
لا يكاد يمر عام دون أن يعود ملف تصدير العقار المصري إلى صدارة المشهد، مصحوبًا باجتماعات، ولجان، وتصريحات تؤكد أن مصر تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتصبح واحدة من أكبر الأسواق المصدرة للعقار في المنطقة.
والحقيقة أن هذا الطرح ليس جديدًا، لكن الجديد هذه المرة هو الحديث عن قرب إطلاق منصة رقمية موحدة لتصدير العقار المصري، بعد الاجتماع الذي جمع المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان، والمهندس رأفت هندي، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
ورغم أهمية الاجتماع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل نحتاج إلى منصة؟ بل: كيف تتحول هذه المنصة إلى أداة بيع حقيقية وليست مجرد مشروع حكومي جديد؟
الأسواق العالمية لا تنتظر البيانات الصحفية، بل تبحث عن منتج واضح، وإجراءات سريعة، ومنظومة رقمية تمنح المستثمر القدرة على البحث والمقارنة والتعاقد والدفع من أي مكان في العالم خلال دقائق. لذلك، فإن نجاح المنصة لن يقاس بعدد الاجتماعات التي سبقت إطلاقها، وإنما بعدد الصفقات التي ستنجح في جذبها إلى السوق المصرية.
ليست منصة حكومية.. بل سوق إلكترونية للعقار المصري
الخطأ الأكبر الذي يجب تجنبه هو النظر إلى المنصة باعتبارها موقعًا إلكترونيًا تابعًا لجهة حكومية. فالمنصة، إذا أُريد لها النجاح، يجب أن تكون السوق الرقمية الرسمية للعقار المصري، تضم جميع المشروعات المؤهلة للتصدير، سواء كانت مملوكة للدولة أو للقطاع الخاص، بحيث يجد المستثمر كل ما يبحث عنه في مكان واحد.
فالمستثمر الأجنبي لا يريد أن ينتقل بين عشرات المواقع الإلكترونية ليقارن بين مشروع وآخر، ولا أن يبدأ رحلة جديدة مع كل مطور للحصول على المعلومات الأساسية. ما يحتاجه هو نافذة موحدة، تقدم بيانات دقيقة، وصورًا حقيقية، وموقفًا قانونيًا واضحًا، وطرق سداد، وخدمات ما بعد البيع، في تجربة رقمية تضاهي كبرى المنصات العقارية العالمية.
المطورون شركاء.. لا مجرد مستخدمين
إذا بقيت المنصة مشروعًا تديره الحكومة وحدها، فستفقد جزءًا كبيرًا من فرص نجاحها. أما إذا تحولت إلى منصة تُبنى بالشراكة مع المطورين العقاريين، فستصبح أكثر قدرة على مواكبة احتياجات السوق.
المطور هو الأقرب إلى العميل، والأكثر معرفة بالأسواق المستهدفة، ويدرك الفروق بين متطلبات المستثمر الخليجي، والمصري المقيم بالخارج، والمستثمر الأوروبي. ومن ثم، فإن إشراكه في تصميم وتطوير وتشغيل المنصة ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان نجاحها واستمرار تحديثها.
مدن تقود المرحلة الأولى
لا تحتاج مصر إلى البدء من الصفر. فهناك مدن أصبحت تمتلك منتجًا عقاريًا قادرًا على المنافسة عالميًا، وفي مقدمتها العلمين الجديدة، والعاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة الجلالة، وهي مدن يمكن أن تكون نقطة الانطلاق الأولى للمنصة، قبل التوسع تدريجيًا لتشمل مختلف المدن والمشروعات.
لكن النجاح لن يتحقق بمجرد عرض الوحدات، بل بتقديم قصة استثمار متكاملة؛ مدينة ذكية، وبنية تحتية حديثة، وخدمات، وعائد استثماري، وأسلوب حياة، وهي عناصر أصبحت جزءًا أساسيًا من قرار شراء العقار في الأسواق الدولية.
البيروقراطية.. العدو الأول
إذا انتقلت الإجراءات الورقية بكل تعقيداتها إلى المنصة الرقمية، فلن يتحقق الهدف منها. الرقمنة لا تعني تحويل الاستمارات الورقية إلى ملفات إلكترونية، وإنما إعادة تصميم رحلة المستثمر بالكامل لتصبح أكثر سرعة وسهولة وشفافية.
ولهذا، فإن نجاح المنصة يرتبط بربطها إلكترونيًا مع جهات التوثيق، والتسجيل، والمدفوعات، وإجراءات نقل الملكية، حتى يتمكن المستثمر من إنجاز معاملاته بأقل عدد ممكن من الخطوات، وبأعلى درجات الأمان.
من «جدران الحكومة» إلى «شاشات المطورين»
القيمة الحقيقية للمنصة لن تتحقق يوم إعلانها، وإنما يوم تصبح جزءًا من العمل اليومي لشركات التطوير العقاري، ويعتمد عليها المستثمرون داخل مصر وخارجها باعتبارها المرجع الرسمي الأول للعقار المصري.
عندها فقط، ستكون المنصة قد غادرت جدران الحكومة إلى شاشات المطورين، وانتقلت من فكرة تُناقش في الاجتماعات إلى أداة اقتصادية تسهم في زيادة حصيلة النقد الأجنبي، وتعزيز تنافسية العقار المصري، وترجمة الطفرة العمرانية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة إلى عائد استثماري مستدام.
فالمعادلة لم تعد في حاجة إلى مزيد من الدراسات أو الاجتماعات، بقدر ما تحتاج إلى تنفيذ سريع، وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، ومنصة تدار بعقلية السوق لا بعقلية الإدارة التقليدية. وعندها فقط، يمكن أن يتحول تصدير العقار من ملف واعد إلى أحد أهم مصادر العملة الأجنبية للاقتصاد المصري.
بقلم طارق شلتوت .. رئيس تحرير موقع المطور





