جريدة اخبارية شاملة
رئيسي 01 إيفر
رئيس التحرير طارق شلتوت
مؤقت – E Finance
بنك مصر داخل المقالة

الاقتصاد الأزرق يدخل مرحلة التنفيذ في مصر.. الحكومة تترجم التزامات البحر الأحمر إلى مشروعات واستثمارات لحماية البيئة وتعزيز النمو المستدام

يشهد ملف الاقتصاد الأزرق تحولًا متسارعًا من مرحلة صياغة الرؤى والاستراتيجيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات، في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالاستثمار في الموارد البحرية باعتبارها أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي المستدام ومواجهة آثار التغيرات المناخية. وفي هذا السياق، تسعى مصر إلى توظيف موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، وتعزيز شراكاتها الإقليمية، وتحويل التزاماتها البيئية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ توازن بين حماية النظم البيئية البحرية وتعظيم العائد الاقتصادي من السياحة والنقل البحري والموانئ والثروات الطبيعية.
وفي إطار هذا التوجه، عقدت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، اجتماعًا مع المهندس شريف عبد الرحيم، رئيس جهاز شؤون البيئة، لمناقشة مخرجات الاجتماع الأول للجنة الإقليمية لمشروع الاقتصاد الأزرق المستدام في البحر الأحمر وخليج عدن (HESBERSGA)، إلى جانب استعراض جدول أعمال اجتماع نقاط الاتصال الوطنية للهيئة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن (PERSGA)، واللذين عُقدا مؤخرًا بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، بحضور الدكتورة هبة شعراوي، رئيس الإدارة المركزية للسواحل والبحيرات والموانئ بجهاز شؤون البيئة ونقطة الاتصال الوطنية للاتفاقيات الخاصة بالبيئة البحرية والاقتصاد الأزرق.

مشروع إقليمي يستهدف إعادة صياغة اقتصاد البحر الأحمر

- Advertisement -

استعرض الاجتماع مكونات مشروع الاقتصاد الأزرق المستدام، والذي يرتكز على أربعة محاور رئيسية تشمل تعزيز الحوكمة الإقليمية والوطنية من خلال تحديث السياسات وبناء القدرات وتطوير آليات التنسيق بين القطاعات المختلفة، إلى جانب حماية واستعادة النظم البيئية البحرية عبر الحفاظ على الشعاب المرجانية وأشجار المانجروف والأعشاب البحرية، واستعادة الموائل المتدهورة والحد من مصادر التلوث.
كما يتضمن المشروع محورًا اقتصاديًا يستهدف دعم السياحة البيئية، وتعزيز المصايد المستدامة، وتشجيع النقل البحري منخفض الانبعاثات، وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري، مع خلق فرص عمل جديدة للشباب والمرأة، بما يعزز مساهمة الاقتصاد الأزرق في الناتج الاقتصادي للدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

النموذج المصري.. ترجمة الاستراتيجية إلى ثلاثة مشروعات وطنية

وخلال الاجتماع، استعرضت وزيرة التنمية المحلية والبيئة النموذج المصري لتطبيق مشروع الاقتصاد الأزرق، والذي يعتمد على التكامل بين السياسات البيئية والتنموية، من خلال ثلاثة مشروعات وطنية مترابطة تستهدف ربط رؤية مصر للتنمية المستدامة بالأهداف العالمية للتنمية المستدامة وبرامج مرفق البيئة العالمي (GEF)، وصولًا إلى بناء مستقبل بحري أخضر ومستدام.
وأكدت الوزيرة أن هذا النموذج يهدف إلى تحويل اتفاقية جدة من إطار للتعاون الإقليمي إلى منصة استثمارية تدعم حماية البيئة البحرية، وتحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.

تأهيل المحميات البحرية.. حماية الشعاب المرجانية ودعم السياحة البيئية

يتعلق المشروع الأول بإعادة تأهيل البنية التحتية البيئية للمحميات البحرية، بما يوفر بنية تحتية صديقة للبيئة تخدم النشاط السياحي البحري وتحافظ في الوقت نفسه على الشعاب المرجانية.
ويتضمن المشروع إنشاء منظومة متكاملة للشمندورات، وتحديد مناطق رسو آمنة، وتوفير خدمات الإرشاد والرقابة، وإعداد الخرائط البحرية، وتركيب اللوحات التعريفية وأجهزة المراقبة، إلى جانب تنفيذ برامج تدريب وبناء قدرات لمفتشي المحميات ومشغلي اليخوت وقوارب الغوص.
ومن المقرر تنفيذ المشروع بالتعاون بين جهاز شؤون البيئة ومحافظة البحر الأحمر وبالتنسيق مع الجهات المعنية، بما يحقق تحسين إدارة المحميات الطبيعية، ورفع مستويات السلامة البحرية، وإنشاء نظام تشغيل ورقابة مستدام للمحميات.
وفي هذا الإطار، وجهت الدكتورة منال عوض بسرعة الانتهاء من تحديد مواقع الشعاب المرجانية بدقة، وإنشاء الشمندورات المخصصة لليخوت وقوارب الغوص، مع تخصيص مناطق انتظار ورسـو آمنة، وتوفير جميع وسائل الدعم الملاحي والتقني اللازمة.

