
أسعار الفضة في مصر والعالم تدخل مرحلة تصحيح حادة.. هل انتهت موجة الصعود القياسية أم تتهيأ السوق لانتعاشة جديدة؟
تشهد أسواق المعادن النفيسة مرحلة جديدة من إعادة التسعير، بعدما دفعت السياسات النقدية الأمريكية المشددة وقوة الدولار المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في الأصول التي لا تدر عائدًا دوريًا. وبينما يظل الذهب الملاذ التقليدي الأكثر استقرارًا، تبدو الفضة أكثر حساسية لتقلبات الأسواق، نظرًا لطبيعتها المزدوجة كأصل استثماري ومعدن صناعي يعتمد على أداء الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، كشف “مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية” عن تراجع ملحوظ في أسعار الفضة محليًا وعالميًا خلال الأسبوع الماضي، في ظل ضغوط متزايدة من ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وصعود الدولار، واستمرار توقعات بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، رغم استمرار العجز في المعروض العالمي، وهو ما يبقي على فرص التعافي في الأجل المتوسط.
تراجع أسبوعي في الأسعار محليًا وعالمية
قال الدكتور وليد فاروق، مدير “مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية”، إن أسعار الفضة في السوق المصرية انخفضت بنحو 3.8% خلال تعاملات الأسبوع الماضي، بالتزامن مع تراجع الأوقية في الأسواق العالمية بنسبة 4.8%.
وأوضح أن سعر جرام الفضة عيار 999 افتتح تعاملات الأسبوع عند 104 جنيهات، قبل أن يغلق عند 100 جنيه، بخسارة بلغت 4 جنيهات للجرام.
أما عالميًا، فتراجعت أوقية الفضة من 63 دولارًا إلى 60 دولارًا، فاقدة نحو 3 دولارات خلال أسبوع واحد.
وأضاف أن سعر جرام الفضة عيار 925 سجل نحو 93 جنيهًا، فيما بلغ سعر جرام الفضة عيار 800 نحو 80 جنيهًا، بينما سجل الجنيه الفضة نحو 744 جنيهًا.
الدولار والفائدة يعيدان الفضة إلى مسار التصحيح
وأوضح فاروق أن موجة التراجع جاءت نتيجة تزامن عدة عوامل اقتصادية، أبرزها ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، واستعادة الدولار الأمريكي قوته، إلى جانب تزايد رهانات المستثمرين على استمرار السياسة النقدية الأمريكية المتشددة لفترة أطول، مع احتمالات رفع أسعار الفائدة مجددًا إذا أدت التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط إلى عودة الضغوط التضخمية.
ويؤدي ارتفاع أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية إلى تراجع جاذبية المعادن النفيسة، باعتبارها أصولًا لا تحقق عائدًا دوريًا، بينما يزيد ارتفاع الدولار من تكلفة شراء الذهب والفضة لحائزي العملات الأخرى، وهو ما ينعكس سلبًا على الطلب الاستثماري عالميًا.
الفضة أكثر حساسية من الذهب
وأشار مدير “مرصد الذهب” إلى أن الفضة تختلف عن الذهب في كونها تجمع بين صفة الملاذ الاستثماري والمعدن الصناعي، ولذلك لا تتأثر فقط بتحركات الدولار وأسعار الفائدة، وإنما أيضًا بتوقعات النمو الصناعي العالمي، وحجم الطلب من قطاعات الإلكترونيات، وصناعة السيارات، والطاقة النظيفة.
وأوضح أن تعاملات الأسبوع عكست هذه الطبيعة المزدوجة؛ إذ سجلت الفضة مكاسب محدودة في بداية الأسبوع بدعم من بعض بيانات سوق العمل الأمريكية، قبل أن تتخلى عن معظم تلك المكاسب مع عودة ارتفاع عوائد السندات وتجدد المخاوف المرتبطة بالتضخم والسياسة النقدية.
لماذا لم تنخفض الأسعار في مصر بنفس وتيرة الأسواق العالمية؟
وأشار فاروق إلى أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه المصري خلال الأسبوع امتص جزءًا كبيرًا من انخفاض الأوقية عالميًا، وهو ما حدّ من انتقال التراجع بالكامل إلى السوق المحلية.
وأوضح أن أسعار الفضة في مصر تعتمد على ثلاثة محددات رئيسية، هي السعر العالمي للأوقية، وسعر صرف الدولار، والعلاوة المحلية، وهو ما يجعل تحركات السوق المحلية تختلف أحيانًا عن الاتجاهات العالمية.
