذهب الأفريقي بين التنظيم والرقابة

يرى «مرصد الذهب» أن مواجهة تجارة الذهب غير الرسمية تحتاج إلى حلول تتجاوز الإجراءات الأمنية، عبر تطوير أنظمة تتبع منشأ الذهب من المنجم حتى المصفاة، وربط بيانات الإنتاج والتصدير بقواعد رقمية مشتركة بين الدول.

كما أوصى التقرير بإلزام المصافي والتجار بالإفصاح عن بلد الاستخراج الحقيقي، وتشديد الرقابة على الذهب المحمول جوًا، وتعزيز التعاون بين الجمارك والبنوك المركزية والجهات الأمنية.

وأكد أهمية دعم التعدين الأهلي بدلًا من الاكتفاء بتجريمه، من خلال تسهيل إجراءات التسجيل، وتوفير قنوات بيع رسمية بأسعار تنافسية، والاستفادة من تجربة غانا في إدخال إنتاج صغار المعدنين إلى الاقتصاد الرسمي.

وفي ظل ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، يبقى ملف التجارة غير الرسمية للمعدن النفيس أحد الملفات الاقتصادية والأمنية الأكثر حساسية في أفريقيا، بينما تمثل حماية الحدود المصرية الجنوبية وتنظيم قطاع التعدين المحلي محورين رئيسيين في التعامل مع تداعيات هذا الملف إقليميًا.