
أزمة مراسي لا تلغي إنجازاته.. محمد العبار.. قصة مستثمر إماراتي يعشق مصر بمشروعات غيّرت خريطة التطوير العقاري
لم يكن الجدل المتصاعد خلال الأيام الأخيرة بشأن شكاوى عدد من ملاك «مراسي» حدثًا يمكن تجاهله عند قراءة تجربة رجل الأعمال الإماراتي محمد العبار في مصر. فالمشروع الذي صنع جانبًا كبيرًا من شهرته داخل السوق المصرية، ورفع سقف المنافسة في الساحل الشمالي، أصبح في الوقت نفسه ساحة لاختبار العلاقة بين المطور وعملائه بعد البيع، وحدود سلطة الإدارة داخل المجتمعات السكنية والسياحية المغلقة.
وتدور الشكاوى المتداولة حول تنظيم دخول الضيوف، واستخدام بعض الشواطئ والمرافق، ونظام التصاريح الإلكترونية، بينما تحدث بعض الملاك عن تحركات قضائية للاعتراض على ما يعتبرونه انتقاصًا من حقوق حصلوا عليها بموجب التعاقدات. وحتى الآن، تظل هذه الوقائع في جانب كبير منها ادعاءات وشهادات للملاك تحتاج إلى حسم تعاقدي وقانوني، وإلى رد تفصيلي من الشركة يوضح الأساس الذي تستند إليه قرارات الإدارة.
لكن أزمة «مراسي»، مهما اتسع صداها، لا تختصر رحلة استثمارية امتدت لسنوات، ولا تلغي التأثير الذي تركته مشروعات «إعمار مصر» في القاهرة الجديدة والمقطم وغرب القاهرة والساحل الشمالي والبحر الأحمر.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول استعراض هذه الإنجازات إلى دفاع عن العبار أو تجاهل لشكاوى العملاء. فالتقييم المهني لا يصنع من أزمة واحدة حكمًا نهائيًا على تجربة كاملة، كما لا يسمح لحجم الاستثمارات ونجاح المبيعات بأن يحجبا حق الملاك في الحصول على خدمات واضحة وإدارة عادلة تحترم العقود.
من هنا، يحاول هذا البورتريه قراءة قصة محمد العبار في مصر بميزان واحد: مستثمر إماراتي يتحدث عن البلاد بلغة وجدانية، ويرى فيها سوقًا تستحق مواصلة الرهان، وصاحب مشروعات ساهمت في تغيير شكل المنافسة العقارية، لكنه يواجه أيضًا مسؤولية متزايدة عن إدارة مجتمعات تضم آلاف السكان والملاك.

من حياة بسيطة إلى صناعة معالم عمرانية
لم يبدأ محمد العبار حياته وريثًا لإمبراطورية مالية، بل نشأ في دبي داخل أسرة كبيرة، قبل أن يحصل على فرصة للدراسة في الولايات المتحدة، ثم يعود إلى الإمارات ويبدأ مسيرته المهنية في العمل الاقتصادي والاستثماري.
ومع تأسيس «إعمار العقارية» عام 1997، انتقل العبار من العمل الحكومي والاستثماري إلى بناء واحدة من أشهر شركات التطوير العقاري في المنطقة، وارتبط اسمه لاحقًا بمعالم أصبحت جزءًا من صورة دبي عالميًا، وفي مقدمتها برج خليفة ودبي مول.
ولم تتوقف تجربته عند العقارات؛ إذ توسع في التجارة الإلكترونية والضيافة والمطاعم والاستثمارات الرقمية، إلا أن التطوير العمراني ظل المجال الأكثر التصاقًا باسمه، لأنه منحه القدرة على تحويل الأراضي إلى مدن ووجهات متكاملة.
في مصر، وجد العبار سوقًا تتناسب مع هذا النموذج: كتلة سكانية ضخمة، وطلب عقاري ممتد، ومدن جديدة، وسواحل يمكن تطويرها في مشروعات تجمع بين السكن والسياحة والفنادق والتجارة والترفيه.
