
لم تعد جرائم الابتزاز الإلكتروني تقتصر على اختراق الحسابات أو سرقة الصور الشخصية، بل دخلت مرحلة أكثر خطورة مع الانتشار الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي باتت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وصوتيات مزيفة يصعب على غير المتخصصين اكتشافها.
وفي تطور لافت، دعت إحدى المحاكم المصرية المشرّعين إلى سرعة إصدار قانون ينظم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بعد نظر قضية ابتزاز استخدمت فيها صور ومحتوى مزيف جرى إنتاجه بواسطة هذه التقنيات، في خطوة تعكس إدراكًا قضائيًا متزايدًا لحجم التحديات التي فرضها التطور التكنولوجي على المنظومة القانونية.
قضية بدأت بابتزاز وانتهت برسالة إلى المشرّعين
أودعت الدائرة السابعة بمحكمة جنايات دمنهور حيثيات حكمها الصادر بحبس طالب لمدة عام مع إيقاف التنفيذ، بعد إدانته بابتزاز إحدى قريباته من خلال محتوى مفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ورغم انتهاء القضية بالتصالح بين الطرفين، فإن المحكمة استغلت حيثيات الحكم لتوجيه رسالة مباشرة إلى مجلسي النواب والشيوخ، مطالبة بسرعة وضع إطار تشريعي ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي، ويمنع استغلاله في جرائم التشهير والابتزاز وانتهاك الخصوصية.
وأكدت المحكمة أن الذكاء الاصطناعي أُوجد لخدمة الإنسان ودعم البحث العلمي، وليس للاعتداء على سمعة الأفراد أو تهديد أمنهم الاجتماعي.
لماذا طالبت المحكمة بقانون جديد؟
رغم وجود قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، رأت المحكمة أن التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي خلق تحديات لم تكن مطروحة عند إعداد التشريعات الحالية.
فبرامج “التزييف العميق” أصبحت قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات تبدو شديدة الواقعية، ما يجعل إثبات الجريمة والكشف عن التزييف أكثر تعقيدًا، ويستلزم إجراءات وخبرات تقنية متخصصة.
وترى المحكمة أن التشريع الجديد يجب ألا يقتصر على العقوبات، بل يتضمن قواعد واضحة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، وآليات الإثبات، والاستعانة بالخبراء، وضمان حماية الخصوصية.
هل القانون الحالي يعاقب بالفعل؟
يرى عدد من القانونيين أن التشريعات المصرية الحالية لا تخلو من النصوص العقابية، إذ يجرم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات استخدام الصور أو مقاطع الفيديو المفبركة إذا ترتب عليها الإضرار بالآخرين أو المساس بسمعتهم أو خصوصيتهم.
كما تتضمن بعض مواده عقوبات تصل إلى السجن والغرامة في الجرائم المرتبطة بالتلاعب بالبيانات أو استخدام وسائل تقنية للإضرار بالأفراد.
لكن الجدل لا يدور حول وجود العقوبة، وإنما حول مدى قدرة النصوص الحالية على مواكبة التطورات المتسارعة في أدوات الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بوسائل الإثبات والإجراءات الفنية.
“التزييف العميق”.. التحدي الأكبر
يرى متخصصون في الأمن السيبراني أن أخطر ما أفرزته تطبيقات الذكاء الاصطناعي هو تقنية Deepfake، التي تتيح إنتاج صور وفيديوهات وأصوات تبدو حقيقية إلى حد كبير.
ومع انتشار التطبيقات المجانية وسهولة استخدامها، لم تعد هذه التقنيات حكرًا على المتخصصين، بل أصبحت متاحة لأي مستخدم يمتلك هاتفًا ذكيًا واتصالًا بالإنترنت، وهو ما يضاعف احتمالات إساءة استخدامها في جرائم الابتزاز والتشهير والاحتيال.
لماذا أصبح التشريع ضرورة؟
يرى خبراء أن سن قانون متخصص للذكاء الاصطناعي لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة الجرائم الجديدة.
فالتشريع المنتظر يمكن أن يحدد مسؤولية مطوري التطبيقات، وينظم استخدام المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، ويضع قواعد فنية للإثبات، ويمنح جهات التحقيق والمحاكم أدوات قانونية أكثر مرونة للتعامل مع الجرائم الرقمية الحديثة.
كما يسهم في تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبين حماية المجتمع من إساءة استخدامها.
جرائم المستقبل بدأت بالفعل
تكشف قضية دمنهور أن التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي لم تعد سيناريوهات مستقبلية، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على المحاكم وأجهزة إنفاذ القانون.
ومع تزايد الاعتماد على التقنيات الذكية في مختلف مجالات الحياة، تبدو الحاجة ملحة إلى تطوير المنظومة التشريعية بما يضمن مواكبة هذا التحول، ويحافظ في الوقت نفسه على حقوق الأفراد وخصوصيتهم، ويغلق الباب أمام استغلال التكنولوجيا في ارتكاب جرائم يصعب اكتشافها أو إثباتها بالوسائل التقليدية.