وأضاف أن خسائر الفضة جاءت أكبر من خسائر الذهب خلال الأسبوع، وهو ما يعكس الطبيعة الأكثر تقلبًا لسوق الفضة مقارنة بالمعدن الأصفر، نتيجة صغر حجم السوق عالميًا، وتداخل الطلب الاستثماري مع الطلب الصناعي، بما يجعل تحركات الأسعار أكثر حدة في الصعود والهبوط.
من قمة تاريخية إلى تصحيح يتجاوز 50%
وأوضح “مرصد الذهب” أن الفضة سجلت واحدة من أسرع موجات الصعود في تاريخها خلال عام 2026، قبل أن تدخل في موجة تصحيح قوية.
فقد افتتحت الأوقية العام عند 72 دولارًا، ثم قفزت إلى أعلى مستوى تاريخي عند 121 دولارًا في 29 يناير، محققة مكاسب تجاوزت 68% خلال أقل من شهر.
لكن السوق دخلت بعد ذلك في موجة هبوط أوصلت الأوقية إلى نحو 60 دولارًا حاليًا، لتفقد نحو 51% من قيمتها مقارنة بالقمة التاريخية، ونحو 17% مقارنة بمستويات بداية العام.
وعلى المستوى المحلي، بدأ سعر جرام الفضة عيار 999 العام عند 125 جنيهًا، ثم ارتفع إلى 210 جنيهات بنهاية يناير، قبل أن يتراجع تدريجيًا إلى نحو 100 جنيه حاليًا، بانخفاض يقارب 52% عن الذروة، و20% مقارنة ببداية عام 2026.
العجز العالمي لا يزال يدعم السوق
ورغم التراجعات الأخيرة، يرى فاروق أن العوامل الأساسية الداعمة لسوق الفضة لا تزال قائمة على المدى المتوسط والطويل.
وأشار إلى أن تقديرات معهد الفضة تشير إلى استمرار تسجيل السوق العالمي عجزًا للعام السادس على التوالي خلال عام 2026، نتيجة استمرار تجاوز حجم الاستهلاك للإمدادات، رغم توقعات بزيادة المعروض العالمي وارتفاع إنتاج المناجم بصورة محدودة.
وأوضح أن استمرار العجز لا يعني نمو جميع مكونات الطلب، إذ يتوقع المعهد تراجع الطلب الصناعي بصورة طفيفة خلال العام الجاري، نتيجة انخفاض كمية الفضة المستخدمة في بعض تطبيقات الطاقة الشمسية.
في المقابل، ينتظر أن يواصل الطلب الاستثماري على السبائك والعملات المعدنية نموه، بالتزامن مع توسع استخدام الفضة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والإلكترونيات المتقدمة، وصناعة السيارات.
وأضاف أن زيادة الأسعار لا تؤدي بالضرورة إلى نمو سريع في الإنتاج، لأن الجزء الأكبر من الفضة العالمية يتم استخراجه كمنتج جانبي من مناجم النحاس والرصاص والزنك والذهب، وهو ما يجعل استجابة المعروض لتحركات الأسعار محدودة، ويُبقي السوق معرضًا لاستمرار العجز.
السيناريوهات المتوقعة خلال النصف الثاني من 2026
وأشار فاروق إلى أن مؤسسة StoneX تتوقع استمرار تحرك الفضة خلال الفترة المقبلة داخل نطاق يتراوح بين 55 و60 دولارًا للأوقية، مع بقاء المعدن أكثر تقلبًا من الذهب نتيجة استمرار تأثره بحركة الدولار الأمريكي، وأسعار الفائدة، وأداء الذهب.
وفي المقابل، يظل استمرار العجز في المعروض العالمي عامل دعم رئيسيًا يمنع حدوث انهيار طويل الأجل للأسعار، حتى مع استمرار التقلبات قصيرة الأجل.
قراءة مستقبلية
تعكس التحركات الأخيرة دخول سوق الفضة مرحلة إعادة تسعير بعد الارتفاعات القياسية التي شهدها مطلع عام 2026، حيث أصبحت تحركات الأسعار مرتبطة بدرجة أكبر بمسار السياسة النقدية الأمريكية، واتجاه الدولار، وسلوك المستثمرين تجاه الأصول الآمنة. وفي الوقت نفسه، تظل أساسيات السوق داعمة على المدى المتوسط، مع استمرار العجز العالمي وتوسع استخدام الفضة في الصناعات التكنولوجية الحديثة، ما يجعل فرص التعافي قائمة بمجرد تراجع الضغوط النقدية واستعادة الطلب الاستثماري زخمه.





