جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

الاختبار الأصعب.. 3 سيناريوهات ترسم مستقبل الاقتصاد المصري بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي

 

يتجه اهتمام الأسواق والمؤسسات المالية والمستثمرين اليوم إلى اجتماع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، الذي يناقش المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، في محطة تُعد من أهم محطات العلاقة الممتدة بين القاهرة والصندوق منذ عام 2016.

- Advertisement -

ورغم أن الأنظار تتجه إلى قيمة الشريحة التمويلية الجديدة وما قد يصدر عن الاجتماع من رسائل بشأن الاقتصاد المصري، فإن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بما ستحصل عليه مصر اليوم، بل بما سيأتي بعد انتهاء البرنامج الحالي. فهل تستطيع أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان أن تنتقل من مرحلة الاعتماد على برامج التمويل الدولية إلى مرحلة يقود فيها الإنتاج والصادرات والاستثمار النمو الاقتصادي بصورة مستدامة؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا، خاصة مع إعلان الحكومة العمل على إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، يستهدف تعزيز قدرة الاقتصاد على توليد موارده الذاتية من النقد الأجنبي، وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، ورفع مساهمة القطاع الخاص في النمو.

ومن هنا، لا يقتصر هذا الفصل على قراءة نتائج اجتماع صندوق النقد، بل يحاول استشراف ما بعده، والإجابة عن سؤال بات يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن للاقتصاد المصري أن ينجح في مرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي، وما الشروط اللازمة لتحقيق ذلك؟

10 سنوات رسمت العلاقة بين مصر و صندوق النقد الدولي 

على مدار ما يقرب من عشر سنوات، ارتبط اسم صندوق النقد الدولي في أذهان كثيرين بقرارات تحرير سعر الصرف، ورفع أسعار الفائدة، وإعادة هيكلة الدعم، والمراجعات الدورية التي كانت تترقبها الأسواق.

لكن اللافت خلال الأشهر الأخيرة أن الخطاب الرسمي بدأ يتغير تدريجيًا. فلم يعد التركيز منصبًا على استكمال برنامج الإصلاح الحالي فحسب، بل برز حديث واضح عن إعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لأي اقتصاد أن يخرج نهائيًا من دائرة برامج صندوق النقد؟

الإجابة الاقتصادية تقول إن الأمر لا يرتبط بالرغبة السياسية وحدها، وإنما بقدرة الاقتصاد على تحقيق توازن دائم بين موارده من النقد الأجنبي واحتياجاته التمويلية، بحيث يصبح أقل عرضة للصدمات الخارجية وأكثر اعتمادًا على موارده الذاتية.

الدولار… ليس مشكلة عملة بل مشكلة إنتاج

أثبتت التجربة المصرية، كما أثبتت تجارب دول عديدة، أن أزمة الدولار لا تُحل بالاقتراض وحده، لأن القروض توفر سيولة مؤقتة لكنها لا تخلق موردًا مستدامًا للنقد الأجنبي.

أما الحل طويل الأجل، فيكمن في اقتصاد قادر على إنتاج ما يستهلك، وتصدير فائضه إلى الخارج، وجذب استثمارات تضيف طاقات إنتاجية جديدة.

فكل مصنع جديد يوجّه جزءًا من إنتاجه للتصدير، وكل شركة أجنبية تقيم مشروعًا صناعيًا أو خدميًا في مصر، تمثل مصدرًا متجددًا للعملة الأجنبية، يقلل الحاجة إلى الاقتراض مع مرور الوقت.

ولهذا، فإن نجاح مرحلة ما بعد صندوق النقد يبدأ من سؤال مختلف: كيف تزيد مصر قدرتها على إنتاج الدولار، لا كيف تحصل عليه؟

الصناعة… كلمة السر

رغم التطور الكبير في البنية التحتية خلال السنوات الماضية، يرى خبراء الاقتصاد أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا أكبر من الاستثمار في البنية الأساسية إلى الاستثمار في الطاقة الإنتاجية.

فالطرق والموانئ وشبكات الكهرباء أصبحت قاعدة مهمة، لكن العائد الحقيقي يتحقق عندما تتحول هذه البنية إلى مصانع تعمل، وشركات تصدر، وسلاسل إنتاج محلية تقلل الاعتماد على الواردات.

