جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

محمد عادل سري يكتب: المشتري يمول والمطور يبني.. لماذا يحتاج السوق العقاري المصري إلى إعادة تنظيم؟

لم تعد أزمة السوق العقاري المصري مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار أو زيادة تكاليف البناء، بل أصبحت تمتد إلى غياب منظومة متكاملة تنظم العلاقة بين المطور العقاري والمشتري، وتحدد بوضوح مصادر تمويل المشروعات، وآليات التصرف في أموال العملاء، والضمانات التي تكفل تنفيذ الوحدات وتسليمها وفقًا للمواعيد والمواصفات المتفق عليها.

فعدد كبير من المطورين يبدأون طرح وحدات مشروعاتهم للبيع قبل امتلاك الملاءة المالية الكافية لتنفيذها، بينما يعتمد جزء واسع من السوق على التدفقات النقدية الناتجة عن أقساط المشترين باعتبارها المصدر الرئيسي لتمويل أعمال الإنشاء.

- Advertisement -

المشترون يمولون المشروعات قبل بدء التنفيذ

تبدأ غالبية المشروعات العقارية بتحصيل شيكات تغطي كامل قيمة الوحدات المباعة، إلى جانب وديعة الصيانة مقدمًا، ثم يلجأ بعض المطورين إلى تسييل شيكات الأقساط لدى البنوك للحصول على التمويل اللازم لبدء التنفيذ، بدلًا من الاعتماد على رأس مال الشركات أو التمويل الممنوح من المؤسسات المالية.

وبذلك، تتحول أموال المشترين إلى المصدر الفعلي لتمويل المشروع، رغم أن العميل لا يحصل على أي عائد مقابل المخاطر التي يتحملها، ولا يتمتع في كثير من الأحيان بضمانات كافية تكفل توجيه أمواله إلى المشروع الذي تعاقد عليه.

كما قد يستفيد المطور من الأموال المحصلة وعوائدها البنكية لفترات طويلة قبل بدء التنفيذ، في غياب نظام صارم يربط سحب الأموال بمعدلات الإنجاز الفعلية داخل المشروع.

المشتري يتحمل النصيب الأكبر من المخاطر

النتيجة المباشرة لهذا النظام أن المشتري يتحمل الجزء الأكبر من المخاطر، رغم أنه الطرف الأقل قدرة على التحكم في قرارات المشروع أو متابعة مسارات الإنفاق.

وتتكرر في السوق حالات إخلال بعض المطورين بالتزاماتهم، سواء من خلال التأخر في التسليم، أو تعديل المخطط العام بعد التعاقد، أو إضافة وحدات لم تكن مدرجة بالمخطط الأصلي، أو زيادة النسبة البنائية، أو تغيير مواصفات التشطيب المتفق عليها.

وقد تصل المشكلة إلى تسليم الوحدات قبل استكمال المشروع أو الانتهاء من المرافق والخدمات الرئيسية، بما يضع المشتري أمام واقع مختلف عن الصورة التي تم تسويق المشروع على أساسها.

السوق يحتاج إلى منظومة عقارية متكاملة

يحتاج القطاع العقاري المصري إلى بناء منظومة متكاملة، على غرار النظم المطبقة في العديد من الأسواق المنظمة، تبدأ بإنشاء جهة رقابية مختصة بالإشراف على أعمال المطورين ومتابعة مراحل تنفيذ المشروعات.

ويجب ألا يُسمح لأي مطور بطرح مشروع أو البدء في تنفيذه إلا بعد إثبات توافر الملاءة المالية اللازمة، على أن يمثل رأس المال المدفوع نسبة محددة من إجمالي تكلفة المشروع، بما يضمن امتلاك الشركة القدرة على التنفيذ دون الاعتماد الكامل على أموال المشترين.

كما ينبغي أن يرتبط التزام العملاء بسداد الأقساط بنسب الإنجاز الفعلية، بحيث لا يحصل المطور على دفعات لا تتناسب مع حجم الأعمال التي نفذها على أرض الواقع.

حسابات مخصصة لحماية أموال العملاء

من الضروري إيداع أموال المشترين في حسابات مخصصة لكل مشروع، وألا يُسمح بالسحب منها إلا وفقًا لمراحل التنفيذ المعتمدة، وبعد التحقق من إنجاز الأعمال التي تبرر صرف الدفعات.

هذا النظام من شأنه أن يضمن توجيه أموال المشروع إلى أعماله الفعلية، ويمنع استخدامها في تمويل مشروعات أخرى أو تغطية التزامات لا ترتبط بالمشروع الذي دفع العملاء أموالهم من أجله.

وفي جميع الأحوال، من غير المنطقي أن يلتزم المشتري بإصدار شيكات تغطي كامل ثمن الوحدة قبل بدء تنفيذ المشروع، بينما لا توجد في المقابل ضمانات مماثلة تلزم المطور بمراحل إنجاز واضحة ومواعيد تنفيذ محددة.

من هو المستثمر الحقيقي؟

في أي مشروع استثماري، من البديهي أن تمتلك الشركة صاحبة المشروع الملاءة المالية التي تؤهلها للتنفيذ، وأن تتحمل الجزء الرئيسي من مخاطر الاستثمار.

أما عندما تبدأ الشركة مشروعها دون رأس مال كافٍ، وتعتمد أساسًا على الأموال التي يدفعها المشترون لتمويل الإنشاء، فإن السؤال المنطقي يصبح: من هو المستثمر الحقيقي؟

إذا كان المشترون هم الذين وفروا التمويل الفعلي للمشروع، ويتحملون مخاطر التأخير أو التعثر أو تغيير المخططات والمواصفات، من دون الحصول على عائد مقابل هذه المخاطر، فإنهم لا يُعاملون بوصفهم شركاء في الاستثمار، بل يظلون مجرد عملاء ملزمين بالسداد والتوقيع على عقود لا يملكون غالبًا التفاوض على شروطها.

وهنا تظهر المفارقة؛ فالمشتري يمول المشروع ويتحمل مخاطره، بينما يحتفظ المطور وحده بعوائده وقراراته.

التنظيم لا يستهدف تقييد المطورين

إن بناء منظومة عقارية متكاملة لا يهدف إلى تقييد المطورين أو تعطيل حركة الاستثمار، بل على العكس، يهدف إلى حماية المطور الجاد، واستبعاد غير المؤهل، وتعزيز ثقة المواطنين في السوق.

كما أن وجود قواعد واضحة للملاءة المالية، وحسابات مخصصة للمشروعات، وربط الأقساط بمعدلات التنفيذ، سيحد من المنافسة غير العادلة التي يمارسها بعض الداخلين إلى السوق دون قدرات مالية أو فنية حقيقية.

تنظيم السوق أصبح ضرورة لحماية أموال المواطنين، والحفاظ على سمعة القطاع العقاري، وضمان استدامة واحدة من أهم الصناعات الداعمة للاقتصاد المصري.

فالسوق الذي يحمي المشتري، ويراقب المطور، ويضمن توجيه الأموال إلى التنفيذ، هو السوق القادر على جذب الاستثمار الحقيقي، وتحقيق نمو مستدام، ومنع الأزمات قبل وقوعها.

محامي و مستشار قانوني بارز