مصر لم تكن مجرد سوق على خريطة التوسع
تختلف لغة العبار عندما يتحدث عن مصر عن لغته المعتادة في شرح الفرص الاستثمارية. فهو لا يقدمها فقط باعتبارها سوقًا كبيرة، وإنما يتحدث عن القاهرة والمصريين بقدر واضح من الارتباط الشخصي.
وقد وصف منطقة وسط البلد في القاهرة بأنها «قريبة إلى قلبه»، مشيرًا إلى أن أي مشروع ينفذه فيها يجب أن يراعي قيمتها التاريخية والعمرانية. ويكشف هذا التصريح انجذابًا واضحًا إلى القاهرة القديمة، رغم أن معظم استثماراته الفعلية في مصر تركزت حتى الآن في المجتمعات الجديدة والمناطق الساحلية.
كما تحدث العبار عن محبته لمصر وشعبها، وربط ذلك بما يلمسه من ترحاب ودفء إنساني منذ وصوله إلى البلاد، مقارنة بما وصفه من تحفظ في بعض المجتمعات الأخرى. وهذه التصريحات تمنح وصفه بأنه «مستثمر يعشق مصر» سندًا من كلماته، بدل أن يبقى مجرد تعبير صحفي إنشائي.
ومع ذلك، فإن العاطفة وحدها لا تفسر ضخ عشرات المليارات من الدولارات في سوق واحدة. فالعبار يظل رجل أعمال يختار الأسواق القادرة على تحقيق النمو والعائد، ويزن قراراته بحسابات الأراضي والطلب والأسعار وتكلفة التنفيذ.
وهنا تكمن خصوصية تجربته في مصر: حب معلن للبلد يلتقي مع قراءة اقتصادية تعتبرها واحدة من أكبر فرص النمو في المنطقة.

لماذا يصر محمد العبار على توسيع استثماراته في مصر؟
تستند رؤية العبار للسوق المصرية إلى عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها النمو السكاني، واستمرار الطلب على العقار بوصفه سكنًا وأداة لحفظ القيمة، واتساع المدن الجديدة، إلى جانب امتلاك مصر سواحل طويلة ومواقع تسمح بتطوير وجهات عقارية وسياحية واسعة.
وتتيح السوق المصرية للمطور الكبير العمل على مساحات ضخمة، وبناء مجتمع متكامل بدلًا من الاكتفاء بتشييد مبانٍ منفردة. وهذا النموذج يتطابق مع الفلسفة التي اشتهرت بها «إعمار»: السكن إلى جوار الفنادق والمطاعم والتجارة والترفيه والمساحات المفتوحة، داخل مشروع تديره الشركة لفترة طويلة بعد التسليم.
كما يمنح تنوع السوق الشركة فرصة توزيع استثماراتها جغرافيًا؛ فالقاهرة الجديدة تستهدف الطلب المتنامي شرق العاصمة، والشيخ زايد وغرب القاهرة يجذبان شريحة أخرى من المشترين، بينما يقدم الساحل الشمالي والبحر الأحمر مزيجًا من الطلب العقاري والسياحي.
وبذلك، لم تعد مصر بالنسبة إلى العبار مشروعًا ناجحًا أو اثنين، وإنما سوقًا متعددة المراكز والفرص، تسمح للشركة بتكرار نموذجها في مواقع مختلفة.
من 18 إلى 35 مليار دولار.. أرقام تكشف حجم الرهان
لا يتوقف رهان محمد العبار على مصر عند تعدد المشروعات، بل يظهر بصورة أوضح في الأرقام التي أعلنها بنفسه خلال السنوات الأخيرة.
ففي فبراير 2025، قال العبار إن استثمارات «إعمار» في مصر وصلت إلى نحو 18 مليار دولار، متوقعًا أن ترتفع قيمة مشروعات الشركة إلى 25 مليار دولار خلال ثلاث سنوات. وجاء التصريح في وقت كانت فيه الشركة تتحرك لتوسيع محفظتها في القاهرة الجديدة ومناطق أخرى.