الموانئ الخضراء.. تطوير بيئي يعزز تنافسية قطاع النقل البحري

أما المشروع الثاني، فيستهدف التحول إلى نموذج “الموانئ الخضراء” بالموانئ المطلة على البحر الأحمر، بالتنسيق مع الجهات المختصة، عبر تنفيذ تدقيق بيئي شامل، وتطبيق معايير الإدارة البيئية الدولية ISO 14001، وإطلاق منظومة للرصد اللحظي لجودة الهواء والمياه، وتحسين إدارة المخلفات.
ويمثل هذا المشروع أحد المحاور الداعمة لتطوير قطاع النقل البحري المصري، إذ يسهم في تحديث أنظمة الإدارة البيئية بالموانئ، وخفض معدلات التلوث والانبعاثات الكربونية، مع توفير حماية غير مباشرة للموائل البحرية، بما يتماشى مع الاتجاهات العالمية نحو موانئ أكثر استدامة وجاذبية للاستثمارات.

التخطيط المكاني البحري.. إدارة متوازنة للموارد الساحلية

كما تناول الاجتماع المشروع الثالث الخاص بالتخطيط المكاني البحري المتكامل (MSP)، والذي يقوم على إنشاء منظومة حوكمة لإدارة النمو الاقتصادي على امتداد ساحل البحر الأحمر عبر أربع مراحل تنفيذية، بما يضمن الاستخدام الأمثل للمناطق الساحلية والبحرية، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على النظم البيئية.
ويستهدف المشروع تحسين إدارة المناطق المحمية البحرية، وتعزيز تطبيق ممارسات التخطيط المستدام للموائل البحرية بما يرفع كفاءة استغلال الموارد الطبيعية ويحافظ عليها.

اتفاقية جدة.. آليات إقليمية لحماية البحر الأحمر

كما استعرض الاجتماع نتائج أعمال نقاط الاتصال الوطنية لاتفاقية جدة لحماية بيئة البحر الأحمر وخليج عدن، والتي تمثل الإطار الإقليمي للتعاون بين الدول الأعضاء في مجالات مكافحة التلوث البحري، والاستجابة لحالات الطوارئ، والبحث العلمي، وتقييم البيئة، وتبادل البيانات والمعلومات.
وتشمل الآليات التنفيذية للاتفاقية محطة الرصد الآلي والإنذار المبكر، التي توفر بيانات بيئية مستمرة للبيئة الساحلية ضمن شبكة إقليمية متكاملة، بالإضافة إلى مركز المساعدة المتبادلة لطوارئ التلوث البحري (إيمارسجا)، الذي يقدم الدعم الفني والتشغيلي للدول السبع الأعضاء في حالات الطوارئ البحرية.

برامج تنفيذية لمواجهة التلوث والصيد الجائر

واستعرض الاجتماع أيضًا البرامج التنفيذية المنبثقة عن اتفاقية جدة، والتي تشمل برنامج الحد من النفايات البحرية والميكروبلاستيك من خلال إعداد خطط لإدارة القمامة البحرية وتنفيذ حملات تنظيف وتوعية، إلى جانب برنامج الحد من مخاطر الملاحة والتلوث بما يعزز سلامة الشحن الدولي.
كما تناول برنامج إدارة الموارد البحرية، الذي يركز على مواجهة الصيد الجائر وتدهور الموائل الطبيعية، وضمان الإدارة المستدامة للموارد الحية بما يدعم الأمن الغذائي ويزيد قدرة النظم البيئية على التكيف مع تغير المناخ، فضلًا عن برنامج المحميات البحرية الذي يعد الأداة الأساسية لحماية التنوع البيولوجي وتنظيم الأنشطة البشرية واستعادة المخزون السمكي.

مواجهة الصيد الجائر وتقليل البلاستيك.. أولويات المرحلة المقبلة

وشددت الدكتورة منال عوض على ضرورة إعداد خطة متكاملة لمواجهة ظاهرة الصيد الجائر في البحر الأحمر، والعمل على الحد من استخدام الأكياس البلاستيكية في المدن السياحية الساحلية للحد من ظاهرة القمامة البحرية، مؤكدة أن الحفاظ على البيئة البحرية يمثل ركيزة أساسية لاستدامة الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحر الأحمر.
وأكدت الوزيرة استمرار التزام مصر بتعزيز التعاون الإقليمي مع دول البحر الأحمر وخليج عدن، من خلال المشاركة الفاعلة في تنفيذ برامج الهيئة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن (PERSGA)، وتنفيذ مشروع الاقتصاد الأزرق المستدام (HESBERSGA)، باعتباره أحد أهم المشروعات الإقليمية الداعمة للإدارة المستدامة للموارد البحرية، وتحسين الحوكمة البيئية، وتعزيز الاقتصاد الأزرق، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.

قراءة مستقبلية

تعكس التحركات المصرية الحالية تحولًا استراتيجيًا نحو دمج الاعتبارات البيئية في السياسات الاقتصادية والاستثمارية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالبحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية ومقصدًا رئيسيًا للسياحة والاستثمار. ومع دخول مشروعات الاقتصاد الأزرق مرحلة التنفيذ، تزداد فرص جذب التمويل الدولي والاستثمارات الخضراء، ورفع تنافسية الموانئ والسياحة البحرية، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للاقتصاد الأزرق والتنمية المستدامة في منطقة البحر الأحمر.