ولهذا، فإن تعميق التصنيع المحلي لا يعني فقط زيادة الإنتاج، بل يعني أيضًا خفض فاتورة الاستيراد، ورفع القيمة المضافة، وتوفير فرص عمل ذات إنتاجية أعلى.

الصادرات.. الاختبار الحقيقي

تتفق معظم التجارب الاقتصادية الناجحة على أن الصادرات ليست مجرد بند في ميزان المدفوعات، بل هي المؤشر الأكثر تعبيرًا عن قدرة الاقتصاد على المنافسة.

فكل زيادة في الصادرات تعني دخول عملة أجنبية دون اقتراض، وتحسنًا في ميزان المدفوعات، وقدرة أكبر على تمويل الواردات والاستثمارات.

ومن هنا، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيقاس بقدرة مصر على زيادة صادراتها الصناعية والزراعية والخدمية، وليس فقط بالحفاظ على استقرار سعر الصرف.

الاستثمار الأجنبي المباشر… أكثر قيمة من الأموال الساخنة

أحد أهم الدروس التي خرجت بها مصر من أزمات السنوات الماضية هو أن الاستثمار طويل الأجل أكثر استقرارًا من التدفقات المالية قصيرة الأجل.

فالاستثمار المباشر يرتبط بأصول ومصانع ومشروعات يصعب نقلها بين ليلة وضحاها، بينما تتحرك الأموال الساخنة بسرعة كبيرة وفقًا لتغيرات أسعار الفائدة ومستويات المخاطر العالمية.

ولهذا، فإن جذب استثمارات إنتاجية جديدة، خاصة في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والخدمات اللوجستية، سيكون أحد أعمدة استراتيجية ما بعد صندوق النقد.

القطاع الخاص… من شريك إلى محرك للنمو

إذا كان القطاع العام قد لعب دورًا رئيسيًا في تنفيذ مشروعات البنية الأساسية خلال السنوات الماضية، فإن المرحلة المقبلة تبدو أكثر احتياجًا إلى دور أوسع للقطاع الخاص في قيادة النشاط الاقتصادي.

فالنمو المستدام في الاقتصادات الحديثة يعتمد على توسع الشركات الخاصة، وزيادة الاستثمارات، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص العمل.

ومن هذا المنطلق، تركز الحكومة على تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتشجيع المنافسة، بما يعزز قدرة القطاع الخاص على قيادة النمو خلال السنوات المقبلة.

الدين.. ليس حجمه فقط هو القضية

غالبًا ما يتركز النقاش حول حجم الدين العام، لكن الاقتصاديين يشيرون إلى أن الأهم هو كيفية إدارة هذا الدين.

فإذا نجح الاقتصاد في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وزيادة الإيرادات الدولارية، وخفض تكلفة الاقتراض تدريجيًا، تصبح إدارة الدين أكثر استدامة.

أما إذا ظل النمو يعتمد على التمويل الخارجي دون توسع موازٍ في الإنتاج والصادرات، فإن الضغوط التمويلية ستظل قائمة مهما تغيرت مصادر الاقتراض.

هل انتهت رحلة مصر مع صندوق النقد؟

من الناحية المؤسسية، ستظل مصر عضوًا في صندوق النقد الدولي، كما ستستمر المشاورات الدورية بين الجانبين، وهو أمر ينطبق على جميع الدول الأعضاء.

لكن السؤال الحقيقي ليس عن استمرار العلاقة المؤسسية، بل عن الحاجة إلى برامج تمويل جديدة.

وهنا، تبدو الإجابة مرتبطة بقدرة الاقتصاد المصري على تحقيق هدفين في آن واحد: زيادة موارده الذاتية من النقد الأجنبي، وتعزيز مرونته في مواجهة الصدمات الخارجية.

فإذا نجحت الدولة في ذلك، ستكون فرص عدم اللجوء إلى برامج جديدة أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي.

أما إذا تعرض الاقتصاد لصدمات عالمية عنيفة، أو تباطأت الإصلاحات الهيكلية، فقد تعود الحاجة إلى أدوات تمويل دولية، كما حدث في العديد من الاقتصادات الناشئة خلال السنوات الأخيرة.

ويبقى المؤكد أن المرحلة المقبلة تختلف عن كل ما سبقها، لأن التحدي لم يعد يقتصر على تنفيذ برنامج إصلاح، بل أصبح يتمثل في تحويل الإصلاح إلى نمو يقوده الإنتاج، وتنافسية تقودها الصناعة، واستدامة يقودها القطاع الخاص.