ثم جاءت القفزة الأكبر مع توقيع مشروع «مراسي البحر الأحمر» في سبتمبر 2025، عندما أعلن العبار أن حجم استثمارات «إعمار» في مصر بلغ نحو 35 مليار دولار بعد إضافة المشروع الجديد إلى محفظة الشركة.
كما أعلن أن الاستثمارات المستهدفة في مشروع «مراسي البحر الأحمر» تصل إلى نحو 900 مليار جنيه، وهو رقم يعكس ضخامة المشروع واتساع أعمال التطوير المقرر تنفيذها على مراحل.
ومن المهم هنا التمييز بين الاستثمارات المنفذة فعليًا والقيمة الاستثمارية للمشروعات والالتزامات التطويرية المعلنة؛ فالمشروعات العقارية الضخمة تُنفذ على سنوات، وتشمل تكلفة الأراضي والإنشاءات والبنية الأساسية والفنادق والمرافق والخدمات المستقبلية.
لذلك، فإن رقم 35 مليار دولار لا يعني بالضرورة أن المبلغ بالكامل جرى إنفاقه نقدًا حتى الآن، لكنه يعكس حجم المحفظة التي يربطها العبار بالسوق المصرية، وقيمة الالتزامات والاستثمارات المستهدفة داخل المشروعات القائمة والجديدة.
والدلالة الأهم ليست في الرقم منفردًا، بل في مساره التصاعدي: من 18 مليار دولار في بداية 2025 إلى 35 مليار دولار بعد إضافة مشروع البحر الأحمر. وهي قفزة تؤكد أن مصر انتقلت من سوق مهمة إلى ركيزة رئيسية داخل استراتيجية توسع العبار الإقليمية.

أب تاون كايرو.. رهان مبكر على موقع لم يكن سهلًا
مثّل «أب تاون كايرو» أحد أبرز رهانات العبار المبكرة في مصر. فاختيار هضبة المقطم لم يكن قرارًا تقليديًا؛ إذ كانت المنطقة تحتاج إلى تطوير واسع وربط أفضل بشبكة الطرق، ولم تكن تحظى بالجاذبية نفسها التي كانت تتمتع بها القاهرة الجديدة أو الشيخ زايد لدى مشتري العقارات الفاخرة.
لكن موقع المشروع المرتفع والقريب من وسط العاصمة أتاح تقديمه باعتباره مجتمعًا يتمتع بالخصوصية، دون الابتعاد الكامل عن قلب القاهرة.
ولم يكن تأثير المشروع في عدد الوحدات المطروحة فقط، بل في إعادة تقديم المقطم باعتباره موقعًا قادرًا على استضافة مجتمع سكني فاخر متكامل، وهو ما ساهم في رفع القيمة العقارية للمناطق المحيطة وتشجيع شركات أخرى على دراسة الفرص القريبة من وسط العاصمة.
ومع ذلك، واجه المشروع تحديات ارتبطت بطول فترات التطوير، والحاجة إلى استكمال بعض الخدمات، وربطه بصورة أكثر كفاءة بالمحاور الرئيسية. وهي تحديات تؤكد أن نجاح المشروع العقاري لا يُقاس بحجم المبيعات وحده، وإنما بسرعة التنفيذ وجودة الإدارة بعد انتقال السكان.

ميفيدا.. انتقال المنافسة من الوحدة إلى أسلوب الحياة
في القاهرة الجديدة، قدمت «إعمار مصر» مشروع «ميفيدا»، الذي أصبح واحدًا من أبرز المجتمعات السكنية في شرق القاهرة.
واعتمد المشروع على فكرة تتجاوز بيع الشقق والفيلات، من خلال توفير مناطق تجارية وإدارية ومدارس ومساحات مفتوحة وخدمات يومية. وساهم هذا النموذج في ترسيخ مفهوم بيع «أسلوب الحياة» داخل السوق العقارية المصرية، بدلًا من الاكتفاء ببيع مساحة مبنية داخل كمبوند.
