
يشهد سوق الذهب العالمي والمحلي مرحلة من التقلبات الحادة، مع تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية تضغط على حركة المعدن النفيس بين موجات صعود مرتبطة بالبحث عن الملاذات الآمنة، وضغوط ناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتوقعات السياسة النقدية الأمريكية. وبينما دفعت التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران المستثمرين نحو الذهب خلال الجلسات الماضية، أعادت مخاوف التضخم وأسعار الفائدة توجيه دفة الأسواق خلال تعاملات اليوم.
وفي هذا السياق، كشف «مرصد الذهب» عن تراجع أسعار الذهب في الأسواق المحلية والبورصة العالمية خلال تعاملات اليوم الخميس، بعد أن سجلت الأوقية في الجلسة السابقة أعلى مستوياتها في نحو أسبوعين، مدفوعة بارتفاع الطلب على أصول الملاذ الآمن مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
عيار 21 يفقد 40 جنيهًا.. والأوقية تهبط 39 دولارًا
قال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن سعر جرام الذهب عيار 21 تراجع بنحو 40 جنيهًا مقارنة بإغلاق أمس، ليسجل نحو 5960 جنيهًا.
وأضاف أن الأوقية في البورصة العالمية انخفضت بنحو 39 دولارًا لتسجل نحو 4094 دولارًا وقت كتابة التقرير.
وسجلت أسعار باقي الأعيرة:
- سعر جرام الذهب عيار 24: نحو 6811 جنيهًا.
- سعر جرام الذهب عيار 18: نحو 5109 جنيهات.
- سعر الجنيه الذهب: نحو 47680 جنيهًا.
مكاسب قوية للذهب خلال جلسة الأربعاء قبل التصحيح
وأوضح فاروق أن أسعار الذهب في السوق المحلية شهدت ارتفاعًا خلال تعاملات أمس الأربعاء بقيمة بلغت نحو 100 جنيه، حيث افتتح جرام الذهب عيار 21 التداولات عند 5900 جنيه، قبل أن يغلق عند مستوى 6000 جنيه.
وعلى الصعيد العالمي، ارتفعت الأوقية خلال الجلسة نفسها بنحو 65 دولارًا، بعدما صعدت من مستوى 4068 دولارًا إلى 4133 دولارًا.
الدولار يخفف أثر تراجع الذهب العالمي في السوق المصرية
وأشار مدير «مرصد الذهب» إلى أن أداء الذهب المحلي خلال يوليو جاء أقوى من نظيره العالمي، مدفوعًا بصورة رئيسية بارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه، رغم استمرار تراجع العلاوة السعرية في السوق.
وأوضح أن الأوقية العالمية ارتفعت منذ بداية يوليو بنحو 77 دولارًا بنسبة 1.9%، مقارنة بمستوى 4017 دولارًا في نهاية يونيو.
في المقابل، ارتفع سعر جرام الذهب عيار 21 محليًا بنحو 275 جنيهًا بنسبة 4.8% مقارنة بمستوى 5685 جنيهًا بنهاية النصف الأول من العام.
وأضاف أن الأوقية العالمية لا تزال منخفضة منذ بداية العام بنحو 224 دولارًا بنسبة 5.2%، مقارنة بسعر افتتاح العام البالغ 4318 دولارًا، بينما ارتفع جرام الذهب عيار 21 محليًا بنحو 130 جنيهًا بنسبة 2.2% مقارنة بمستوى 5830 جنيهًا في بداية العام.
ارتفاع الدولار يرفع تكلفة تسعير الذهب محليًا
وأوضح فاروق أن ارتفاع سعر الدولار الرسمي كان أحد العوامل الرئيسية التي حدت من تأثير انخفاض الذهب عالميًا على الأسعار المحلية.
وأشار إلى أن سعر بيع الدولار الرسمي ارتفع من نحو 48.92 جنيهًا في بداية يوليو إلى قرابة 51.30 جنيهًا حاليًا، بزيادة تقترب من 4.9%، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة تسعير الذهب داخل السوق المصرية.
العلاوة السعرية ترتفع مؤقتًا رغم تراجعها الكبير منذ بداية يوليو
وأكد فاروق أن العلاوة السعرية في السوق المحلية ارتفعت إلى نحو 50 جنيهًا للجرام مقابل نحو 25 جنيهًا خلال تعاملات أمس، لكنها لا تزال أقل بكثير من مستويات تجاوزت 110 جنيهات خلال الأسبوع الماضي، ونحو 210 جنيهات بنهاية يونيو.