لكن التأثير الأهم كان تنافسيًا؛ إذ دفع مطورين آخرين إلى الاهتمام بجودة الفراغات العامة، والخدمات التجارية، والتشغيل والإدارة طويلة الأجل.
وفي فبراير 2025، أعلنت «إعمار مصر» شراكة لتطوير مشروع جديد على مساحة 500 فدان في القاهرة الجديدة، باستثمارات معلنة تبلغ 100 مليار جنيه، في خطوة عكست استمرار الرهان على شرق العاصمة وعدم الاكتفاء بالمشروع الأصلي.
وهذا التوسع يكشف أن «ميفيدا» لم يكن تجربة مكتملة أغلقت الشركة ملفها، بل أصبح نموذجًا قابلًا للتكرار والتطوير في مواقع ومساحات جديدة.

مراسي.. المشروع الذي أعاد رسم خريطة الساحل الشمالي
يبقى «مراسي» المشروع الأكثر ارتباطًا باسم محمد العبار في مصر. فعند إطلاقه، كان الساحل الشمالي يعتمد بدرجة كبيرة على القرى الموسمية التي تعمل خلال أسابيع الصيف، قبل أن يقدم المشروع تصورًا مختلفًا لوجهة تضم وحدات سكنية وفنادق ومطاعم وشواطئ ومارينا ومرافق ترفيهية.
ونقل «مراسي» المنافسة من موقع الوحدة وقربها من البحر إلى جودة الإدارة، والخدمات، والضيافة، والمطاعم، والعلامات التجارية، وتجربة الإقامة الكاملة.
كما شجع نجاح المشروع شركات أخرى على تطوير مشروعات ساحلية أكبر، وزيادة المكونات الفندقية والتجارية والترفيهية، بما ساهم في تحول الساحل الشمالي تدريجيًا من تجمع للقرى الصيفية إلى سوق للوجهات العقارية والسياحية المتكاملة.
لكن الوجه الآخر لهذا التحول تمثل في الارتفاع الكبير للأسعار، واتجاه مساحات واسعة من الساحل إلى مشروعات تستهدف أصحاب الدخول المرتفعة. كما فتح النموذج نقاشًا حول حق الجمهور في الوصول إلى الشواطئ، ومدى مساهمة المشروعات المغلقة في بناء نشاط سياحي مستدام مقارنة بكونها تجمعات موسمية للأثرياء.
وبذلك، فإن «مراسي» لم يكن مجرد مشروع ناجح تجاريًا، بل نقطة تحول حملت آثارًا إيجابية وأخرى خلافية على شكل التنمية الساحلية في مصر.
أزمة مراسي.. حين أصبح النجاح اختبارًا للمطور
أعاد الجدل الحالي فتح الملف الأصعب في صناعة العقار: ماذا يحدث بعد البيع؟
فبحسب شكاوى متداولة من بعض الملاك، تتعلق الاعتراضات بقيود على دخول الضيوف والأقارب، وتنظيم الوصول إلى بعض الشواطئ والمرافق، واستخدام أكواد وتصاريح إلكترونية. كما تحدث بعض الملاك عن لجوئهم إلى القضاء اعتراضًا على ما يرونه مخالفة لحقوق تعاقدية.
وفي المقابل، يمكن تفهم حاجة إدارة مشروع بهذا الحجم إلى وضع قواعد تنظم الدخول، وتحمي الخصوصية، وتمنع التكدس، وتحافظ على أمن السكان وجودة الخدمات.
لكن الفارق بين التنظيم المشروع والانتقاص من حقوق الملاك لا تحدده الحملات الإعلامية أو منصات التواصل الاجتماعي، بل العقود واللوائح ومدى وضوحها عند البيع، وما إذا كانت القرارات الجديدة تتفق مع ما تعاقد عليه العملاء.
وتكشف الأزمة عن حقيقة مهمة: المطور الذي يبيع مجتمعًا متكاملًا لا يبيع وحدات فقط، بل يبيع نظام إدارة وخدمات وعلاقة ممتدة لسنوات. وكلما زادت قيمة العلامة التجارية، أصبحت الاستجابة لمخاوف العملاء أكثر ضرورة.
فنجاح «مراسي» لا يمنح الشركة حصانة من النقد، كما أن الخلاف الراهن لا يمحو أثر المشروع في تطوير الساحل الشمالي.
المعيار الحقيقي سيكون في الطريقة التي تدير بها الشركة الأزمة: هل تقدم تفسيرًا واضحًا للقرارات؟ وهل تفتح حوارًا مؤسسيًا مع الملاك؟ وهل تراجع اللوائح التي يثبت تعارضها مع العقود؟ وهل توجد آلية تظلم توازن بين حقوق الملكية ومتطلبات الإدارة؟

أزمة عابرة أم تهديد للثقة؟
في السوق العقارية، لا تتكون قيمة العلامة التجارية من التصميمات والحملات الإعلانية وحدها، بل من التجربة التي يعيشها العميل بعد التسليم.
وقد يحقق المطور مبيعات ضخمة، لكن تراكم الشكاوى دون استجابة واضحة يمكن أن يضغط على الثقة التي بناها طوال سنوات. وبالنسبة إلى العبار، تمثل أزمة «مراسي» اختبارًا أكثر حساسية لأن المشروع هو واجهة «إعمار» الأشهر داخل مصر.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تتحول الأزمة إلى فرصة لتطوير نموذج إدارة المجتمعات الساحلية، إذا نجحت الشركة في إعادة صياغة القواعد بصورة أكثر وضوحًا، والفصل بين حق المالك في الانتفاع بوحدته ومرافقها، وحق الإدارة في حماية الأمن والنظام، وحق بقية السكان في الخصوصية وعدم التكدس.
ومن ثم، لا يجب أن تتحول القضية إلى مواجهة عاطفية بين مؤيد للشركة ومنحاز للملاك، وإنما إلى سؤال تعاقدي ومؤسسي: ما الحقوق التي اشتراها العميل؟ وما الصلاحيات التي احتفظت بها الإدارة؟ وهل تُطبق اللوائح على الجميع بعدالة وشفافية؟
كايرو جيت وبيل ڤي.. التوسع إلى غرب القاهرة
لم يقتصر وجود العبار في العاصمة على المقطم والقاهرة الجديدة؛ إذ اتجهت «إعمار مصر» إلى غرب القاهرة من خلال مشروعات من بينها «كايرو جيت» و«بيل ڤي».
ويعكس هذا التوسع استراتيجية تقوم على توزيع المحفظة جغرافيًا وعدم ربط النمو بشرق القاهرة وحدها، خاصة في ظل صعود الشيخ زايد وزايد الجديدة ومحاور غرب العاصمة باعتبارها مراكز جذب للسكن والاستثمار.
كما يضع هذا التوسع الشركة في منافسة مباشرة مع مطورين كبار يمتلكون خبرة طويلة في غرب القاهرة، وهو ما يدفعها إلى تقديم مستوى أعلى من التصميم والخدمات والإدارة للحفاظ على قدرتها التنافسية.
مراسي البحر الأحمر.. الانتقال من الساحل الموسمي إلى السياحة طوال العام
إذا كان «مراسي الساحل الشمالي» قد صنع شهرة العبار في مصر، فإن «مراسي البحر الأحمر» يمثل أكبر تعبير عن استمرار رهانه على السوق.
فالمشروع الجديد، الذي أعلن العبار أن استثماراته المستهدفة تبلغ نحو 900 مليار جنيه، ينقل نموذج الوجهة الساحلية المتكاملة من البحر المتوسط إلى منطقة يمكن أن تعمل سياحيًا طوال العام.
وهنا لا يقتصر الرهان على بيع وحدات فاخرة، وإنما يمتد إلى الفنادق والضيافة والسياحة البحرية والخدمات والترفيه، والاستفادة من قرب المشروع من المطارات والأسواق السياحية الدولية.
لكن نجاح المشروع لن يُقاس بالمبيعات الأولية فقط. فالمعيار الأكثر أهمية سيكون قدرته على جذب السائح الأجنبي، ورفع عدد الليالي الفندقية، وتشغيل الأنشطة طوال العام، وحماية البيئة البحرية، وخلق فرص عمل مستقرة في المنطقة المحيطة.