وأضاف أن العلاوة السعرية تراجعت منذ بداية يوليو بنحو 160 جنيهًا للجرام، بما يقارب 76%، وهو ما يعكس تحسنًا في توازن العرض والطلب داخل السوق.
وأشار إلى أن الارتفاع الأخير في العلاوة لا يزال ضمن الحدود الطبيعية لحركة السوق، ولا يغير الاتجاه العام نحو تقلص الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية، واقتراب التسعير تدريجيًا من مستوياته المرتبطة بسعر الأوقية العالمية وسعر صرف الدولار.
لماذا تراجع الذهب رغم تصاعد التوترات العسكرية؟
وأوضح فاروق أن تراجع الذهب جاء رغم تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، بسبب تأثير عاملين متعاكسين على حركة الأسواق.
فمن ناحية، عززت المخاطر الجيوسياسية الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا، بينما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة المخاوف من عودة الضغوط التضخمية، وهو ما رفع توقعات استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة لفترة أطول.
وأضاف أن ارتفاع النفط قد يدفع أسعار الفائدة الأمريكية للبقاء عند مستويات مرتفعة، أو حتى رفعها إذا استمرت الضغوط التضخمية، وهو ما يقلل من جاذبية الذهب مقارنة بالأصول المالية التي توفر عوائد.
النفط عند مستويات مرتفعة يعيد ملف التضخم إلى الواجهة
وأشار فاروق إلى أن أسعار خام برنت تجاوزت 97 دولارًا للبرميل، مع استمرار المخاوف المتعلقة بحركة الإمدادات عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة أعاد مخاوف التضخم إلى دائرة اهتمام الأسواق العالمية، خاصة مع ترقب المستثمرين لمسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
قرار الفيدرالي الأمريكي يحدد المسار المقبل للذهب
وأكد فاروق أن الأسواق تترقب اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الأسبوع المقبل، ليس فقط لمعرفة قرار أسعار الفائدة، ولكن أيضًا لرصد لهجة البنك المركزي بشأن تأثير ارتفاع أسعار النفط على التضخم.
وأوضح أنه في حال اعتبر الفيدرالي أن ارتفاع أسعار الطاقة عامل مؤقت، فقد يستعيد الذهب موجة الصعود، بينما قد تتعرض الأسعار لمزيد من الضغوط إذا أبدى البنك قلقًا من استمرار التضخم.
روسيا تخفض احتياطياتها من الذهب وسط ضغوط مالية
وفي سياق آخر، أظهرت بيانات البنك المركزي الروسي تراجع احتياطيات روسيا من الذهب بنحو 1.4 مليون أوقية، بما يعادل 43.5 طنًا منذ بداية العام.
ووصلت الاحتياطيات إلى نحو 73.4 مليون أوقية أو ما يعادل 2282 طنًا، بقيمة تقديرية تبلغ 299 مليار دولار.
ويمثل هذا التراجع الشهر السادس على التوالي، وسط تقديرات بأن جزءًا من الذهب تم بيعه بهدف دعم الموازنة العامة وتعزيز الاحتياطيات من العملات الأجنبية، في ظل الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب والعقوبات الغربية.
ويرى «مرصد الذهب» أن هذا الانخفاض لا يعكس تغيرًا استراتيجيًا في توجه روسيا تجاه المعدن النفيس، وإنما يرتبط باحتياجات تمويلية مؤقتة، خاصة مع استمرار بنوك مركزية عالمية، وعلى رأسها الصين، في تعزيز احتياطياتها من الذهب.
3 عوامل تحدد اتجاه الذهب
اختتم وليد فاروق تصريحاته بالتأكيد على أن سوق الذهب العالمي يمر بمرحلة تتداخل فيها العوامل الجيوسياسية والاقتصادية بشكل كبير، حيث أصبحت أسعار النفط أحد المحركات الرئيسية لحركة المعدن النفيس من خلال تأثيرها على التضخم والسياسة النقدية.
وأوضح أن اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة سيتحدد وفق ثلاثة عوامل رئيسية:
- تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط.
- مسار أسعار النفط العالمية.
- قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وتوقع استمرار التقلبات قصيرة الأجل، مع بقاء الذهب مدعومًا بقوة الطلب الاستثماري ومشتريات البنوك المركزية على المدى المتوسط والطويل.