فالمشروع العقاري قد ينجح بمجرد بيع الوحدات، أما الوجهة السياحية فلا تنجح إلا بالتشغيل المستدام.
نتائج 2025.. المبيعات تؤكد قوة حضور الشركة
تكشف نتائج «إعمار مصر» عن اتساع حضورها داخل السوق المصرية. فقد سجلت الشركة وشركاتها التابعة صافي مبيعات بلغ 176 مليار جنيه خلال 2025، بنمو سنوي قدره 262%، وهو أعلى مستوى مبيعات في تاريخها.
كما بلغت الإيرادات نحو 19.8 مليار جنيه، فيما سجل صافي الأرباح قرابة 7.5 مليار جنيه خلال العام نفسه، وفق النتائج المنشورة عن أداء الشركة.
وتوضح هذه الأرقام أن حديث العبار عن التوسع لا يقتصر على التصريحات، بل يستند إلى طلب قوي ومحفظة مشروعات قادرة على توليد مبيعات كبيرة.
لكن الأرقام تفرض في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة؛ فكل مليار جديد من المبيعات يعني التزامات جديدة بالتنفيذ والتسليم والصيانة والإدارة.
ولهذا، لا ينبغي تقييم الشركة من خلال حجم المبيعات فقط، بل أيضًا من خلال معدلات الإنجاز، والالتزام بالمواعيد، وجودة الخدمات، ورضا العملاء بعد الاستلام، وحجم النشاط السياحي والفندقي المتولد من المشروعات الساحلية.

هل غيّر محمد العبار خريطة التطوير العقاري في مصر؟
لا يمكن نسب التحولات التي شهدتها السوق العقارية إلى مطور واحد، لكن يصعب تجاهل التأثير الذي تركته مشروعات العبار.
فقد ساهمت تجربته في ترسيخ عدة اتجاهات، من بينها الانتقال من بناء الكمبوند إلى صناعة «الوجهة»، وربط السكن بالفنادق والمطاعم والتجارة والترفيه، وإدخال علامات عالمية، والنظر إلى الإدارة بعد التسليم باعتبارها جزءًا من قيمة المشروع.
كما ساعد «مراسي» في إعادة تعريف المنافسة في الساحل الشمالي، بينما دعم «ميفيدا» و«أب تاون كايرو» نموذج المجتمع المتكامل في شرق القاهرة وقلبها، ثم جاء التوسع في غرب القاهرة والبحر الأحمر ليؤكد أن الشركة تستهدف بناء شبكة من الوجهات، لا الاكتفاء بمشروع أو اثنين.
لكن تأثير هذا النموذج لم يكن إيجابيًا بالكامل. فقد دفع السوق بدرجة أكبر نحو العقارات الفاخرة مرتفعة السعر، وعمّق التركيز على العميل صاحب القدرة الشرائية العالية، كما شجع بعض الشركات على استعارة اللغة التسويقية للمجتمعات المتكاملة دون امتلاك القدرة المالية أو التشغيلية لتنفيذها.
وبذلك، رفع العبار سقف المنافسة، لكنه ساهم أيضًا في انتقال السوق إلى مستوى أعلى من الأسعار والفخامة، واتساع الفجوة بين العقار بوصفه احتياجًا سكنيًا والعقار بوصفه منتجًا استثماريًا فاخرًا.
عاشق للقاهرة القديمة.. لكن الاختبار لم يبدأ بعد
يكشف حديث العبار عن وسط البلد جانبًا مختلفًا من شخصيته الاستثمارية. فالرجل الذي بنى معظم مشروعاته على أراضٍ جديدة يتحدث بإعجاب عن منطقة تاريخية شديدة التعقيد.
وتنفيذ مشروع في وسط القاهرة لن يشبه إقامة مجتمع مغلق على أرض فضاء؛ إذ يتطلب التعامل مع مبانٍ تراثية، وملكيات متعددة، وسكان قائمين، ونسيج تجاري وثقافي لا يمكن استبداله بسهولة.
ولهذا، قد يصبح أي تحرك حقيقي للعبار في وسط البلد اختبارًا لفلسفته: هل يستطيع مطور المجتمعات الفاخرة أن يشارك في إحياء مدينة قائمة دون طمس هويتها أو تحويلها إلى مساحة مغلقة للنخبة؟
حتى الآن، تظل الرغبة في إطار التصريحات، ولا يوجد مشروع معلن يمكن الحكم عليه. لكنها تساعد في تفسير جانب من انجذابه إلى مصر؛ فهو لا يرى فيها أراضي جديدة فقط، بل مدينة قديمة يكرر إعجابه بتاريخها وروحها.
المستثمر الذي يحب مصر لا يحصل على حصانة من النقد
من حق محمد العبار أن يفتخر بحجم ما نفذه في مصر، ومن حق السوق أن يعترف بأن مشروعاته تركت أثرًا واضحًا في التطوير العقاري والسياحي.
لكن الحب المعلن لمصر لا يمنح أي مستثمر شيكًا على بياض، كما أن ضخ مليارات الدولارات لا يعفي الشركات من احترام حقوق العملاء والتعامل الجاد مع شكاواهم.
وفي المقابل، لا تخدم الموضوعية اختزال رجل بنى محفظة ضخمة وغيّر قواعد المنافسة في خلاف واحد، قبل أن تتضح أبعاده القانونية والتعاقدية كاملة.
القراءة الأكثر عدلًا تضع الأمرين معًا: محمد العبار واحد من أكثر المستثمرين الخليجيين تأثيرًا في سوق العقارات المصرية، و«مراسي» أحد المشروعات التي ساهمت في تغيير الساحل الشمالي؛ لكن هذه المكانة تجعل الاستجابة لمخاوف الملاك أكثر ضرورة، لا أقل.
بين الحب والربح.. قصة رهان طويل على مصر
لا يبدو أن محمد العبار يفصل تمامًا بين الرجل الذي يحب القاهرة والمصريين، والمستثمر الذي يدرس السكان والأراضي والسواحل والعائد المتوقع.
فالعاطفة حاضرة في كلماته، لكن الأرقام هي التي تكشف حجم الرهان. ومصر بالنسبة إليه تجمع العنصرين: بلد يشعر بالقرب منه، وسوق يعتقد أنها تمتلك فرصًا لم تُستغل بالكامل.
ومن أب تاون كايرو إلى ميفيدا، ومن مراسي الساحل الشمالي إلى غرب القاهرة ومراسي البحر الأحمر، صنع العبار وجودًا يصعب فصله عن تطور سوق العقارات الفاخرة في مصر.
وقد انتقلت قيمة استثمارات ومشروعات «إعمار» في مصر، وفق تصريحاته، من نحو 18 مليار دولار إلى 35 مليار دولار، بما يؤكد أن السوق المصرية أصبحت ركيزة رئيسية في خريطة أعماله، لا محطة عابرة.
غير أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة من مرحلة إطلاق المشروعات؛ فالتحدي لم يعد بيع الوحدات أو الإعلان عن مليارات جديدة فقط، بل حماية الثقة، وتسريع التنفيذ، وإدارة المجتمعات بعدالة، وتحويل المشروعات الساحلية إلى وجهات سياحية تعمل طوال العام.
أزمة «مراسي» لا تلغي إنجازات محمد العبار، لكنها تذكره بأن نجاح المطور لا يُقاس بما يبنيه فقط، بل بالطريقة التي يحافظ بها على علاقته بمن اشتروا منه ووثقوا في اسمه.
وهذه هي المعادلة التي ستحدد صورته في مصر خلال السنوات المقبلة: هل يظل صاحب مشروعات غيّرت خريطة السوق فقط، أم يقدم كذلك نموذجًا قادرًا على التوازن بين الربح وحقوق الملاك، وبين الفخامة والمسؤولية، وبين حب مصر والاستثمار طويل الأجل فيها؟





